28 يونيو 2011 - 19:30

رسم رئيس تحرير صحيفة "الوسط" السابق منصور الجمري خارطة الطريق الممكنة للتحول السياسي في البحرين في ورقة وزعها بمناسبة قرب بدء الحوار الوطني. وأعطى أولوية إلى الدخول في مصالحة مباشرة بين مؤسسة الحكم وفئة من المجتمع، في إشارة إلى الشيعة، ضمن ما وصفها "خطوات أولية للخروج من الأزمة".

ابنا : وقال في الورقة التي جاءت تحت عنوان "أفكار أولية بشأن الحوار الوطني في البحرين" إن "إيقاف ما يحدث من تمييز وإقصاء موجَّه ضد فئة من المجتمع، والدخول في مصالحة مباشرة بين مؤسسة الحكم وهذه الفئة بالذات، يتطلب مبادرات كبيرة جداً لإرجاع الثقة".

وأضاف الجمري الذي أقيل من منصبه بسبب مناصرة صحيفته إلى حركة 14 فبراير/ شباط المطلبية إن "الأمر يتطلب اعتماد مبدأ العدالة الانتقالية بهدف معالجة آثار ماحدث في البحرين، والسعي نحو مصالحة وطنية شاملة للجميع".

كما دعا إلى "اعتماد مبادرة سمو ولي العهد التي أطلقها في 13 مارس/ آذار 2011 منطلَقاً لإصلاحات تشمل جميع الأطراف المعنية" و"إطلاق حرية التعبير والحريات العامة والالتزام بالعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

وألقى الجمري الضوء في ورقته على مسيرة  العمل السياسي خلال ال10 سنوات الماضية منذ بدء التصويت على الميثاق، وأنواع المطالب التي طرحت غضون هذه الفترة وصولاً إلى لحظة 14 فبراير/ شباط وانفجار الأحداث، إضافة إلى ما أسماه "الملفات العالقة التي "تنتظر المعالجة". كما توقف عند أساليب تعامل السلطة مع نوعية المطالب المطروحة.

ننشر الورقة نظراً إلى أهميتها وإثراءاً لجو النقاش في الفضاء العام:

أفكار أولية بشأن "الحوار الوطني" في البحرين

 د. منصور الجمري

تقديم:

عندما أعلن جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة إنهاء "حالة السلامة الوطنية" في 1 يونيو 2011، تم الإعلان عن البدء في "حوار التوافق الوطني"  - ينعقد في 1 يوليو 2011 -  وأرسلت الدعوات لجمعيات سياسية ومهنية واجتماعية وشخصيات عامة للمشاركة في طرح مرئيات لحوار "التوافق الوطني"، وعاد السؤال مرة أخرى حول إمكانية دخول المعارضة  في الحوار بشكله الذي أعلن عنه من دون شروط مسبقة.

 إن هذا التساؤل مشروع، ولا سيما أن هناك من يتحدث عن فكرة "الاستسلام للواقع"، وأن ما هو متوافر حالياً أقل مما توفّر في 13 مارس 2011 عندما طرح سمو ولي العهد المبادئ السبعة للحوار. وهناك من يطرح ان وجهة النظر هذه  قد تكون قراءة خاطئة، وإنها قد تؤدي إلى إهدار فرصة أخرى للحوار وإخراج البحرين من أزمتها.

المعارضة التي تشكلت في سبع جمعيات حتى منتصف مارس 2011 وضعت شروطاً كانت السلطة تراها صعبة التنفيذ، ولاسيما فيما يتعلق باستقالة الحكومة، وإنشاء جمعية تأسيسية جديدة للاتفاق على الإصلاح المطلوب دستورياً. ولكن، حالياً وبعد تنفيذ حالة السلامة الوطنية، فإن السلطة وضعت شروطاً تراها الجهات المعارضة صعبة، في حين يبدو أن عرض المبادئ السبعة لسمو ولي العهد وطريقة الحوار قد تم تجميده بصورة فعلية (بحسب وجهة نظر المعارضة) وأن ما حدث منذ منتصف مارس 2011 لا يقل عن "عمليات تطهير طائفية" على مستويات عديدة وفي مختلف القطاعات، إضافة إلى تحجيم قوى المعارضة عبر السجن وتضييق الإجراءات وفرض سياسية الأمر الواقع، إضافة إلى كل ذلك، فإن المعارضة ترى أن السلطة قامت بتصدير القضايا العالقة معها إلى مكونات المجتمع، وأن على هذه المكونات أن تناقش فيما بينها القضايا، وكأن الدولة لا دخل لها في الموضوع الأساس المطروح على طاولة الحوار.

