وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت(ع) للأنباء ـ ابنا ـ فیما یلي كلمة السيد حسن نصرالله في مهرجان "الكرامة والإنتصار" بملعب الراية:
-كما في كل عام في مثل هذه المناسبة أرى أنه من واجبي أن أتوجه بالشكر والتحية إلى أرواح كلشهداء الجيش والشعب وشهداء المقاومة من كل فصائلها، وعائلات الشهداء والجرحى وكل من تمّ أسره في الحرب وعاد وكل المهجرين في بيوتهم وكل القلوب الواسعة التي احتضنتهم إلى الذين دمرت بيوتهم وارزاقهم وصبروا كما كل من دعم وأيّد وساند بعمل أو فعل أو موقف أو كلمة أو دعاء أو بسمة في لبنان والعالمين العربي والإسلامي وفي كل انحاء العالم من دول وحكومات وشعوب مؤسسات وقوى وأحزاب وجماعات وقوى وشخصيات وأفراد وكل من قد أكون نسيتهم، فأنا دائمًا أشكر وأرسل تحية متجددة إلى كل الذين وقفوا إلى جانب لبنان وإلى جانب المقاومة في لبنان، فكان هذا الإنتصار.
- بالعودة إلى أيام الحرب أعتقد أن من أهم العوامل الأساسية في الغنتصار في هذه الجبهة والهزيمة في الجبهة الاخرى هو العامل التالي: الثبات والثقة المتبادلة والأمل بالانتصار والإيمان والصمود في كل الساحات والأبعاد، أي صمود الشعب اللبناني وصمود الناس والصمود السياسي الذي يعني عدم الإستسلام للشروط والضغوط والتسويات التي لم تكن مناسبة لمصلحة لبنان، كما صمود الجيش والقوى الامنية، والعامل الاهم في هذا الصمود والمؤسس لكل صمود هو صمود المقاومين المقاتلين الثابتين في ميادين القتال.
- هذا الصمود الذي شكل بحد ذاته وبمعزل عن نتائجه شكل معجزة حقيقية، إذ كيف يمكن لآلاف من المقاتلين المجاهدين الذين لا يملكون غطاء جويا او كانوا يقاتلوا في الليل والنهار على مدة 33 يوما في كل القرى والبلدات والتلال والوديان والمواقع وبكل اشكال القتال يواجهون الجنود والألوية والكتائب والسرايا ويواجهون الدبابات ويطلقون الصواريخ، فيما السماء تمطرهم نارًا والقصف المدفعي والصاروخي غير قابل للتصور والبيوت تدمّر من حولهم شمالاً ويمينًا، فهذا الصمود أسطوري بكل المعايير والمقاييس العسكرية إذ لا يمكن للإنسان أن يتقبل ثباتاً وصموداً من هذا النوع.
- يمكن التحدث عن مستويين على مستوى أعلى وهو انهيار الثقة وعلى مستوى أقل هو اهتزاز الثقة بدرجة كبيرة وهذا ما شهدناه في بقية مراحل الحرب أو على المستوى السياسي والعسكري والشعبي.
- هذه الحرب تركت الآثار الخطيرة على مستوى الكيان وعلى مستوى حاضره ومستقبله السياسي والأمني والعسكري، ولكن برأيي فإن أهم نتيجة وهي نتيجة استراتيجية جداً تتمثل باهتزاز وانهيار الثقة بين شعب الإحتلال والقيادة السياسية وجيش الإحتلال وخصوصًا في داخل الجيش، وفي المقابل هناك ارتفاع عامل الثقة في جبهتنا والثقة بالمقاومة وبخيارها ومجاهديها في لبنان وفلسطين والعراق والعالمين العربي والإسلامي. وهذا العامل النفسي عامل الثقة واليقين والإحترام وعامل الإيمان بصوابية الطريق والمواجهة هو عامل استراتيجي حاسم وهام جدا عندنا وعندهم في ترسيم صورة الصراع في المنطقة.
