17 سبتمبر 2010 - 19:30

الملوك والأمراء العرب خسروا أكثـر من ألف مليار دولار في عمليات مضاربةفي البورصات العربية رياض الصيداوي، يحلل الواقع العربي المتأزم وكيف تآمرت الوهابيةالسعودية التي تعتقد بأن الأرض غير كروية الشكل حسب شيخها الكبير ابنعثيمين على الوطن العربي...

نشرت الانحلال الأخلاقي والتطرفالقاتل...وأضاعت أكثر من ألف مليار دولار في البورصات الاميركية...عنالوحدة العربية وعن الجزائر وعن آل سعود والبترول والسعودية سنة2005.هومؤلف وباحث تونسي مقيم في جنيف،يدير مركز الوطن العربي للأبحاث والنشر، ومختص في العالمين العربي والإسلامي.كتب عدة مؤلفات عن الجزائر،حتى اعتقد البعض أنه مختص فقط في القضايا المتعلقة بهذا البلد.. تحدثكثيرا عن التاريخ والمراحل التي مر بها، وسمى العشرية السوداء بالمرحلةالحاسمة، ووصفها بخط الدفاع القوي الذي أنقذ دول المغرب من براثين العنفوالتطرف.. كما اعتبر أن الجزائر نموذج يحتذى به في الدول العربية، لكنهيعتقد أن الديمقراطية لا تزال عرجاء في هذه الدول التي لا تزال تؤمن بمسألةالحدود. وصف حركات دينية بالتشدد، واعتبر أخرى التي وصفت بالعصريةوالحداثة أنها موضة لنوع جديد من كسب المال...

 السؤال : يبدو للوهلة الأولى للقارئ لمؤلفاتك أنك تعرض أحداثا مستهلكة، لكن عندالتدقيق يلاحظ أن هناك استقراء لهذه الأحداث بأسلوب تحليلي مغاير ومعمق،رغم ذلك هناك من يشير إليك بإبهام الشك والسفسطائية، خاصة عندما تتحدث عنالجماعات الإسلامية المتطرفة كجبهة لمعارضة سياسية، ما رأيكم في ذلك؟

الصيداوي: أنا مقاربتي ليست صحافية إعلامية رغم أنني كتبت كثيرا للصحافة وتحدثت للقنوات التلفزيونية. مقاربتي كما قلت لك سابقا هي أكاديمية وملتزم بالبحث العلمي ومناهجه وهي مقاربة سوسيولوجية. فعلى سبيل المثال لا يهمني كم مسلح من الجماعات الإسلامية المسلحة قتل وأية أسلحة يملك، ما يهمني كباحث سوسيولوجي هو أعمارهم، مستواهم التعليمي، طبيعة تعليمهم علمي أم أدبي، من أية منطقة ،جاءوا من الريف أم من المدينة، متزوجون أم غير متزوجين.. هذه أسئلة علم الاجتماع السياسي وهي ليست نفس أسئلة أجهزة الإعلاميين أو أجهزة المخابرات مثلا. أما السفسطائية، فدراساتي تنشر في مجلات علمية محكمة، وهي أصلا مكتوبة باللغة الفرنسية لجامعة جنيف، وفقط المجتمع العلمي يستطيع أن يقيّم الأبحاث الأكاديمية. آخر كتاب نشرته مع صديقين البروفسور السويدي يان إريك لانيه والتونسي حمادي الرديسي وكان لي فيه فصل عن الإسلاميين والجيش في الجزائر. وصدر عن دار "أشغايت" وهي من أكبر الدور النشر الاميركية الإنجليزية في العالم والمختصة في الكتب الأكاديمية. حسب بحثي عبر غوغل الكتاب موجود في مكتبات الجامعات الصينية واليابانية والأوروبية والاميركية. ولست أدري إن كانت الجامعات العربية يوجد فيها هذا الكتاب أم لا، ويمكن للقارئ العودة إلى الكتب والدراسات التي أجريتها عن الجماعات الإسلامية وقراءتها كاملة وبتأن لفهم أطروحتي بشكل جيد وسليم دون تأويلات، كما يمكنه توخي نظرتي لهذه الجماعة. ربما فهم محدودي النظرة والتفكير غير ذلك من كتاباتي وهذا لا يعنيني في شيء، لذا أترك السفسطة للسفسطائيين.

س: قلت سابقا إن قادة الحركات الجهادية يدعون للديمقراطية، كيف تكون الحركاتالجهادية بؤرة للديمقراطية التي يدعو إليها قادتها السياسيون، في حين أنالفكر الذي ينتمي إليه هؤلاء هو الاستغناء عن النهج الانتخابي والديمقراطي؟

الصيداوي: نعم هذا هو تناقضها.. الحركات الإسلامية متعددة ومتناقضة ولا أتمنى دائما وضعها في نفس السلة. لكن هي بالضرورة غير ديمقراطية وبخاصة السلفية منها.والأكيد أنه سيكتشف ذلك بالعودة إلى الدراسات التي قدمتها في هذا الشأن بدقة. لكن أؤكد أن قصدي في هذا الإطار هو أن هذه الحركات قطعت مع الإخوان المسلمين وإستراتيجيتهم في الأسلمة من القاعدة نحو القمة، أي استخدام المنهج السلمي، فاختارت المنهج العنيف، أي الأسلمة من القمة نحو القاعدة بعد احتكارها للعنف الشرعي للدولة. وتواصل أيضا في هذا النهج لأنها تقبل بلعبة الانتخابات إذا كان الأمر سيؤول لصالحها.

