ابنا : أمر آخر ، وهو أن معظم الثورات تنطلق من مرجعية فكرية ، وربما هذا ماكان ينقص الانتفاضات العربية ، لكن هذا لاينفي من وجود بعض البلاد العربية التي تسير فيها الأمور بأسلوب الثورة ، بالتوصيف العلمي للثورة ، ويتعلق الأمر خاصة بالمغرب والبحرين .. وهما الثورتان اللتان يغض عنهما الإعلام العالمي والعربي الطرف لسببين مختلفين ..فالإعلام العربي يغض عنهما الطرف لأنه إعلام بليد وغبي لايعرف معنى الثورة ، ويعتقد أن تلك الأحداث التي تؤدي إلى هروب الرئيس أو إسقاطه هي الثورة .أما الإعلام الغربي الخبيث ، فهو يدرك حقيقة مؤشرات الثورة في هذين البلدين ، ولكنه لا يريد تسمية الأشياء بمسمياتها ، لأن الغرب الذي يمتلك هذا الإعلام ، لا يريد حدوث ثورات في الوطن العربي ، لأن حدوث هذه الثورات يعني تلقائيا ضياع مصالحه ، إنما هو يريدها تغييرات شكلية فقط لاستبدال الأوراق المحروقة بأوراق أخرى . وأنا هنا ذكرت المغرب والبحرين ، ولكنني لا أريد أن أتحدث عما يحدث في المغرب اليوم لأن الأمر سيتطلب الإشارة لعدة أمور ، وهو ما قد أتطرق إليه في موضوع آخر ، إنما أريد فقط أن أتحدث عن ثورة البحرين التي بلغت من النضج ، وتجاوزت نقطة اللا رجوع وهو ما يفرض عليها العمل على حماية نفسها من جميع المؤثرات دون استعجال النتائج ، والتي ربما لو تحققت في الظرف الحالي لكانت نسخة مشوهة من نظام حكم آل خليفة ، ولذلك فمن الأفضل أن تستجمع المزيد من عناصر نجاحها ، حتى لا يقطف البحرينيون ثمارها فحسب ، بل شعوب الخليج العربي كله سيتقاسمون هذه الثمار وينتفعون بطيبها الذي سيحررهم من العصابات التي تحكمهم .إن أهم عامل من عوامل نجاح ثورة البحرين ، هو صغرها ( مساحة وسكانا ) وهو ما يعني القدرة على التحكم فيها وتوجيهها بسهولة خاصة ، مع وجود أكثر من ثلثي (2/3) الشعب يريدون التغيير برغبة شديدة . وهذا يعني أن ثلث (1/3) السكان فقط لا يريدون التغيير برغبة شديدة // وهذا الثلث يمكن تقسيمه إلى أربعة أرباع موزعين كما يلي .ـ الربع الأول غير متحمس للتغيير ولكنه لايمانع في حدوثه بأقل الأضرار ، وهذا الربع هو الذي يلوح النظام بطائفته السنية ، في محاولة لإضفاء طابع الطائفية على الثورة ، رغم أن هذا الربع الذي لا يلح في الثورة ولكنه لايمانع في حدوثها بأقل الأضرار ، فيه أيضا بعض الشيعة وهو ما ينفي الطابع الطائفي للثورة ، كما أن هذا الربع لا مشكلة له مع الثورة من حيث المبدأ ، رغم الإختلاف في التفاصيل .ـ الربع الثاني ، ويمثله المرتزقة من المجنسين ، والذين ربما كانوا اشد المناهضين للثورة ، لأنهم يعيشون في هذا البلد بلا هوية ، مثل اللقطاء ، ولذلك فإن ولاءهم يكون بالدرجة الأولى لولي نعمتهم الذي أغدق عليهم بالجنسية ، ولكن مع ذلك ، فإن هذا الربع لا يمتلك القدرة على التصدي للثورة لأنه غير مستعد ليصاب بمجرد جروح طفيفة من أجل النظام ، أو حتى من أجل البلد الذي لاتربطه بها أية رابطة روحية .الربع الثالث ويمثله عبيد النظام الذين يسكن الإستعباد دمهم ، فهم لا يتصورون أنفسهم أحرارا لأن طبعهم كذلك ، حيثما كانت العبودية كانوا أقزامها ، يتكرس ولاؤهم أكثر للذي يذلهم ويهينهم ويقمع حرياتهم ، والكارثة أن هذا الربع ربما كان الكثير من أفراده يعيشون أوضاعا مزرية أقل بكثير من وضع الداعين للثورة ، ولكن طبع هؤلاء هو الذي يُحتم عليهم الرضوخ والاستسلام والانقياد ، وهؤلاء أيضا لا خوف على الثورة منهم ، لأنه ليس بوسع العبيد حتى حماية أنفسهم فكيف بقدرتهم على حماية أسيادهم ، إنه من السهل على هؤلاء أن يتحولوا إلى عبيد في الجهة المقابلة على الإستبسال والإستمرار في الدفاع عن أسيادهم ، والكارثة أن هذه الفئة موجودة في الوطن العربي كله ، وقد كان هؤلاء يدافعون عن نظام مبارك ونظام زين العابدين ، وبعد سقوطهما تحولوا إلى منظرين للتغيير ، وعرابين للثورة ، وامثال هؤلاء العبيد هم الذين يدافعون اليوم عن طغيان القذافي في ليبيا وطغيان بشار الأسد في سوريا وطغيان عبد الله صالح في اليمن ، ولكن لو سقط رموز الفساد في هذه الدول وانتصرت الحركات الإحتجاجية لتحولوا بقدرة قادر إلى منظرين للثورة ، ولإحتلوا الصفوف الأمامية في مسيرة الإفتخار بدعم الثورة ، وأمثال هؤلاء الإنتهازيين ، من اقنان وعبيد لا خوف على الثورة منهم كما ذكرنا .