وصدق ما قال أمير المؤمنين وهو منار الحق وعين والإنصاف حين يدعو أهل الكوفة ليعطفهم على الالتفات لمصالح ومن يصلحهم ويقيم العدل والقسط فيهم :
أيتها النفوس : المختلفة ، و القلوب المتشتتة ، الشاهدة أبدانهم و الغائبة عنهم عقولهم ، أظأركم ( أعطفكم ) على الحق ، و أنتم تنفرون عنه نفور المعزى من وعوعة الأسد .
هيهات : أن أطلع بكم سرار العدل ، أو أقيم اعوجاج الحق .
اللهم : إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ، و لا التماس شيء من فضول الحطام ، و لكن لنرد المعالم من دينك ، و نظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، و تقام المعطلة من حدودك .
اللهم : إني أول من أناب و سمع و أجاب ، لم يسبقني إلا رسول الله بالصلاة .
و قد علمتم : أنه لا ينبغي أن يكون الوالي ، على الفروج و الدماء و المغانم و الأحكام و إمامة المسلمين ، البخيل : فتكون في أموالهم نهمته ، و لا الجاهل : فيضلهم بجهله ، و لا الجافي : فيقطعهم بجفائه ، و لا الحائف للدول : فيتخذ قوما دون قوم ، و لا المرتشي في الحكم : فيذهب بالحقوق و يقف بها دون المقاطع ، و لا المعطل للسنة : فيهلك الأمة .
نهج البلاغة ص189ح131 .
والحكام في هذا الزمان : ينطبق عليهم أخر كلام الإمام و أنهم بخلاء جهال جافون حائف للأموال مرتشون معطلون لحدود الدين ، فيسرقون أموال المسلمين ويصرفوها على ملاذهم وشهواتهم وقصورهم وأتباعهم بدون حدود ، ولا يعيرون لشعوبهم أي أهمية تذكر ، وكأنهم لا وجود لهم .
وينطبق على الشعوب أول كلام الإمام ، فإنهم خرجوا لطلب الإصلاح : في بلادهم ، فنادوا الشعب يريد إصلاح النظام ، ولما لم يستجيبوا لهم قالوا الشعب يريد إسقاط النظام وحقا لهم ، فهم لم ينافسوهم في سلطان ولا طلب للحطام ، ولكن أرادوا شيء من العيش بكرامة ، وليأمن المظلوم وتقام الحدود بدون حيف وجور .
وكأن الشعوب في خروجها : بعد ما رأت الفساد في بلادها ، تحكي حال خروج الإمام الحسين عليه السلام في زمانه .
وقد صدق الإمام الحسين عليه السلام حين كتب هذه الوصية لأخيه محمد بن الحنفية :
بسم الله الرحمن الرحيم : هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية ، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أن محمدا عبده و رسوله ، جاء بالحق من عند الحق ، و أن الجنة و النار حق ، و أن الساعة آتية لا ريب فيها ، و أن الله يبعث من في القبور .
و أني : لم أخرج أشرا و لا بطرا و لا مفسدا و لا ظالما .
و إنما : خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ، أريد أن آمر بالمعروف ، و أنهى عن المنكر ، و أسير بسيرة جدي و أبي علي بن أبي طالب .
فمن قبلني : بقبول الحق ، فالله أولى بالحق ، و من رد علي هذا ، أصبر حتى يقضي الله بيني و بين القوم بالحق ، و هو خير الحاكمين .
و هذه وصيتي يا أخي إليك و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب. قال : ثم طوى الحسين الكتاب و ختمه بخاتمه ، و دفعه إلى أخيه محمد ، ثم ودعه و خرج في جوف الليل .
بحار الأنوار ج44ص329ب37 .
ولكن لم يطاع : الإمام الحق عليه السلام ، فكان هناك من يحب الجور وينصر الظالمين ويخضع لهم ، ولم يحب العدل والإنصاف والصلاح والإصلاح ، فنصر الطغاة والمتجبرين ، فقال الإمام الحسين عليه السلام يخاطبهم .
فقال الإمام الحسين عليه السلام : ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين و كنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحرارا في دنياكم ، و ارجعوا إلى أحسابكم إذ كنتم أعرابا.
فناداه شمر فقال : ما تقول يا ابن فاطمة . قال أقول : أنا الذي أقاتلكم و تقاتلوني ، و النساء ليس عليهن جناح ، فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حيا .
والآن في البحرين : يدعي حاكمها وكذلك آل سعود يدعون أنهم من عشيرة ربيعة ، وأهل البحرين أغلبهم إن لم نقل كلهم يرجعون لعشيرة ربيعة فضلا عن كونهم عرب ، ولكن الحكام لا دين يردعهم عن دماء المسلمين ، ولا حسب يوصله بأهل عشيرتهم المؤمنين ، لأنهم أخذ يستعينون عليهم بالطغاة من كل البلاد ، ومن أجل أيام معدودة ليحكم بها ، ولا يكتفي بهذا بل يعتدي على الأطفال والنساء ، وقد قال الشمر مع عتوه في ذلك الزمان لك هذا .
.
فصار حكام السعودية والبحرين: أمويون بل طغاة ظلمة جائرين كفرة كأسلافهم ، بقتلهم المسلمين العزل ، فلا دين حق للحكام يعملون بهداه ، ولا نسب واقعي يحفظون حرمته و ينتمون له .
وحقا ما قد قال أمير المؤمنين عليه السلام : مَنْ ضَيَّعَهُ الْأَقْرَبُ أُتِيحَ لَهُ الْأَبْعَدُ .
فقال بن أبي الحديد : إن الإنسان قد ينصره من لا يرجو نصره ، و إن أهمله أقربوه و خذلوه ، فقد تقوم به الأجانب من الناس .
و قد وجدنا ذلك : في حق رسول الله ، ضيعه أهله و رهطه من قريش ، و خذلوه و تمالئوا عليه ، فقام بنصره الأوس و الخزرج ، و هم أبعد الناس نسبا منه لأنه من عدنان و هم من قحطان ، و كل واحد من الفريقين لا يحب الآخر حتى تحب الأرض الدم .
و قامت ربيعة : بنصر علي عليه السلام في صفين ، و هم أعداء مضر الذين هم أهله و رهطه .
و قامت اليمن : بنصر معاوية في صفين ، و هم أعداء مضر .
شرح نهج البلاغة ج18ص118ح15 .
{ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم (8) } محمد .
{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50) } القصص.
انتهی/137