- لذلك نحن نجد أن اسرائيل وبدعم من أميركا وكل داعميها في العالم عملت منذ ذلك الحين أي منذ انتهاء الحرب على وضع مجموعة أهداف، وعلى رأسها استعادة الثقة المفقودة بين الشعب والقيادة السياسية والجيش أو ترميم الثقة المنهارة، في الوقت الذي تحاول فيه بطبيعة الحال أن تستعيد قدرتها العسكرية والأمنية والسياسية من أجل فرض ما تريده مستقبلاً سواء من شروط على لبنان أو على الفلسطينيين أو على سوريا او على بقية المنطقة العربية والإسلامية.
- هذا التقييم الذي سنجريه هو أساسي لكل من يريد أن يقيّم المستقبل وما اذا كانت ستقع حرب أم لا.
- العامل الأول هو عامل الجهد الإستنهاضي الذي يقوم به العدو منذ ذلك الوقت، فالمناورات العسكرية والتدريب واستدعاء الإحتياطي والتدريب على صدّ الصواريخ ليس لما بعد حيفا بل لما بعد بعد بعد بعد حيفا، إلى جانب سد الثغرات التي أظهرتها حرب تموز، وهذا الجهد يضاف إليه بدء مناورات غير مسبوقة في تاريخ الكيان على مستوى الجبهة الداخلية أي الناس والدولة والمؤسسات والمجتمع، فهم بدأوا بتحول واحد واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وهي مناورة في كل فلسطين المحتلة، وهدفها معالجة اوضاع الناس اي تعليم الناس وتدريبهم في ما لو حصلت حرب جديدة.
- كل ما يقومون به على صعيد السلاح والتدريب وسد الثغرات هو اعادة الثقة إلى الشعب الإسرائيلي، إلا أن الإسرائيليين يعترفون بأن هناك الكثير من المشاكل التي لم تحل بعد، فمثلا في مناورة "تحول خمسة" وفي نتائجها الكبيرة هناك نتيجتان واضحتان، الأولى أن الإسرائيليين يقولون لشعبهم إننا لسنا قادرين بالوسائل العسكرية على حماية الجبهة الداخلية، فهم غير قادرين على اسقاط كل الصواريخ التي ستنزل على الاهداف داخل الكيان وتجربة القبة الحديدية وأيضا غير قادرين على الوصول على مواقع المقاتلين المقاومين ومنصات اطلاق الصواريخ في لبنان وغزة فضلا عن سوريا وايران اذا تكلمنا عما يفترضونه هم عن معركة أوسع.
- أما العامل الثاني فهو اعلامي نفسي، وفهم يبذلون جهودا كبيرة في الإعلام لإعادة ترميم الثقة، ومن جملتها أن بعض الإسرائيليين بدأ يخفف من نتائج حرب تموز ويقدم صورة مختلفة قليلا. وفي البداية أجمع الإسرائيليون على أن ما حصل في حرب تموز هو اخفاق وهزيمة وفشل، فهم شكلوا لجنة فينوغراد ولكن في الآونة الأخيرة ومن اجل تخفيف المصيبة على شعبهم بدأوا يفتشون بـ"السراج والفتيلة" على انجازات الحرب، فالإسرائيلي يحاول إعادة الثقة عند شعبه وجيشه بالأكاذيب وتكبير الأمور ليجعل منها انجازات مهمة.
- شيمون بيريز، وهو اليوم رئيس دولة، قال سابقًا إن هناك انجازين عظيمين وكبيرين يستحقان الوقوف عندهما تحققا في حرب تموز، الأول أنهم أدخلوا نصرالله إلى الملجأ أي هذا هو الإنجاز العظيم الأول لحرب تموز، أما الإنجاز الثاني فيتمثل بأنهم حافظوا على الهدوء للحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.
