ابنا : ومما جاء في خطبته الجمعة الماضية ..
توطئة:
لا زلنا نعيش الذكرى الأليمة لرحيل رسول الإنسانية، نبي هذه الأمة الذي ما أن رحل عن هذه الدنيا حتى رأى أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم ما رأوا في مثل هذا اليوم، حيث يمر على أهل بيت رسول الله (ص) هذا اليوم يومًا عصيبًا، الرسول (ص) إذا نظرنا إلى حياته، نجد أن هذا الرسول كان ولا يزال نموذجًا حيًّا لما يُسمّى بالديمقراطية الحقيقية، حيث أرسى قواعد لم تكن معروفة قبله صلوات الله وسلامه عليه، سواء على مستوى السلوك الشخصي، أو المسلك الإداري لهذا النبي (ص)، أما سلوكه الشخصي فالكلّ قرأ سيرته، والمؤرخون يتحدثون أنه كان يُساوي بين أصحابه حتى في النظرة، فهناك روايات تقول: بأن الرسول (ص) إذا نظر إلى امرئ فإنه ينظر إلى الشخص الآخر الموجود معه في حضرته.يقول ويطبّق ما يقول..
وهو صاحب المقولة المشهورة بين العرب والعجم: " الناس عندي سواسية كأسنان المشط"، هذا القول قول رسول الله (ص)، وقبل أن يقوله، فإنه كان قد طبّقه، وعلماؤنا عندما يقومون بهذا العمل فإنهم ولا شك هم يأخذونه من رسول الله (ص)، فالرسول (ص) قبل أن يتفوّه بهذا فإنه كان نموذجًا في تطبيقه، بعض العلماء كان يتّخذ من سيرة الرسول (ص) نموذجًا، ومن هؤلاء العلماء الشيخ التستري (رضوان الله عليه)، حيث جاءه أحدهم فقال له: أنا عبدٌ عند فلان الذي يأتي يستمع لخطبك، فهو يسمع كلامك، فلو نصحت بعتق العبيد لوجه الله حتى أتحرّر أنا، فيكون لك ثواب كبير، فوعده الشيخ خيرًا، لكن الشيخ لم يتحدّث في الأسبوع الأول، ولا في الأسبوع الثاني، ولا في الأسبوع الثالث، بحيث أن هذا العبد يَئِسَ من أن يتحدث الشيخ في هذا الموضوع، وبعد سنة أو سنة وأكثر، في يوم من الأيام تحدّث الشيخ في هذا الموضوع، إذ ذاك ذهب مالك ذلك العبد الذي طلب من الشيخ الحديث في عتق العبيد فأعتقه، قائلاً له: اذهب فأنت حرٌّ لوجه الله، فحصل هذا العبد على حريته، لكنه قال: الآن لا يهمّني حصولي على حُريّتي، بل ما يهمّني الآن لماذا أخّر الشيخ الحديث عن عتق العبيد لمدة سنة أو أكثر، فذهب إلى الشيخ وقال له: شيخنا قبل عام طلبتُ إليك الحديث عن عتق العبودية، فلماذا لم تتحدث عنه إلا هذا اليوم؟! قال الشيخ: لم أرد أن آمر بشيء لم أفعله أنا، فأنا كنُت أعمل طيلة الفترة السابقة لأملك عبدًا فأعتقه، ثم أتحدث عن هذا الأمر للناس، حتى يكون الكلام أكثر أثرًا في النفوس.
لذا فالرسول الأعظم (ص) عندما كان مؤثّرًا إنما كان مؤثرًا في حقيقته لأنه كان عاملاً سلوكيًا يطبق ما يقول، لذا الرواية أن النبي كان يساوي بن أصحابه حتى في نظراته، هذه رواية تنطبق على قوله: الناس عندي سواسية كأسنان المشط.
هيبته في عظمته
من الناحية الأخرى في سلوكياته صلوات الله وسلامه عليه، فإنه معروف ومشتهر بين الناس أن الداخل لأول وهلة لا يعرف رسول الله (ص) لأنه لا يفرّق بينه وبين أصحابه، فهو لا يلبس لباسًا مختلفًا عن أصحابه، فالتاج والصولجان وغيرهما كل هذه الأمور ليس لها قيمة في قاموس رسول الله (ص)، أن يُميّز نفسه بريشة كما كان يفعل الآخرون هذا ليست مهمة عند رسول الله (ص)، فكان في أصحابه كأحدهم، وهذه ميزة، فالآخرون الذين يقبلون على مجلس رسول (ص) لا يجدونه متميزًا، فهو كأحدهم لايتميّز في اللباس، ولا يتميز من حيث المجلس، فليس له كرسي أو منبرًا أو كنبةً، والآخرون لهم الأرض، فهو كأحدهم (ص)، وكان عشق أصحابه له وهيبته بالنسبة لهم، ناتج عن عظمة هذه الشخصية، لذلك فأمير المؤمنين كان يصف الرسول الأعظم (ص): " ... وكان مهيوبًا ..."، بل في الرواية كان يقول عنه (ص): " لا نستطيع أن نتحدث معه إلا حين يُبادرنا للحديث...".
