ابنا : لقد تم تصوير الشيعة بأنهم بعبع يريدون القضاء على إخوانهم السنة ووصفوهم بما تشمئز منه الأنفس فطعنوهم في دينهم وشرفهم وكرامتهم وشككوا في وطنيتهم لا لشيء إلا لمطالبتهم بحقوق منحها لهم العدل الإلهي والأخلاقي كغيرهم من بني الإنسان. كما أسبغ عليهم البعض صفات "القوة الخارقة" واتهمهم بأنهم الخطر الأكبر على البشر مما يثير التساؤل باستغراب كيف لم يحكم هؤلاء الشيعة بقوتهم الخارقة هذه التي استعصت على أي قوة أخرى في العالم بلاد العالم الإسلامي بل والعالم أجمع؟!
الواقع والأحداث تؤكد بأن الشيعة في العادة يكونون ضحية للآخرين، ففي الحرب العراقية الإيرانية كان جنود الجيش العراق وأغلبهم من الشيعة يقاتلون بأمر صدام حسين الجنود الإيرانيين وأغلبهم من الشيعة. كذلك تعرض الشيعة في عهد صدام حسين أكثر من غيرهم للقتل الجماعي الشنيع وكذلك استمرت الجرائم الشنيعة ضد الشيعة بعد سقوط صدام بالقتل على الهوية. ما يؤسف له الطريقة التي يعامل بها هؤلاء الشيعة في بلدانهم فهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة وعندما يطالبون بحقوقهم الأساسية التي ضمنتها لهم الأديان السماوية والقيم الإنسانية فإنهم متآمرون ومجرمون وقتلة.
الشيعة الإثني عشرية أو أتباع المذهب الجعفري هم طائفة من المسلمين يتبعون في تعاليمهم الدينية فقه آل البيت المعروف بفقه الإمام جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . الاختلاف الجوهري بين هذا المذهب والمذاهب الإسلامية الأخرى هو مسألة الخلافة بعد رسول الله حيث يؤمن أتباع المذهب الجعفري بأن الأئمة من بعد رسول الله إثني عشر أولهم الإمام علي بن أبي طالب وآخرهم الإمام محمد بن الحسن المنتظر ولهم أدلتهم على ذلك من القرآن والسنة النبوية المطهرة. عرف أتباع هذا المذهب من سكان منطقة الخليج العربي لاحقا ب"البحارنة" نسبة إلى وطنهم إقليم البحرين والذي يشمل القطيف والأحساء «المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية» وجزيرة أوال «المعروفة حاليا بالبحرين». يرجع اصول سكان إقليم البحرين إلى عبد القيس وبكر بن وائل من قبائل ربيعة وبني تميم فنسبهم عربي صريح.
الغريب في الأمر هو محاولة الإيحاء بأن الشيعة هم بالضرورة إيرانيين مع ان سكان إقليم البحرين عرفوا بولائهم لآل البيت ووقفوا مع الإمام علي في حروبه ضد معاوية وهم على تشيعهم منذ أكثر من 1400 سنة مقارنة بإيران التي تشيعت قبل 500 عام. ثم لماذا إيران مع أن أكبر تجمع شيعي في العالم يوجد في الهند حيث يبلغ عدد الشيعة فيها 84 مليوناً. هذا يدل على أن الموضوع سياسي صرف بلباس ديني هدفه التفريق بين المسلمين وتحقيق مصالح سياسية.
ثم من يستطيع الجزم بأن سكان أي بلد في العالم هم من أصل واحد أو جنس واحد؟ هل يوجد بلد عربي واحد سكانه جميعا عرب أقحاح؟ بلادنا العزيزة على سبيل المثال يوجد فيها مواطنين من أصول افريقية وآسيوية وأوربية. فالمنطقة الغربية مثلا تتنوع فيها اصول المواطنين بشكل كبير نتيجة لوجود الحرمين الشريفين وعدم وجود أنظمة حتى عهد قريب تمنع من أراد من الهجرة والإقامة فيها. كذلك مناطق السواحل تمازج سكانها مع شعوب أخرى من بلدان كثيرة نتيجة للتجارة البينية. حتى المناطق الوسطى لم تكن بمنأي عن اختلاط الأجناس ببعضها كما هو واضح ومعروف. هذا المزيج البشري المتنوع ليس بمشكلة بل يفترض ان يتسبب في إثراء ثقافة البلد بشرط توفير العدل والإنصاف.
