آخر تلاميذ العارف الكبير السيد القاضي الطباطبائي
آية الله السيد عباس الكاشاني هو آخر تلاميذ العارف الكبير والأخلاقي الشهير السيد علي القاضي الطباطبائي، وفيما يلي لقاء أجري معه يوضح جوانب من تتلمذه على يد هذا العارف الكبير.
في بداية أيام دراستي في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة واجهت بعض المشاكل، وسألت عن العلماء ذوي الخبرة في الأدعية والأذكار فدلني بعض الأخوة على عالم اسمه (السيد عباس الكاشاني) فقصدت بيته واستأذنت في لقاءه، وحينما دخلت عليه رأيته رجلا متواضعا بسيطا يتحدث اللغة العربية واللهجة العراقية بشكل ممتاز، ولا عجب فهو المولود في العراق وابن الحوزة العلمية في النجف وكربلاء، وعرضت عليه مشكلتي فقدم لي نصائحه، وكتب لي دعاء، وكنت أتردد على منزله بين فترة وأخرى حيث كنت أشعر بالراحة والطمأنينة في هذا البيت، واليوم وأنا أقرأ نعيه في وكالات الأنباء رأيت أن أترجم مقاطع من اللقاء الذي أجري معه حول تتلمذه على يد العارف الكبير السيد علي القاضي(قدس) لما فيها من النفع إنشاء الله:
1 – نرجو منك أن تذكر لنا كم سنة تتلمذت على يد المرحوم السيد القاضي؟
ج – لقد تتلمذت على يده ما يقارب ثلاث سنوات، لأن عمري كان صغيرا جدا آنذاك، حيث أن أغلب تلامذة السيد القاضي كانت أعمارهم تتراوح بين 40 و 50 عاما فما فوق، بل إن بعضهم كان أكبر سنا من السيد نفسه.
لقد تعرفت على السيد عن طريق والدي، حيث أن السيد القاضي كان يمر بنا حينما يزور كربلاء.
2 – كم كان عمرك حينما بدأت حضور درس السيد؟
ج - ما يقارب الـ 20 عاما.
3 – يبدو أن أحد شروط السيد القاضي في تلامذته أن يكونوا بلغوا رتبة الاجتهاد، ومن المعروف أنك بلغت هذه الرتبة في سن 18 عاما، أليس كذلك؟
ج – أنا لا أجيب عن هذا السؤال، يمكنكم أن تسألوا غيري حول هذا الموضوع.
4 – هل يمكنكم أن توضحوا لنا طبيعة درس الأخلاق للسيد القاضي؟
كان لدينا في النجف طلابا صغار السن وكانوا فضلاء ومجتهدين. وكانوا يتمتعون بالفضائل العلمية والأخلاقية، وحين تسأل أحدهم عن شبة كلامية أو فقهية أو أصولية فإنه يجيبك أجوبة مفصلة رائعة، وإذا سألت أحدهم أين يدرس، فإنه يجيب أنا أدرس على يد أستاذين: درس الفقه لدى السيد أبو الحسن الأصفهاني، والأخلاق عند السيد القاضي.
لقد كان درس أخلاق السيد بمستوى يجعل من يحضر درسه وكأنه اشتغل في مجال الأخلاق لمدة خمسين عاما.
وأنا أرى أن فضله العلمي وكماله المعنوي يجعلانه نابغة عصره. وكل من يدرس لديه لساعة فإنه ينهل منه كما هائلا من المعارف.
5- أين كانت تقام دروسه؟
في فترة دراستي عنده كانت تلك الدروس تقام في منزله. وكان منزلا بسيطا أقرب إلى الخربة منه إلى المنزل، وحينما كنا ندخل منزله نتصور أننا في منزله خادم السيد! ولم يكن المنزل مفروشا بفراش جيد بل بفراش عتيق جدا جاءه من عمه الذي قال له إن هذا الفرش وقف على منزلك ولولا ذلك لم يحتفظ به السيد أبدا.
6 – هل كان السيد القاضي يدرس دروسا غير الأخلاق؟
نعم كان يدرس البحث الخارج في الفقه، وكان يمتلك قدرة عجيبة على البيان.