أخطر الحركات الدينية على الإطلاق هي الوهابية السعودية. وربما أكون أول من يستخدم هذا المفهوم. فالحديث عن الوهابية فقط خطأ علمي حسب رأيي.. بل يجب استخدام مفهوم الوهابية السعودية: وهي بذلك تعني التحالف التاريخي بين السلطة السياسية المالية ممثلة في ابن سعود والسلطة الدينية ممثلة في ابن عبد الوهاب، التقاؤهما شكل هذا المذهب. وقوتها تكمن في ثروتها البترولية الهائلة. فقد تم الإنفاق على هذا المذهب طيلة ثلاثين سنة، أكثر مما صرفه الاتحاد السوفياتي طيلة قرن، وأنتجت بذلك القاعدة وأسامة بن لادن وإرهابهما. وهي تموّل اليوم عشرات القنوات التلفزيونية والصحفية التي تعمل على تخريب العقل العربي. والجزائر أول من ذهب ضحية لذلك بحوالي 200 ألف شهيد.

لقد تم خداع الشباب العربي منذ بداية الثمانينات بأن روج هذا الإعلام بوجود "ملائكة خضر" تقاتل ضد الاتحاد السوفياتي..

وقع جزائريون وعرب كثيرون في هذا الفخ القاتل.. لكن من المضحك أن نفس هذا الإعلام لا يحدثنا اليوم عن هذه الملائكة الخضر في أفغانستان ولا في العراق ولا في فلسطين. لأنها لا تظهر أبدا. فرت من المعارك الحقيقية ولم "تتشطر"إلا على الاتحاد السوفياتي، صديق العرب. اليوم تواصل بث أفكارها وتستقطب الشباب الساذج العاطل عن العمل والذي يعاني من الفقر.. والمشكلة أنه لا توجد وسائل إعلام عربية وطنية تقدمية تتصدى لها. هي وحدها في الميدان، لذلك نقول إن الإرهاب ليس فقط فعلا وإنما خطاب أيضا.

س: ترون أن الحركات السلفية الجهادية تمثل القطيعة والتواصل في آن واحد معالمناهج التي اتبعتها الحركة الإسلامية الأم في الماضي، هل يمكن أن تتواصلمع منهج السابقين وتروج لفكر جديد يستند على العنف والتطرف؟

الصيداوي: أنا أدرّس الآن الوهابية السعودية بشكل منهجي. ووصلت في بعض قراءاتي إلى شيء في غاية السخرية والغرابة. بل هو مضحك ومؤلم في نفس الوقت. شيخ الوهابية الكبير ابن عثيمين يقول حرفيا "أنه اكتشف عبر الأدلة الشرعية أن الأرض لا تدور حول نفسها وليست كروية الشكل وأن الإنسان لم يصل إلى القمر..وتلك بدع هذا كتاب له منشور ومتوفر على الأنترنت. شيء مضحك نعم لكنه تسبب في مآسي بشرية وكوارث إنسانية ومئات آلاف القتلى. فالخطر الأعظم يكمن في أن بعض الشباب العربي سقط في فخ السذاجة والخرافة.. لذا أدعو شباب الجزائر أن يواصل مشروع الصناعة التصنيعية الذي بدأه الراحل هواري بومدين وأن يطالب الدولة بذلك عوضا عن الاستماع إلى خرافات تأتيه من المشرق العربي. أصبحت الوهابية السعودية تجارة مربحة لكثير من الشيوخ وبخاصة المصريين الذين أثروا من خلالها.. إنه شيء مؤلم ومخزي في نفس الوقت.

يلزمنا جبهة صمود وتصدي في المغرب العربي لمواجهة خرافات المشرق التي اتخذها بعضها مطية للثراء وربح الأموال.. لذا يلزمنا إعلاما تقدميا قويا..الجزائر تمتلك عائدا نفطيا أيضا، نتمنى أن توظف بعضه في إنشاء فضائيات وطنية تقدمية وألا تترك الساحة فارغة لمثل هذه التيارات، لأنها في نهاية المطاف ستأكل الأخضر واليابس.