من وسط هذا الظلام تطالعك بعض الأقلام الوطنية الباعثة للأمل والتفاؤل تبين أن طينة هذه البلاد طيبة متى ما توافرت الأجواء المساعدة على ذلك، اذكر البعض منهم فيما يلي:
• الأخ أسامة سعيد القحطاني شدد في مقاله "نظام مكافحة العنصرية والتمييز" نشر في "الوطن"، على ضرورة إنشاء هيئة وطنية لمكافحة العنصرية والتمييز في المملكة وإقرار عقوبات ضد الأفراد أو الجماعات التي تمارس العنصرية. وتابع، وعندما نريد أن نعزز الوطنية لدى أبنائنا وإخواننا فإنهم يجب أن يشعروا بداية بأنهم أهل وطن واحد وأنهم متساوون في الحقوق والدرجات والواجبات، وأنهم عندما يتعرضون للإساءة من جاهل أو سفيه فإن القضاء يقف بجانبهم بكل قوة.
• الأخ عبد الرحمن الوابلي طالب في مقاله "تهافت الخطاب الطائفي في السعودية" نشر في "الوطن"، كافة الحاقدين والمشككين بوطنية المواطن الشيعي، بإثبات وطنيتهم، مؤكدا أن الشيعي في السعودية أثبت وطنيته تاريخيا وحاضرا، وليس مطالبا بأن يثبت أكثر من ذلك. وتابع، لم نسمع بأن شيعيا قتل سنيا واحدا أو العكس من منطلق مذهبي، مع مرورنا بتجارب مريرة من قتل وتفجير وتخريب باسم التطرف والغلو الديني.
• الأخ محمد الساعد ذكر في مقاله "احذر... يوجد «شيعي»! " نشر في "الحياة"، أن لكل فترة موضتها، وموضة هذه الأيام، الهجوم على إخوتنا الشيعة، فيكيل لهم هؤلاء «المرتزقة».. تهما لا حصر لها ويندى لها الجبين، تبدأ من أعراضهم ولا تنتهي في وطنيتهم. ويتابع، بالطبع لدى الجميع اختلافات سياسية، لكن ليس من المقبول أن يكون أخوتنا الشيعة عرضة لكل تلك التهم في الأعراض والدين والوطنية. ويتساءل ألم نعترف قبل سنوات قليلة، وفي منظمة المؤتمر الإسلامي، بثمانية مذاهب إسلامية أجزنا التعبد بها من ضمنها المذهب الشيعي، إذا لماذا ننكص على أعقابنا؟ لماذا نؤذي الناس في نتائج لحياتهم لم يختاروها؟ من اختار يوما لونه أو شكله؟ من اختار يوما أن يكون ذكرا أو أنثى، مسلما أو مسيحيا، سنيا أو شيعيا؟ لم يختر أحد، الكل خرج إلى الدنيا ليجد نفسه على ما هو عليه الآن، لماذا نعذب الناس بأقدارهم، لماذا نحولهم إلى أعداء؟ ولماذا نسمح «لكتائب» الفتنة أن تعيث فسادا في مستقبلنا ومستقبل أبنائنا؟! المواطنة وإثباتها لا يعني أن نهاجم مكونا من مكونات الوطن، المواطنة أن نبحث عن العيش المشترك، أن نتفهم قضايا الآخرين كما نطلب منهم تفهم قضايانا. أتمنى تشريعا يحرم فيه سب وقذف أبناء وطننا بكل أطيافهم، فيجب أن يعاقب من يتهم الناس في أعراضهم وفي عقائدهم، ومناطقهم.