مع كل الملاحظات التي تتطرق اليها مختلف الأطراف، فان المشكلة التي تواجهها مملكة البحرين اليوم اصبحت معقدة وخطيرة، ولا يمكن الخروج من هذه الأزمة الا باستعادة الثقة، وبالبدء بتداول الأفكار والآراء بصورة حرة، ومن هذا المنطلق، فان ماهو مطروح في هذه الورقة افكار أولية مطروحة للمساهمة في تنشيط الحوارات على الساحة الوطنية.

أنواع المطالب المطروحة في الساحة البحرينية:

لو نظرنا إلى مطالب الإصلاح بصورة عامة، فإنها متنوعة، وهي تنطلق من جهات أساسية بعضها محصور بجهات "المعارضة"، وأخرىمحصورة بفئة من المجتمع أو بقطاع منه، وبعضها عام يشترك فيه الجميع... وهي – بصورة اجمالية - كما يلي:

1-  هناك "المطالب السياسية" التي تتحدث عن "الملكية الدستورية" والعودة إلى ميثاق العمل الوطني الذي تم التصويت الشعبي عليه بنسبة 98.4 في المئة في 14 فبراير 2001، وإن جهات المعارضة التي تشكلت في جمعيات سياسية (بحسب قانون الجمعيات السياسية) ترى أن دستور 2002 يخالف في فحواه ومحتواه ما ورد في ميثاق العمل الوطني. وعلى أساس ذلك، فقد قاطعت هذه الجمعيات الانتخابات النيابية في العام 2002، ولكنها تنازلت "رضوخا للأمر الواقع" واشتركت في انتخابات 2006 ومن ثم في انتخابات 2010. وبعد اندلاع انتفاضة 14 فبراير 2011، وجد نواب المعارضة الثمانية عشر في مجلس النواب المكون من أربعين عضواً (وجميعهم من جمعية الوفاق) أن عليهم الاستقالة من مجلس النواب احتجاجاً على ما حدث في البحرين منذ منتصف فبراير 2011.  وبصورة عامة، فإن النخبة السياسية – بمختلف تلاوينها – تتفق بصورة وأخرى حول ضرورة الإصلاح السياسي نحو تحقيق الملكية الدستورية التي تحدث عنها ميثاق العمل الوطني. وتتداخل مع هذه المطالب عدة ملفات أخرى من بينها إصلاح إدارة الدولة وتقليل البيروقراطية والقدرة على محاسبة جميع أفراد مجلس الوزراء وجميع الهيئات والوكالات التنفيذية التي يمتلك عدد منها صلاحيات أكبر من وزارات ولكنها تبقى فعلياً خارج إطار المساءلة، ربما لأنها لا تحمل مسمى الوزارة، أو ربما لأن المسئول عنها أحد أفراد الأسرة المالكة.

2– هناك "المطالب الحقوقية"، وهي تتمثل في قضايا لها علاقة بحقوق الإنسان، من حرية التعبير والتجمع والتنقل والمساواة أمام القانون، إلى موضوع العدالة الانتقالية وإنصاف ضحايا التعذيب والقمع، والالتزام بالعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات حقوق الإنسان، وحقوق العمال والنقابات في القطاعين الخاص والعام، وتمكين المرأة، وحماية العمال الأجانب، ومنع الاتجار بالبشر، وكل الاتفاقيات الأخرى التي اعتمدتها مملكة البحرين وأصبحت جزءاً من القانون المحلي.

3– هناك "المطالب الاجتماعية"، وهي تختلف بين فئة مجتمعية وأخرى... وبصورة أساسية فإن هناك فئة كبيرة من المجتمع (الشيعة) تؤمن بأنه تم استهدافهم والتمييز ضدهم. وهذه الفئة المجتمعية ترى أنها – بصورة عامة – كانت محرومة من التوظيف في القطاعات العسكرية والأمنية والاستراتيجية منذ الاستقلال، على الرغم من مشاركتها الفاعلة والأساسية في إنجاح استفتاء الأمم المتحدة على استقلال البحرين في مايو 1970، ولاحقاً في إنجاح التصويت على ميثاق العمل الوطني في فبراير 2001. وترى هذه الفئة بأن التمييز ضدها أصبح ممنهجاً وازداد مع السنوات، إلى أن وصل ذروته مع منتصف مارس 2011، إذ تحول التمييز إلى تجريم هذه الفئة (كل شخص من هذه الفئة أصبح بصورة أو أخرى متهماً حتى يثبت العكس)، وتحول الأمر إلى "التطهير" من الوظائف وإطلاق اتهامات بالجملة في وسائل الإعلام الرسمية. تتداخل مع هذه المطالب ملفات حساسة ترتبط بالتجنيس السياسي والاحتقان الطائفي، وطريقة التعامل مع المحاكم الشرعية والأوقاف الجعفرية وهو موضوع اصبح اكثر حرجا بعد تدمير مساجد للشيعة اثناء حالة السلامة الوطنية.

