هذا اذا ما فكر احد اي احد في تنفيذ ما بات يعرف بالقرار الاتهامي الصادر عن 'المحكمة الخاصة بلبنان' بحق مجاهدين من حزب الله لا ذنب لهم سوى انهم ساهموا مع قائدهم الشهيد عماد مغنية في تهشيم صورة 'اسرائيل القوية التي لا تقهر' واذاقوها طعم الذل والهزيمة لاول مرة في حياتها المزورة!
هذا هو الموقف على الارض فيما يخص بحزب المقاومة وقائد المقاومة وجمهور المقاومة في لبنان وهو كذلك في كل الوطن العربي والاسلامي تجاه ما يصفونه بـ'مسرحية' قرارات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان!
لم يكن الموقف سهلا ان يخرج قادة 'اسرائيل العظمى' في صورة المنهزم المندحر امام بضعة آلاف من المقاتلين في حرب ارادوها نهاية لاسطورة المقاومة العربية والاسلامية فاذا بهم يخرجون من ارض المعركة وهم يجرون دباباتهم بما يشبه 'خردة الحديد' من وادي الحجير في جبل عامل ويلملمون نياشين جنرالات طياريهم التي تناثرت على كل ارض لبنان بفعل صمود فتية آمنوا بربهم فزادهم الله ايمانا. كان ذلك هو الشعور العام في 14 آب/اغسطس من العام 2006!
وهكذا نشأت فكرة توجيه الاتهام الى هؤلاء القادة والسادة من حزب الله وهكذا صدر القرار الاتهامي للمرة الاولى على صفحات جريدة الفيغارو في التاسع عشر من آب/اغسطس من العام 2006 اي بعد خمسة ايام فقط من تذوق قادة الكيان الغاصب لطعم تلك الهزيمة النكراء والتي اعتبرت بمثابة الحرب الاولى لهم كما وصفها قادة العدو بالتوقيت العربي الاسلامي البتة! اما لماذا يلجأون الآن مرة اخرى الى المحكمة الدولية مع علمهم الكامل بان لا احد في لبنان او غير لبنان بقادر على التجاوب مع تنفيذ اي من قراراتها او حتى الاعتناء بها؟
فهم يعرفون جيدا بان ما يسمى بالمحكمة الدولية لدى قوى المقاومة والممانعة من غزة الى طهران مرورا ببيروت ودمشق ليست سوى منظومة مزورة وباطلة من اساسها لن يكترث بقراراتها احد فضلا عن ان يتعامل معها احد ناهيك عن قدرة احد اي احد على تطبيق اي من بنودها!
يقول الدارسون لنفسية قادة العدو الصهيوني بانه الشعور باستمرارية مرارة الهزيمة لا غير، والعجز التام امام تعاظم قدرات المقاومة وصمود اجنحتها الطائرة في كل من سورية وايران هو الذي يدفعهم الى اشهار هذه الاداة مرة اخرى!
خاصة وانهم بدأوا يشعرون بان الدنيا باتت غير الدنيا التي عرفوها منذ تأسيس الكيان الغاصب، فلا هم قادرون على خلع يد المقاومين عن فعل التهديد الوجودي الذي يتعرضون له عن طريق الحرب الموعودة التي لمجرد ذكرها يرتعبون , ولا هم قادرون على التعايش السلمي مع زمن باتت فيه اليد العليا لهؤلاء 'الفتية' من المقاتلين الذين يزحفون الى مواقع النفوذ والاقتدار وهم يتهيأون ليوم النزال الاكبر خطوة خطوة بكل ما يملكون من صبر واناة وآخرها نجاحهم في تشكيل حكومة وطنية لبنانية مائة في المائة وغير مخترقة من اي من اصحاب الرهانات على التحالف الغربي وهي المرة الاولى التي تحصل في لبنان المعاصر!
وعليه فانه لم يبق لهم سوى اللجوء الى ادوات الفتنة القديمة الجديدة، ظنا منهم ان 'طعم' المحكمة سيكون قادرا هذه المرة على الايقاع بالخصم في فخ الفتنة وتفتيت الصفوف ونشر الفوضى في جبهته لمجرد عنوان 'المحكمة الدولية ' ناسين او متناسين بان شعب لبنان قد خبر وسائل خداعهم وتضليلهم في العراق وغير العراق وانه 'لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين'!
اذ لا احد من سنة او شيعة مسلمين او مسيحيين لبنانيين سيبيعون وطنهم من اجل محكمة اسرائيلية اميركية جل 'قضاتها ومحاميها' ان لم يكن كلهم ضباط مخابرات غربية غارقين في فساد مالي واخلاقي وقيمي.
ليست القصة اذن قصة البحث عن العدالة او الحقيقة في ملف اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري او زعمائه الآخرين الذين ذهبوا جميعا ضحية مؤامرة دولية حيكت خيوطها في تل ابيب وواشنطن سماها الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بلعبة الامم وهو الادرى بما اكتنفته تلك الفترة الزمنية من مؤامرات!
بل ان القصة وما فيها انما جاءت لانقاذ ما يمكن انقاذه من ' الحريرية السياسية' التي قطع لها الجنرال المقاوم العماد ميشال عون 'تذكرة سفر ذهاب بلا عودة' كما قال او 'تذكرة سفر الى داخل السجون' كما عاد مستدركا القول معلنا نيته بدء عهد الاصلاح والتغيير ومكافحة الفساد المستشري في نظام الحكم اللبناني!
ولانه لا يختلف اثنان في لبنان على استحالة تنفيذ اي من قرارات تلك المحكمة الصورية حتى لو جند جيوش العالم كلها، وان دون ذلك حرب وجودية تنتظر الكيان الصهيوني هو اول من يرتعب منها فان هذه الخطوة يقرأها المراقبون من خارج لبنان على انها خطوة اضافية على طريق مصادرة ما بات يعرف بربيع الثورات العربية عن طريق اطلاق الثورات المضادة هنا او هناك!
وما يخص مسرح المواجهة الداخلية مع المقاومة في لبنان فان الخطوة المذكورة انما تأتي بمثابة الطلقة الاخيرة في جعبتهم والتي كان لا بد لهم ان يستنفدوها ظنا منهم بانها الكفيلة باسقاط حكومة ميقاتي الوطنية وتاليا وقف حركة تراجع نفوذهم ونفوذ حلفائهم الغربيين!
غير ان كل عارف بالوضع اللبناني الجديد يعلم جيدا بان هذا الهدف بات مجرد سراب اكدت قطعيته صحوة عربية اسلامية تعم المنطقة غدا النيل منها امرا بعيد المنال ان لم يكن مستحيلا بعد ان تجاوزت الامة اهم مراحل اختباراتها على طريق جسر العبور من زمن الهزائم والانكسارات الى عصر النهضة والانتصارات ولبنان ليس استثناء ان لم يكن البيئة الاكثر مواءمة لتحقيق اهداف المقاومة والممانعة العربية والاسلامية!