و وفقا لما أفادته وکالة أهل البیت (ع) للأنباء ـ ابناـ أجرت مجلة "دير شبيجل" الألمانية الاثنين حوارا مع الدكتور محمد البرادعي المدير العام السابق لوكالة الطاقة الذرية، أوضح فيه أهمية الفترة الحالية لتغيير مستقبل مصر، ووصفها باللحظة التاريخية التي لن تتكرر، كما تناول إشكالية تحالفه مع جماعة الإخوان المسلمين لخوض الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة، والخطة المطروحة لإجبار الرئيس حسني مبارك للتخلي عن الحكم وتداول السلطة.
وحول عودته الى الى الساحة السياسية بعد اعلان انسحابه من الحياة العامة بعد 12 عاما مديرا عاما لوكالة الطاقة الذرية في فيينا، والآن الدكتور محمد البرادعي يتحدى الرئيس المصري حسني مبارك ، قال البرادعي: في اللحظة التي عدت فيها لمصر في فبراير الماضي، كنت أريد فقط أن أقضي أجازة هادئة في منزلي بالهرم، لكنني وجدت أمامي أكثر من 1500 مواطن مصري في استقبالي بمطار القاهرة. تنوعت فئاتهم بين طلبة وتجار وعمال والكثير من النساء، منهن مصريات محجبات، وكلهم كانوا يهتفون بالتغيير ويطلبون مني مساعدة مصر في تغيير شكل مستقبلها، بل كنت مصعوقا عندما هتف بعضهم مناديا بي رئيسا لمصر!.
ولأهمية الحوار، ندرج نص المقابلة التي اجرتها دير شبيجل مع البرادعي:
دير شبيجل: وهل هذا هو ما جعلك تغير خططك؟ المعروف أن الدستور المصري لا يسمح لك أن ترشح نفسك للرئاسة دون أن تكون عضوا في حزب سياسي.
البرادعي: إن ما حركني هو رغبة المصريين الحقيقية في التغيير، وحماسهم الذي قابلوني به، كما أن النظام الحاكم لم يترك لي خياراً آخر سوى أن أتحول إلى ناشط سياسي، فبعد أن عتمت وسائل الإعلام القومية الحكومية على الأمر برمته، أطلقت حملة غير مسبوقة لتلويث سمعتي ومهاجمتي باعتباري عميلا لأنظمة أجنبية.
دير شبيجل: هل تعرف ما الذي يحدث للذين يجرؤون على تحدي النظام الحاكم؟ آخر واحد قرر أن يتحدى مبارك انتهى أمره في السجن!
البرادعي : التقيت بأيمن نور في الإسكندرية منذ فترة قصيرة، وكنا نساند ضحايا التعذيب على يد النظام. وأنا أتشرف أنني يمكنني الاعتماد على حصانتي الدولية لتحميني. وطبيعي أن عائلتي وأبنائي يخافون من أن أتعرض لأي عنف، لكنهم يعرفون أني لا أمتلك خيارا آخر، فنحن نمر بلحظة تاريخية، لحظة صحو وانتفاضة للشعب المصري.
دير شبيجل: كثير من الناس يعتبرونك "المسيح"..
البرادعي: أنا لا أستطيع ولا أريد أن أكون "المخلّص"، إن ما أحارب ضده تحديدا هو تلك العقلية التي لا تريد أن تفعل شيئا لتنتظر قائدا يخلصها مما هي فيه. ينبغي على الناس أن يؤمنوا بالتغيير، وأن يخلصوا له، ليحققوا تقدما ملموسا على أرض الواقع. وأتصور أن هذا هو ما يحدث الآن في مصر.
دير شبيجل: كيف؟
البرادعي: هناك متطوعين من كافة أنحاء مصر، ومن كل الفئات ينضمون للجبهة الوطنية للتغيير كل يوم. أكثر من 15 ألف متطوع يزور كل محافظات مصر فقط ليقول للمصريين ما هي الجمعية الوطنية للتغيير. وهناك الآلاف الذين يوقعون على بيان التغيير بأسمائهم وأرقامهم القومية كل يوم، كل هذا يقول إنهم اكتفوا من الوضع الراكد، وقرروا أن الوقت حان للتغيير.
دير شبيجل: هل أصبحت مدوناً في الفترة الأخيرة؟
البرادعي: إلى فترة قريبة، لم أكن أعرف حتى ما هو "الفيسبوك" وماهو "التويتر"، أما الآن أستخدم وسائل الإعلام الحديثة بكثرة، ولدينا حوالي 30 ألف عضو على الموقع الإلكتروني، وأكثر من 250 ألف عضو على مجموعتين على الموقع الاجتماعي "فيسبوك"، ما يعني أن الأمور بدأت تتحرك في مصر.