الآخرون أولاً
إذن هذه صفات رسول الله (ص) من الناحية السلوكية، فهو من الناحية السلوكية يُعتبر نموذجًا للحاكم النبيّ الرسول، أما من الناحية الإدارية باعتباره وليًّا لكلّ مؤمن ومؤمنة، فهو إنسان مثّل الإنسانية على وجه هذه البسيطة، لكن باعتباره أميرًا وباعتباره رئيسًا وباعتباره هو أولى بالناس من أنفسهم، ما الذي كان يفعل؟ هل كان يتعمّد الظلم من أجل إرسال قواعد حُكْمٍ بالنسبة له صلوات الله وسلامه عليه؟ أبدًا، فقد ورد لدينا في التاريخ: (أنه كان في غزوة وكان طريق الجيش يمرّ بأرض زراعية، ففاوض صاحبها على أن يسمح للجيش ولتجبر الخسارة)، نعم بدأ النبي (ص) يُفاوض: أن يا صاحب هذه الأرض سنُعوّضك عن كل ما سيصيب أرضك، لكن لا بد للجيش أن يمرّ من هنا، فقد يُفسد الجيش شيئًا فلا بد من تعويضك، إذن لم يمرّ مباشرة من غير استئذان، مع أنه وليّ أمر كل مؤمن ومؤمنة، ولم يمرّ باعتباره متكبّرًا، متجبّرًا، متغطرسًا، ويقول: اصنعوا ما تريدون، واعبثوا في أرض الله كيفما تشاؤون وبعد ذلك نحن نُعوّض صاحب الأرض ما يريد، وهكذا راعى مصلحة الأمة في كلّ شيء، ومصلحة الآخرين، ثم أمرهم بالمرور.
وفي النخلة المعوجّة دليل
كذلك في تلك النخلة المعوجّة حينما جاء أحدهم يشتكي إلى رسول الله (ص) أن هناك نخلةً لجاري تُسقط ثمرها في بيتي، وصاحب النخلة هذا كلّما سقط شيء من نخلته في بيتي دقّ الباب عليّ وأخذه، ويتكرر هذا منه كثيرًا، وهذا يؤذيني، فأمره صلوات الله وسلامه عليه أن يقتلعها، ووعده بالتعويض عنها، ومن ثم بدأ يُمنّيه إلى أن ضمن له الجنّة إذا هو اقتلع تلك النخلة، لكن صاحب النخلة كان متغطرسًا، فماذا يصنع معه النبي (ص)؟! هنا يأتي دور التدرج في الطلب، نعم الإدارة حقيقة، فعندما رفض هذا الرجل أمر رسول الله (ص) بقلعها ورميها جانبًا، هنا التعامل يبرز من خلال التدرج في الطلب، قبل اتخاذ أيّ قرار ضد الآخرين.
هي وظيفته الشرعة وحسب
ومن الناحية الإدارة هل كان رسول الله (ص) يعيش حالة الطغيان والجبروت؟! أبدًا لذلك لم يُنقل عن رسول الله (ص) أن لديه مجموعة من الحرس والشرطة، بل كان يمشي في الأسواق والشوارع كما كان يمشي عامّة الناس، ومن هنا كان رسول الله (ص) لم يتم التعامل معه كحاكم ولا كإمبراطور، ولا كملك، ولا كرئيس، وإنما كنبيّ مرسل من السماء، لأن رسول الله (ص) فعلاً كان يتعامل بهذه الصفة، الرسول الأعظم (ص) جسّد سيرته عليّ صلوات الله وسلامه عليه، حينما طُلبَ منه (صلوات الله وسلامه عليه)، أنه أنت أعداؤك كثيرون، فاجعل لك حرسًا، فقال عليّ (ع): " كفى بالموت حارسًا "، إلى هذه الدرجة، فكان رسول الله (ص) بهذه المثابة، بمعنى أنه ليس لديه شيء يخاف عليه، فليس لديه أملاك ولا مليارات ولا ولا...، لذلك المسألة هي قيام بالوظيفة الشرعية، فالقيام بالوظيفة الشرعية تُحتّم عليه أن يكون بين الناس، ليعرف آلام الناس وآمال الناس ومن ثم يفعل إرادة السماء على هذه الأرض، هذه هي كل القضية.