• الأخ خلف الحربي ذكر في مقاله "حدد موقفك: شيعي أم سني؟ " نشر في "عكاظ" أنه بسبب الأحداث في مملكة البحرين الشقيقة، بدأ الفرز الطائفي في الخليج يلوح في الأفق، بل إنه يملأ كل الأفق للأسف الشديد، وأصبح صوت العقل من الجانبين السني والشيعي يصنف بأنه صوت متخاذل لا يتناسب مع ضرورات المرحلة الملتهبة. أما ماما أمريكا فهي تكاد تهز وسطها طربا وفرحا، حيث أصبحت «تؤيد ولكن تعارض» و«ترحب ولكن ترفض»، وكأنها تقول لنا امضوا جميعا «يا شطار يا حلوين» نحو الحريق الطائفي الذي لا يبقي ولا يذر، كي أبيعكم السلاح بأغلى الأثمان، وأحصل على بترولكم بأبخس الأثمان. من السهل جدا أن يكره السني ابن جلدته الشيعي والعكس صحيح، الكراهية عمل سهل جدا لا يحتاج إلى أي مجهود، ولكن التخلص من الآثار المدمرة لهذه الكراهية يكاد يكون عملا مستحيلا.
• الأخ محمد بن المختار الشنقيطي ذكر في مقاله "أنقذوا سنة البحرين بإنصاف شيعتها" نشر في «الجزيرة. نت»، أنه من المهم اليوم أن يتجرد أهل الرأي والقلم لتخليص أهل السنة من عقدة تخوين الشيعة تسويغا لحرمانهم من حقوقهم السياسية والاجتماعية، وتخليص الشيعة من الذاكرة المظلومية الموتورة التي ترعب السنة، وتوحي لهم بأن الشيعة طلاب ثأر أبدي. فلم يقتل السنة أهل البيت في كربلاء، وإنما قتلهم حكام ظلمة، ولم يكن المغول أنصارا للتشيع أو التسنن، بل وثنيون أعملوا سيوفهم في الطرفين، فدمروا دولة «آلموت» الشيعية قبل أن يزحفوا على الخلافة السنية في بغداد، وكان الوزير الشيعي ابن العلقمي حليفا سياسيا لهم، وأعانتهم قوات عسكرية سنية بعث بها بدر الدين لؤلؤ حاكم الموصل. إن شعوبنا أنضج من أن تبقى مستأسرة لهذه الذاكرة الانتقائية والدوامة العبثية.
أمل أن يرتقي خطابنا ليكون خطاب وحدة ولملمة شمل وان يحكمنا منطق العقل والتسامح لا منطق الجهل والتطرف. يجب عدم الخلط بين الأمور الدينية والسياسية فالدين لم يكن في يوم من الأيام أداة تفريق ولكن استغلال السياسة للخلافات من دينية وعرقية هو السبب الأساس للتفرقة بين البشر. هذا ما حصل في أوربا حيث كانت الطائفية السبب الرئيسي في تخلف أوربا في العصور الوسطى وشاهدنا كيف استطاعت أوربا أن تتحد عندما سنت القوانين التي تحفظ حقوق الفئات المختلفة. فالتمييز بين الناس على أساس طائفي سيجر بلداننا لنزاعات تحرق الأخضر واليابس متى ما خرجت عن السيطرة.
أدعو الله سبحانه وتعالى ان يوحد كلمة المسلمين جميعا شيعة وسنة وجميع البشر المسالمين على الخير والصلاح وان يكفينا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أرني الحق حقا حتى أتبعه وأرني الباطل باطلا حتى اجتنبه ولا تجعله علي متشابها فأتبع هواي بغير هدى منك وإجعل هواي تبعا لرضاك وطاعتك وخذ لنفسك رضاها من نفسي وإهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم.
انتهی/158