دير شبيجل: ولماذا لم تتحرك الأمور في مصر إلا الآن فقط؟
البرادعي: النظام المصري يحكم بقانون الطوارئ منذ 30 عاما، وصلاحيات الأمن في مصر مطلقة، والداخلية تتعامل بهمجية مع كل الناس، كل هذا خلق ثقافة خوف غير طبيعية لدى المواطنين، وأنا مستعد تماما لكي أكون العامل المحفز للتغيير في مصر.
دير شبيجل: كنت منذ 5 سنوات مصدرا لفخر النظام المصري، كونك المدير العام لوكالة الطاقة الذرية وحصولك على جائزة نوبل للسلام، فماذا حدث؟
البرادعي: منذ سنوات قليلة، قلدني الرئيس مبارك أرفع وسام في الجمهورية، واعتبرني من أروع أبناء مصر، لكن منذ أن أصبحت ناشطا سياسيا معارضا، قامت السلطات بمنعي من الظهور إعلاميا، وألقت القبض على بعض المؤيدين لي، حتى إن بعض الفنادق ألغت حجوزاتي بها بناء على طلب الأمن!.
دير شبيجل: بعض الناس يعتبرون مبارك "فرعونا" بسبب حكمه لمصر أكثر من 30 عاما، فكيف تراه أنت؟
البرادعي: مبارك هو رجل النظام الحاكم الأوحد، لا يتفاعل مع الناس، سمح لمصر أن تتحول لدولة بوليسية. مبارك وصى بديكتاتورية على دولة انحدرت بشكل غير مسبوق، وفقدت مكانتها المرموقة وتأثيرها بشكل مأسوي.
دير شبيجل: لقد استطاعت كل من تركيا وإيران السيطرة على الشرق الأوسط، فهل ترى أن مصر هبطت لتلعب دورا ثانويا في المنطقة؟
البرادعي:لقد كانت مصر قوة لا يستهان بها ثقافيا واقتصاديا يوما ما، أما الآن، ثلث المصريين أميين، وهناك مواطن مصري من بين كل خمسة مواطنين مضطر ليعيش بأقل من دولار يوميا، وأصبحت مصر الدولة الأكثر فسادا في العالم حسب تقرير الشفافية الدولية، وهذا يوضح مستوى الانحدار الذي وصلنا إليه.
دير شبيجل: تبدو هذه مهمة مستحيلة بالنسبة للرئيس القادم لمصر..
البرادعي: نعم، خاصة وأن السياسة الداخلية والخارجية أصبحتا غير منفصلتين عن بعضهما البعض. إن أية دولة تسعى لتصبح قوة دولية، يجب عليها أن تطور من أحوال المجتمع داخلها أولا.
دير شبيجل: ومع ذلك، مازال الغرب يعتبر مبارك شريكا، فعلى الرغم من الديمقراطية المعيبة في مصر، فإن مبارك يعتبر ضمانا للاستقرار في المنطقة، والدليل أن مصر وإسرائيل هما أكثر دولتان تتلقيان الدعم الأمريكي..
البرادعي: هذه معضلة بالنسبة للغرب، فقد استطاع مبارك أن يقنع الغرب أن لديه خياران فقط، إما القبول بحكم النظام الديكتاتوري في مصر، وإما أن تقع مصر فريسة للأنظمة الإرهابية شبيهة القاعدة، وطبعا ليس هذا صحيح. فمبارك يستخدم رعب الأنظمة الغربية من الإرهاب الإسلامي في مقابل التغاضي عن تحقيق الديمقراطية في مصر. لكن ينبغي على واشنطن أن تدرك أنها بدعمها للنظام الحاكم الحالي في مصر، ستخلق المزيد من المتطرفين كل يوم، وهذا أبعد ما يكون عن الاستقرار.
دير شبيجل: البعض يقول إن الغرب ارتبط ارتباطا وثيقا بنظام مبارك، بينما يرى آخرون إن مبارك أصبح مثل الخادم الخاضع للقوى الغربية، فما رأيك؟
البرادعي: يمكنك أن تنظر إلى الصراع في غزة. لقد تحول القطاع إلى أكبر سجن في العالم، يحرسه سجانين، إسرائيل من ناحية، ومصر من ناحية أخرى عن طريق غلق المعبر. والغريب إن النظام المصري يروج أن مشاركته في الحصار لدواعي أمنية، بينما كل ما يخشاه هو قوة حماس – التي لا أتفق معها في مواقفها المتطرفة- لكنها على الأقل تسلمت السلطة عن طريق انتخابات شرعية.
دير شبيجل: ما الذي كنت ستفعله بخصوص مشكلة غزة؟
البرادعي: ينبغي علينا أن نفعل كل ما بوسعنا لتخفيف معانا الشعب الفلسطيني في غزة، يجب أن نفتح المعابر ونضغط لرفع الحصار فورا، وبشكل كامل، وليس كما يحدث الآن من تخفيف جزئي للحصار.