الربع الرابع والأخير ، وهو النظام ذاته والمنتفعين به ، ممن يمتصون دماء الشعوب ، ويسلبون خيراتهم ، وهذا الربع هو الأخطر ، لأن مشكلة أية ثورة ستكون معه ، فهو وحده الذي سيرفض التغيير عن قناعة وإيمان لأنه يرفض أن يفقد مواقعه التي ربما ستؤدي إلى محاكمته وإلى عقابه .ـ ومما سبق نستنتج أن مشكل ثورة البحرين سيكون فقط مع ربع ثلث السكان ، يعني جزء من 12 (1/12) فلو إعتبرنا أن تعداد سكان البحرين اليوم هو 1.2 مليون نسمة ، فمعنى ذلك أن مشكل الثورة التي يؤمن بها 800 ألف نسمة سيكون مع زمرة تتكون من 100 ألف نسمة // ولو كان تعداد السكان الحقيقي في البحرين هو 600 ألف نسمة ، فإن مشكل الثورة التي يمثلها 400 الف نسمة سيكون مع عصابة تعدادها 50 ألف نسمة ،، وهنا تبدوا المفارقة بين أغلبية ساحقة وأقلية سحيقة . فهذه الأقلية هي التي تمتلك اليوم وسائل القوة ، وهي مدعومة بآلاف الجنود المرتزقة الذين ارسل بهم آل سعود ليعيثوا في البحرين فسادا ، ولذلك فإن المواجهة المباشرة اليوم ، ستكون حماقة غير محمودة العواقب ، ولكن جميع المواجهات الأخرى باتت مطلوبة لحماية الثورة ، ولعل أكثر هذه المواجهات وأشدها تأثيرا هي المواجهة الإعلامية التي يجب أن يربحها الثوار .فلقد تابعت منذ قليل ، حصة في قناة الحرة الأمريكية ، تتحدث عن ربيع الثورات العربية ، وقد أعجبتني طريقة التطرق للثورة البحرينية ، وأعجبني كثيرا الكلام الذي قاله المحللون والخبراء في مخابر السياسة الأمريكية والذي أجمعوا على استهجان دخول الغزاة السعوديين للبحرين واعتبروه مناف للأعراف الدولية ، كما اعجبني تنديدهم واستنكارهم من الموقف الأمريكي الرسمي ، الأمر كذلك بالنسبة للإنجليز الذين يظهر وأنهم يمارسون ضغوطات على الملك من وراء الأبواب المغلقة كما قال أحد المتحدثين ، لكن الذي لم يعجبني هو طريقة تعاطي البحرينيين مع هذا الأمر ، كنت أتمنى أن يتفاعل هؤلاء مع هذا البرنامج بقوة ، ويوجهون تشكراتهم للضيوف ويطلبون منهم المزيد من الضغط على الإدارة الأمريكية ، ولكنني لم أجد كل هذا ، فحزنت على الثوار وحزنت على الثورة التي أخشى عليها من اليأس ن وأخشى عليها من الكسل ، وأخشى عليها من اللامبالاة وأخشى عليها من الاستهتار بشأنها أيضا .إن ثورة البحرين اليوم مطالبة بحماية نفسها من خلال تسجيل حضورها الدائم على المشهد العالمي ، ومن خلال خوض جميع المعارك مع النظام ومرتزقته ( عدا المعركة الحربية ) وضرورة الإنتصار في هذه المعارك .إن المشاركة في الثورة ليس فرض كفاية ولكنه فرض عين ، وكل من تقاعس عنه أو تخلى عنه أو تكاسل عنه ، فسيكون في عداد المغضوب عنه من طرف الله ومن طرف التاريخ ومن طرف نفسه . انتهی/158
29 مايو 2011 - 19:30
رمز الخبر: 244309
من الصعب جدا أن نقرر إذ ما كان الذي قامت به الشعوب العربية ، ثورات بمعنى الكلمة ، أو مجرد انتفاضات أدت إلى تغيير واجهة الفساد السياسي من خلال استبدال وجوه بوجوه أخرى ، ربما التاريخ وحده هو من يخبرنا بصحة هذه التسمية ، لأن هذا التاريخ يخبرنا عن انتفاضات من هذا القبيل ولا يسميها ثورات ، على الأقل لأن عمر الثورة أطول مما استغرقته الأحداث في مصر وسوريا ، فعمر الثورات الحقيقية قد نحسبه بالعقود وليس فقط بمجرد الأيام والأسابيع والشهور ، كذلك كان ديدن الثورة الفرنسية التي غيرت العالم فدامت 20 سنة.