س: في رأيك هل تطور النظرة باتجاه التنمية في كل البلدان العربية بما فيهاالمغاربية سيولد تطورات اجتماعية إيجابية تقلص الهوة بين السياسات الحاكمةوشعوبها؟

الصيداوي: بالطبع.. يلزمنا العودة إلى مشروع الراحل بومدين في الصناعة التصنيعية.التصنيع هو الحلقة المفقودة عندنا نحن المغاربة، لا أحد يتحدث عنه. مشغولون بالفتاوى والإرهاب.. يلزمنا أيضا تحرير المرأة العربية وإنجاز عملية الدمقرطة. والأهم التصدي للمشروع البترولي السلفي الوهابي. يجب أن نواجههم بمحمد أركون وبهشام جعيط وبفكر الراحل محمد عابد الجابري. مفكرونا ضد شيوخهم أمثال العريفي وابن عثيمين وغيرهما.. لدينا العقل العلمي وعندهم الخرافات.

ونحن أقرب إلى الإسلام لأننا جمهوريون وهم ملكيون. سلطتهم مطلقة. ودورهم في تخريب الوعي العربي ونشر الإرهاب جلي وواضح.

س: التضامن العربي أصبح اليوم مطلبا ملحا من قبل الشعوب العربية والإسلامية،على حد سواء، هل تعتقد أن هذا المطلب يمكن أن يكون بابا لإعادة فتح المجالللحديث عن إحياء "قومية عربية" بالمفهوم الواسع؟

الصيداوي: بالعكس.. العرب أصبحوا أضحوكة على المستوى العالمي، أنا أعيش في الغرب منذ زمن طويل وأعرف صورتهم. والوضع يزداد سوءا.. أعطيك أمثلة محزنة. أمتلك الجنسية التونسية والجنسية السويسرية.. جوازي العربي لا ترحب به إلا ثلاثة دول عربية هي الجزائر وليبيا وسوريا، حيث نذهب إليها بدون تأشيرة. أما السويسري فهو صالح بشكل جيد لبقية الدول العربية. إذا أردت الذهاب إلى القاهرة فأنا احتاجه لأنهم يمنحوني شيئا في المطار يسمونه فيزا ولكن هو ليس في الواقع إلا مجرد رسم مالي صغير.. وكذلك نفس الشيء في بيروت ودبي وأبو ظبي وغيرها.. يعني أقدم لهم نفسي كسويسري لأدخل بسرعة وبترحيب. كعربي يرفضونك أو يزعجونك.

ببطاقة هوية سويسرية أستطيع أن أزور وأقيم وأعمل في حوالي 27 دولة أوروبية.قمت بجولة بالسيارة في أوروبا ولم تعترضني أصلا حواجز شرطة وكأنني في بلد واحد رغم تعدد الثقافات واللغات والهويات..

أصدقائي المثقفون السويسريون والأوروبيون أقول لهم دائما إن مفهوم العرب هو عندكم أنتم فقط لأنه عمليا غير موجود.. بما أنكم تستطيعون أن تذهبوا إلى دول عربية فقط ببطاقة هوية، بينما الإخوة يصدون الإخوة.. إذن العرب شيء لا يوجد إلا ثقافيا.. ونفس الشيء بالنسبة للتبادل الاقتصادي والتجاري كلنا مرتبطون بالغرب. رغم مرور أكثر من نصف قرن على استقلال العديد من الدول، وتداول السياسات بها، إلا أنه لا زالت هناك مقولة "الحدود بين الدول العربيّة مصطنعة رسمها الاستعمار".. بماذا توحي لك هذه المقولة؟

هذه مسألة مفروغة من محتواها، انظري إلى خارطة الدول العربية وسترين دولا خطوطها مستقيمة سطرت بالمسطرة.. ضباط الاستخبارات العسكرية الفرنسية والبريطانية أنجزوا كل شيء منذ بداية القرن العشرين.. سطروها بشكل مضحك في بعض الأحيان. الأردن، السودان، مصر ليبيا..كلها أمثلة. فقط

س: الملوك والأمراء العرب خسروا أكثـر من ألف مليار دولار في عمليات مضاربة

الصيداوي: انظري إلى الخريطة وستعرفين. قبائل كثيرة وعروش كثيرة توزعت على دول عديدة.. قبيلة "شمر" مثلا تجدينها تقريبا في كل دول الخليج الفارسي والعراق.. لا أحد يستطيع أن يدعي أن شعبا عربيا واحدا هو الذي سطر حدود دولته المستقلة.. كل الحدود مصطنعة، هذه مسألة بديهية.. واقعة تاريخية وليست رأيا إيديولوجيا.. وحسب رأيي لن تتم الوحدة العربية إلا بعد نهاية عصر النفط وعبر صناديق الاقتراع، أي بعد إحداث عملية دمقرطة شاملة ترفضها حاليا الاحتكارات البترولية العالمية.

س: حوّلت أرضية الريوع الاقتصادية الدول النامية إلى دول صاعدة، حسب المصطلحالجديد، كما غيّرت الكثير من المعطيات كالنظرة إلى أن الإسلام ليسالمشكلة.. ولا هو الحل في آن واحد.. فكيف يمكن أن يكون الإسلام رافدا منروافد تقدم هذه السياسات الاقتصادية؟

الصيداوي: الإسلام دين رائع.. وهو كثير المذاهب والمدارس.. أرى أن أفضلها هو الصوفية كتوجه روحي سلمي رائع