وفي حفيده الخميني ذات الصفات
قبل اثنين وثلاثين سنة في مثل هذه الأيام جاء أحد أحفاده صلوات الله وسلامه عليه، حيث نعيش الذكرى الثانية والثلاثين لمجيء الإمام (رضوان الله عليه)، الإمام قبل اثنين وثلاثين سنة جاء، وجاء بأي شيء؟ هل جاء على ظهر دبّابة؟ أو هل جاء برفقة حاملي البنادق؟ أبدًا، فالإمام رحمة الله عليه جاء بمسبحة من النجف الأشرف، من المكان الذي نفاه إليه عدوّه، وكان الهدف إلهاء الإمام بمعارك جانبية، لكن الإمام ازداد قوّة رضوان الله عليه، واستطاع أن يأتي إلى إيران كحاكم، ولكن ما هي أداته؟ أدواته هي قبل وبعد كان الناس في محرم في مثل تاسوعاء وعاشوراء من هذا العام، كان الإمام رحمة الله عليه يُصدر خطبه عبر الكاسيتات إلى الناس وكان الناس يتحرّكون، ولم تُطلق رصاصة من قبل هؤلاء، لم يصدر تخريب من قبل هؤلاء، فالشاه كان يُرسل بعض الجلاوزة، ليقوموا ببعض الأخطاء آنذاك ليتم تذمّر الناس، لذا تنبّه الإمام لهذا، فأوصى الناس بألا يدخلوا في معارك جانبية، بل طلب إليهم أن يُركّزوا عملهم لما هم فيه، وحتى عندما كان يُطلق الجيش عليهم الرصاص فإنهم كانوا يُقدّمون للجيش الورود، الجمعة السوداء معروفة، والتي قتل فيها قرابة خمسة آلاف شهيد في مكان واحد، وفي يوم واحد، والإمام كان يأمرهم بأن يُبادلوا هذا العمل بإعطاء الورود.
على الكلمة اعتمد تمامًا كما جده (ص)
الإمام ( رحمة الله عليه ) هذه كانت عوامل لانتصار ثورته، فكما كان الرسول (ص) يعتمد على الكلمة وعلى الناس، فحفيده كان كذلك يعتمد على الكلمة وعلى الناس، بعدما جاء الإمام رحمة الله عليه، فهل سكن في قصر عدوّه وغريمه؟! أبدًا، فقد ذهب إلى بيته في قمّ المقدسة في البداية، بيت من اللبن والطين، من الآجر العادي، لم يسكن في قصر، وبقي يعش مع الناس وفي أوساط الناس، بعد ذلك انتقل إلى طهران بسبب العارض الصحيّ الذي ألمّ به، حيث آلام القلب، وهنا تم الاقتراح عليه بأن يبقى في طهران لسببين:
السبب الأول: بأن يبقى تحت الرعاية الطبية، بحيث يصعب نقل الطاقم الطبي إلى قمّ لو لا سمح الله حدث للإمام حادث أو عارض، فطلبوا منه أن يبقى بالقرب من الأطباء.
والسبب الثاني: ليبقى قريبًا من المسؤولين، ليمكن التواصل معه بيسر وسهولة.
ولم يسكن في قصر مشيد، ولم يسكن في بيت كبير، فضلاً عن قصر، فقد سكن في بيت لا تتجاوز مساحته الثمانين مترًا، وهذه شكّلت مشكلة بحيث أن هذه المساحة القليلة لا تتسع للوفود التي تفد إليه، فاختير له منزل بالقرب من حُسينية.أضف إلى ذلك أرسل على صاحب المنزل بشكل شخصي، فهو يخاف أن يكون هذا البيت مغصوبًا أو أن صاحبه مُجبرًا، بحيث أجبره الناس على أن الإمام سيأتي ويسكن في هذا المنزل فأنت مجبور على إعطائنا هذا البيت بالإيجار، فأرسل على أصحابه وتأكد منه أنهم هم من أجّر البيت، بكامل رضاهم، لم يتم أي ضغط عليهم، ولم يُجبروا على ذلك، هذه ميزة للإمام رحمة الله عليه.
وبقي مع الناس وفي وسط الناس، مع الحفاظ على شخصيته، بحيث بقي الخميني خمينيًّا، لم تُضف له ألقاب كأن يكون السلطان، أو ما إلى آخره، كل هذه الألقاب لم تُضف للإمام، بل بقي الإمام إمامًا، الإمام الخميني الذي يقرأ بعض اللوحات، لوحات الاسقبال في النجف الأشرف، هي في النجف أطلق على الإمام: ( نُرحّب بالإمام الثائر )، ( الإمام روح الله الموسوي الخميني )، وانتقل الإمام ولم يتغير في الأمر شيء، بل بقي هو هو (رضوان الله عليه).
الحقيقة الحقيقة.. ولا تُغرّر بالناس
أكثر من ذلك فإن إيران معروفة أنها بلد الثروات الطبيعية، والذي عنده شيء من المال فبإمكانه أن يُنمّيه وبشكل سريع جدًّا، إلا أن الإمام الخميني رضوان الله عليه – وهذه لطيفة جدًّا، إذ أن الثورة عادة ما تأتي من قبل العمّال والمستضعفين، ويكونون عادة غير ملاكين، فيخرج الواحد منهم من السلطة وهو ناقم على الملاكين، ويذهب من السلطة وهو أحد أفرادهم بحيث ينقم عليه الناس – يقول السيد دُعائيّ: أرسل عليّ الإمام يومًا، فقد كان لديّ برنامج في الراديو الفارسي في بغداد،