4 -  هناك "المطالب الاقتصادية"، وهذه المطالب تتحدث عن ضرورة الفصل بين مَن بيده القرار السياسي عن الدخول في التجارة والمنافسة مع المواطنين، وعن التوزيع العادل للثروة، وعن طريقة (وقانونية) توزيع الأراضي، والمخطط الهيكلي، وعن الفصل بين العام والخاص، وعن مكافحة الفساد والرشاوى، وعن الشفافية، وحرية تدفق المعلومات، وتنشيط القطاع الخاص، وإصلاح سوق العمل، والتدريب وتطوير المهارات، وتحفيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، وتطوير النشاطات الاقتصادية نحو القطاعات الابداعية – المعرفية، وتشييد البنية التحتية المتطورة، وتخطيط البلاد من ناحية العمران وشبكة المواصلات ومواقف السيارات بما يتلاءم مع متطلبات التوسع الاقتصادي الحميم للبيئة والذي يصب في صالح طبقات وفئات المجتمع كافة.

5 – هناك "المطالب المعيشية" وهي المطالب التي يتلمسها المواطن في حياته اليومية، من مطالب السكن، ودعم السلع، ورفع مستوى المعيشة، وتوفير الخدمات التعليمية والصحية والبلدية وكل ما يحتاجه المواطن لتسيير حياته اليومية. وعلى رغم أن هذه المطالب تتفرع أساساً من المطالب الأخرى، إلا أن استشعار المواطنين كافة بها يجعلها الأكثر اتفاقاً بين الناس حول ضرورة الالتفات إليها.

طرق التعامل مع المطالب:

تم تجريب عدة وسائل للتعامل مع المطالب، وتراوحت درجات النجاح والفشل، ولكن لحد الآن لا توجد تجربة استخدمت في التعامل ونجحت بصورة متكاملة، بل إن أكثرها تسبب في فشل مع تداعيات زادت من خطورة الوضع السياسي. ويمكن تلخيص طرق التعامل كما يلي:

1 – التواصل المباشر بين القيادة السياسية والمجتمع، ويعتبر أفضل أنموذج يُذكر في هذا المجال تجربة "ميثاق العمل الوطني"، وهي تجربة نجحت في فترتها الأولى؛ لأنها اعتمدت على مبادرات تصالحية لم يكن يتوقعها المجتمع، وشهدت البحرين فترة ازدهرت فيها حرية التعبير والتجمعات، وارتفعت مكانة البحرين عالمياً.

2 – إخضاع التعامل مع المطالب لمؤسسات غير مناسبة لروح الإصلاح. وهذه هي الفترة التي تلت انطلاق المشروع الاصلاحي، إذ إن زخم التواصل المباشر مع المجتمع انخفض، واستبدل بالعلاقة من خلال مؤسسات البرلمان والمحاكم والهيئات التنفيذية التي ازداد عددها بشكل ملحوظ وأصبحت صلاحياتها متداخلة. ولوحظ تراجع وتيرة الإصلاح وتأخر تنفيذ الوعود بإصلاحات جوهرية تمس حق التعبير (قانون الصحافة لم يتم تعديله على الرغم من كل الوعود منذ 2002)، والانتخابات بحسب دوائر أكثر عدلاً، ومجلس نيابي بصلاحيات مقبولة، وإطار دستوري أكثر قرباً لمفهوم العقد الاجتماعي... وكذلك تأخر تنفيذ الوعود الخاصة بإنشاء المدينة الشمالية ووحدات إسكانية تكفي حاجة الناس. وفي الوقت الذي شهد الناتج القومي طفرة نوعية ازدادت نحو ثلاث مرات، إلا أن ذلك لم ينعكس بالحجم ذاته على قطاعات المجتمع.

3 – استخدام القبضة الأمنية المصحوبة بحملة إعلامية رسمية بين الفترة والأخرى، وقد وصلت إلى مستوى مرتفع في أغسطس 2010، إذ عادت أساليب كان المجتمع قد نسيها منذ إلغاء قانو