نشأة الأمام الخامنئي و سیرته العلمیة
ولد «الإمام آیة الله العظمی السید علي الحسیني الخامنئي» في عام 1939م في مدینة "مشهد" المقدسة ـ شرقي إیران ـ في أسرة علمیة معروفة، فوالده آیة الله السید جواد من علماء مشهد و مجتهدیها المعروفین كان یقیم صلاة الجماعة في الحرم الرضوي في مسجد كوهر شاد صباحاً و في مسجد بازار مشهد ظهراً و مساءَ لسنوات طویلة و قد توفي في عام 1406هـ عن عمر ناهز التسعین عاماً و أما جده فهو آیة الله السید حسین الخامنئي من علماء تبریز هاجر إلی النجف و قضی عمره فیها بالبحث و التدریس و الزهد و التقوی.
قضی آیة الله الخامنئي فترة طفولته برعایة والده و كانت عائلته تمر بظروف مادیة صعبة و تسكن في بیت صغیر فیه غرفة واحدة في أحد أحیاء مشهد الفقیرة.
التحق السید الخامنئي مع أخیه الأكبر و هو في صغره بالكتاتیب لتعلّم القرآن الكریم ثم التحق بمدرسة دینیة إبتدائیة و بعد إكمالها التحق بالدراسة الثانویة و في الوقت نفسه كان یدرس الدورس الحوزویة لدی والده و جملة من علماء مشهد و بعد إكمال دراسة المقدمات التحق بمدرسة نواب الدینیة درس فیها السطوح و بعد إكمالها شرع بحضور بحث الخارج عند المرحوم آیة الله العظمی المیلاني من علماء مشهد المعروفین و كان عمره آنذاك ستة عشر عاماً و هو أمر ملفت للنظر إذ یندر حضور أشخاص بمثل هذا العمر في دروس الخارج.
في عام 1957 م زار السید الخامنئي المراقد المقدسة في العراق و كانت له رغبة في البقاء في النجف الاشرف و لكن والده لم یسمح له بذلك فاضطر للعودة إلی مشهد، یتحدث السید الخامنئي عن هذه الزیارة بالقول: ( ذهبت إلی النجف و حضرت دروس المراجع الحكیم و الخوئي و الشاهرودي و المیرزا باقر الزنجاني.... لكن من بین هذه الدروس ارتحت كثیرا لدرس آیة الله الحكیم و ذلك لأسلوبه السلس و آرائه الفقهیة المتقنة و درس آیة الله المیرزا حسن البجنوردي الذي كان یدرس في مسجد الطوسي و قد ارتحت لدرسه كثیراً).
و في عام 1958م توجه السید الخامنئي إلی حوزة قم المقدسة بعد اخذ الإجازة من والده و یتحدث السید الخامنئي عن فترة وجوده في قم بالقول: ( قررت الاطلاع علی جمیع الدروس حتی احضر الدرس الذي فحضرت درس الإمام الخمیني و من بعد درس آیة الله الشیخ مرتضی الحائري و درس آیة الله العظمی البروجردي و من بین كل تلك الدروس كنت أشارك في درس الأصول للإمام الخمیني بصورة مستمرة).
في عام 1964 م عاد السید الخامنئي مرة أخری إلی مشهد لفقدان والده بصره رغم مخالفة أساتذته الكبار لذلك و اشتغل السید الخامنئي في مشهد بالتدریس بشكل رئیسي حتی عام 1977 م و كان یعد من أساتذة السطوح العلیا (المكاسب و الكفایة ) البارزین بالإضافة إلی تدریس التفسیر والعقائد و مواصلة الدراسة لدی بعض الأعلام في مشهد.
و في عام 1974 م حصل السید الخامنئي علی إجازة اجتهاد من أستاذه المرحوم آیة الله الشیخ مرتضی الحائري، و الجدیر بالذكر أن السید الخامنئي متضلع في العلوم الأدبیة و لدیه إلمام واسع بالشعر و الأدب.
جهاد آیة الله السید الخامنئي(قدس سره)
كان السید الخامنئي منذ صغره تواق للجهاد و مقاومة نظام الشاه المقبور و قد تأثر في صغره بالشهید السید نواب صفوي حیث التقاه أثناء زیارته إلی مشهد بذر في نفسه شرارة الثورة و عندما بدأ الإمام الخمیني (قدس سره) تحركه بشكل واضح ضد الشاه في عام 1962 م كان السید الخامنئي من العناصر الفاعلة في هذا التحرك فقد بعث من قبل الإمام الخمیني إلی مشهد عام 1963 من لإیصال ثلاث نداءات مصیریة حول شهر محرم الذي وقعت فیه انتفاضة 15 خرداد ضد الشاه، النداء الأول كان موجهاً إلی العلماء و الخطباء و رؤساء الهیئات الدینیة و النداء الثاني و الثالث كان إلی المرحوم آیة الله العظمی السید المیلاني و أحد علماء مشهد حول بدأ الكفاح العلني ضد الشاه في السابع من محرم.