7 – هل كانت تتوفر في ذلك الزمان أدوات لتسجيل دروس السيد؟
كان جهاز التسجيل حديثا في ذلك الوقت، وحينها اشترى أحد التجار ذلك الجهاز وطلب من أحد طلبة السيد أن يسجل الدرس، لكن عندما فهم السيد الأمر خاطب ذلك الطالب بكل أدب: أرجو منك أن تذهب إلى درس آخر.
8 – كيف كانت أجواء درسه؟
كان درسه الصباحي يشهد حضور ما يقارب مائتي شخص. وحينما كان يتحدث كان الجميع يجهش بالبكاء. كان محاضراته في الأخلاق، ولن أستطيع ولا غير أن يصف تلك الأجواء.
9 – هل كان هنا سبب خاص لأن يشترط السيد القاضي أن يكون تلامذته من المجتهدين؟
كان السيد يسعى نحو اجتذاب الطلاب اللائقين للدرس والتبليغ، ولعل هذا هو أحد الأسباب.
10 – هل رأيت السيد هاشم الحداد؟
نعم، لقد كان صاحب دكان يصنع نعال الخيل. وكان محبا للسيد القاضي. وكان يأتي ليخدم السيد، والسيد بدوره كان يقول له: أنا لا أقبل أن تقوم بهذا العمل. ولم يكد السيد هاشم فقيرا فلقد كان الحداد الوحيد في كربلاء.
11 – كيف كان يتعامل السيد القاضي من تلامذته؟
لقد كان سني صغير آنذاك. لكنه لم يكن يعني بهذه الأمور، لقد كان ينهض احتراما لكل أحد حتى للطفل الصغير.
12 – هل يمكنكم أن تتحدثوا لنا عن الحالة المعنوية للسيد القاضي؟
لا يمكن وصف حالته المعنوية بالألفاظ. لقد كان الشيخ بهجت يبكي كلما تذكر القاضي ويقول: مع الأسف لا يوجد قلم يستطيع أن يدون ما كان عليه السيد من حالات معنوية. لقد كان للسيد كرامات ومقامات شامخة، ولقد نقل الحادث التالي الكثير من السادة قائلين: في أحدى الليالي دخلنا صحن أمير المؤمنين فرأينا السيد القاضي واقفا ينبعث النور من وجهه كالشمس ملأ أرجاء الحرم الشريف، وكان مشغولا بصلاة الجماعة. لقد سررنا أنه وافق أخيرا على إمامة الجماعة. بعد انتهاء الصلاة ذهبنا إلى السيد وقلنا له الحمد لله. فتبسم السيد ولم يقل شيئا. وبعد ذلك ذهبنا إلى منزل السيد فوجدناه في منزله مشغولا بأداء الصلاة!
13 – كيف كان تواضع السيد؟
هناك الكثير حول تواضعه. ذات مرة وصل عدد من الزائرين من إيران وقالوا له نحن نريد أن نقلدك، فجهش السيد بالبكاء ورفع يديه إلى السماء قائلا: يا إلهي أنت تعلم أنني لست كما يتصورون. ومع العلم والتقوى التي كان يمتلكهما إلا أنه قال لهم: اذهبوا وقلدوا السيد أبو الحسن الأصفهاني.
14 – هل تتذكر كرامة للسيد؟
نعم، في النجف كان هنا أحد الأساتذة الكبار، وذات يوم مرضت زوجته مرضا شديدا شارفت على الموت، وسرعان ما جاء هذا الأستاذ إلى السيد باكيا، وقال له إن زوجتي على وشك الرحيل، لقد كانا هذا الأستاذ متعلقا جدا بزوجته، فطأطأ السيد رأسه وراح الله سبحانه – لقد رأيت ذلك بأم عيني – وبعدها رفع يديه إلى السماء وكفكف دموع عينيه قائلا: اذهب إلى بيتك لقد أعاد الله إليك زوجتك. لقد كان ذلك الأستاذ معتقدا بالسيد، ويعلم أنه صادق فيما يقول، وحينما ذهب إلى منزله وجد زوجته معافاة سالمة، لقد استجاب الله دعاء السيد لما له من الكرامة عند الله.
15 - هل يمكنك أن تصف لنا القاضي بعبارة واحدة؟
أنا لست لائقا لأن أصف هذا الرجل، وكل ما أستطيع أن أقوله أننا لم نر مثيلا له. وبشكل مختصر أقول لقد كان رجلا استثنائيا بكل المعايير، لقد كان متألها.
والسلام