- الفضيحة أن هذا الشخص ذاته (أي بيريز) قال عند التحقيق معه في لجنة "فينوغراد" إنه في نهاية المطاف وقف العالم إلى جانبنا لاننا ضعفاء وليس لاننا على حق، فكان هناك شعور بأن إسرائيل ليست كما كانت عليه دائما أي غير متألقة وغير مفاجئة وغير إبداعية، ولهذا السبب فقدنا بعضًا من قدرة الردع الدولية.
- من اهداف الحرب سحق "حزب الله" أو إضعافه إلا أنه ازداد قوة، ومن أهدافها أيضًا كان استعادة الأسيرين من دون تفاوض ولكن استعادوهما بتفاوض افقي وعاد أسرانا وهم يرفعون الرأس.
- الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة كانت هادئة بعد ايار 2000، وهذا الهدوء فرضته المقاومة عام 2000، ولم تكن اسرائيل بحاجة لشن حرب لتستعيد هذا الهدوء، فهذا الهدوء فرضته المقاومة بتوازن الردع وتوازن القوى.
- لإسرائيلي نسي أنه كان يرتكب العدوان والمجازر ويعتدي على أرضنا وينهب خيراتنا، ولكن بفضل المقاومة فرض الهدوء، فالمقاومة لم تكن مشروع حرب بل مهمتها الدفاع عن بلدها وأرضها وشعبها وعرض أهلها وكرامات هذا الشعب، وهذا تحقق في 25 أيار 2000، إذاَ حتى الكلام عن الهدوء هو من قبيل تحصيل حاصل وليس انجازا.
- هناك جنرالات كبار ورؤساء اركان سابقون ورؤساء موساد سابقون ورؤساء مجلس أمن سابقون ونخب سياسية يحذرون اسرائيل من القيام بمغامرة ليس على مستوى حرب اقليمية بل حتى مع لبنان فقط وحتى في مواجهة "حزب الله"، ويحذرون الحكومة من الاقدام على مغامرة من هذا النوع ويقولون إنها غير معلومة النتائج بل البعض سيقول بصراحة إن النتائج ستكون كارثية وأن الفشل سيتكرر، وبناء عليه فإن هذه الإجراءات لم تنفع في ترميم الثقة التي قلت إنها عامل حاسم .
- على الخط المقابل ومنذ انتهاء الحرب في العام 2006 وحتى اليوم تبذل جهود كبيرة جدًا للتشكيك بالمقاومة وانتصاراتها وانجازاتها ونواياها وخلفياتها ومن اجل تشويه صورتها، وقد انفقت من أجل ذلك مئات الملايين من الدولارات، وفي هذا السياق يأتي أيضًا السعي الى اتهام مقاومين شرفاء من قبل المحكمة (الدولية الخاصة بلبنان) باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري واتهام "حزب الله" بكم هائل من الافتراءات والأكاذيب التي ترونها في الصحف والإذاعات ومواقع الإنترنت، وكلها لا أساس لها من الصحة ولا تؤدي إلى ثقافة وعقلية وسيرة "حزب الله"، فالأساس هو ضرب الثقة التي تأصلت وقويت بالمقاومة ثقة المقاومة بنفسها وثقة اهلها بها. وأتوجه للصديق والعدو إيماننا بالله وثقتنا بوعده ونصره وصوابية خيرانا فإن طريقنا لا يمكن يهتز أو يتزعزع وهو أقوى من أي زمن مضى بفعل التجربة والأحداث والإنتصارات.
- أقول لكم من موقع العارف بالتفاصيل أن قوة المقاومة اليوم في لبنان على مستوى معنوياتها وتماسكها وشجاعتها وكوادرها البشرية ومقدراتها المادية هي أعلى وافضل من أي زمن مضى منذ انطلاقتها، وهذا يجب أن يعرف به العدو ايضًا، لاسيما أنه اليوم في إطار حربه النفسية ومحاولة استعادة ثقة جمهوره به يلجأ إلى ادبياتنا نحن ويلجأ إلى تقاليدنا.
انتهی/158