كان السید الخامنئي من العناصر الفعالة في التحرك الشعبي لفضح سیاسات الشاه المخالفة للإسلام ومصالح الشعب فكان یتحرك من مدینة إلی أخری لبث الوعي بین الناس و بیان فاجعة الفیضیة و قد تعرض بسبب ذلك إلی مطاردة أزلام الشاه و تم اعتقاله عدة مرات و كان مجموع الفترة التي قضاها في السجون بحدود ثلاث سنوات كما قضی حدود سنة من عمره في المنفی.
كانت للسید الخامنئي نشاطات فاعلة في نشر الفكر الثوري فقد ترجم كتاب (المستقبل لهذا الدین) و أضاف له مقدمة و تعلیقات و طبع الكتاب في مشهد و لكن السافاك(قوات الأمن في زمن الشاه الایراني المقبور) صادر الكتاب و اعتقل اثنین من مسؤولي المطعبة كما كتب و ألف العدید من البحوث و الكتب الثوریة التي كان لها اكبر الأثر في نشر الفكر الثوري في صفوف طلبة الحوزة و المجتمع.
كل هذه النشاطات جعلت من السید الخامنئي علماً واضحاً من أعلام الجهاد و المقاومة ضد الشاه المقبور و عندما تصاعدت الثورة ضد الشاه بعد هجرة الإمام إلی باریس عاد السید الخامنئي إلی مشهد حیث كان منفیاً في مدینة إیران شهر و أصبح محوراً مهما من محاور الثورة هناك.
قرر الإمام الخمیني (قدس سره) تشكیل مجلس لقیادة الثورة و جعل السید الخامنئي عضواً فیه مع الشهید مطهري و الشهید بهشتی و الشهید رفسنجانی وغیرهم و لأجل ذلك اضطر السید الخامنئي إلی أن ینتقل إلی طهران.
و عندما قرر الإمام الخمیني (قدس سره) العودة إلی إیران كان السید الخامنئي عضاً في لجنة استقبال الإمام ثم تحمّل مسؤولیة الإعلام في مكتب الإمام الخمیني و قد قام بهذه المهمة بأحسن وجه رغم المشاق و الصعاب فكان له دور فاعل في برمجة لقاءات الإمام (قدس سره) و تنظیم أخبارها و تقدیمها إلی وسائل الإعلام.
مسیرته الجهادیة بعد انتصار الثورة الإسلامیة
شغل السید الخامنئي بعد انتصار الثورة الإسلامیة مسؤولیات كثیرة أهمها إمام جمعة طهران خلفاً للمرحوم آیة الله الطالقاني و قد أصدر الإمام الخمیني (قدس سره) حكماً عیّنه بموجبه إماماً للجمعة جاء في نص الحكم: (نظراً لماضیكم المشرّف و أهلیتكم علماً و عملاً فقد تقرر تعیین سماحتكم إماماً لصلاة الجمعة في طهران).
كما تولی رئاسة الجمهوریة بعد استشهاد الشهید رجائي و الشهید باهنر حیث رشح لمنصب الرئاسة من قبل العلماء و المؤسسات الثوریة تم انتخابه من قبل الشعب في 5/10/1981 م بعد حصوله علی الأكثریة الساحقة من الأصوات و تسلم سماحته المسؤولیة في وقت كانت البلاد تمر بظروف حساسة و خطیرة حیث كانت المؤامرات في الداخل في أوجها و تم استشهاد (72) من خیریة قادة و كوادر الثورة علی رأسهم السید البهشتی و استشهد رجائي و باهنر في انفجار مقر رئاسة الوزراء بالإضافة إلی الحرب المفرضة.
كما عینه الإمام الخمیني عضواً في مجلس الدفاع الأعلی عام 1980 م و كان له حضور واسع في جبهات القتال رغم مسؤولیاته الكثیرة و كان لسماحته الدور البارز في عدم سقوط مدینة الأهواز أوائل الحرب.
تعرضه لمحاولة اغتیال