وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ لم يعد هناك من شك بأن السلوك العسكري السعودي المستمر في استهداف الأعيان المدنية والتجمعات الاقتصادية البسيطة، كحال مجزرة سوق الحضارة بمديرية الوازعية بمحافظة تعز والمجزرة المروعة التي ارتكبها العدو السعودي في بني حشيش وغيرها من المجازر التي طالت أسواقاً شعبية ومناطق تجمّع للمواطنين في مختلف المحافظات، إنما يمثل عقيدة عسكرية تقوم على التعويض الناري الأهوج كلما واجهت القوة المعتدية الغاشمة انسداداً في الخيارات التكتيكية على جبهات المواجهة المباشرة.
هذا النمط المتكرر من القصف، الذي يتعمد نقل ثقل الصراع إلى الفضاء المدني المحمي من القانون الدولي، يكشف عن رؤية في إدارة العمليات؛ تجعل من منازل المواطنين والأسواق المكتظة أهدافاً لكسر قدرة المجتمع على الصمود والإسناد. فضلا عن أن تكرار ضرب هذه الأهداف يثبت بأنه قرار مدروس يهدف إلى إحداث أكبر قدر ممكن من الصدمة الاجتماعية، وفرض تكلفة إنسانية باهظة على البيئة الشعبية، وتغطية الفشل المتراكم في تحقيق أي خرق ميداني يحقق الردع أو يغير موازين القوى على الأرض.
تفضيل استهداف التجمعات الشعبية
بالنظر إلى المشهد العسكري يتبين أن الرهان على قوة النيران الاستراتيجية قد تحول إلى عبء أخلاقي وسياسي وعسكري على السعودية؛ ومؤشر أكيد لحالة تفكك في بنك الأهداف الحقيقي، فالقيادة العسكرية عاجزة عن مواجهة المقاتل الميداني وكأنها تبحث عن نصر متخيل فوق أنقاض المنازل وأشلاء الأطفال وبسطات الباعة المتجولين. إلا أن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن سياسة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي لا يمكنها صياغة موازين قوى جديدة، بقدر ما تعمل على تجذير معركة الدفاع الوطني وتوسيع حاضنتها الاجتماعية والتاريخية بشكل غير قابل للتراجع أو الاحتواء.
وتُظهر التحليلات العسكرية أن هذا التكرار اللافت في استهداف التجمعات السكانية والتجارية النائية والمركزية هي -في حقيقتها- انتهاكات جسيمة تؤكد العجز عن مواجهة التحديات الدفاعية والقدرات الهجومية النوعية التي تطورها وتنفذها القوات اليمنية في مختلف المحاور والقواعد. كما يشير هذا التفضيل، لاستهداف المنازل والأسواق المكتظة بالنساء والأطفال والباعة المساكين بدلا عن جبهات الاشتباك، إلى حالة خلل وهزيمة نفسية يسعى من خلالها العدو السعودي إلى فرض واقع من الرعب الدائم، مؤكدا عدم تفهُّمه للتركيبة الاجتماعية اليمنية التي تمرست على تحويل كل اعتداء على مدنييها إلى وقود إضافي للالتحاق بجبهات القتال.
الافتقار إلى عقيدة قتالية أخلاقية
والأكيد إن مثل هذا العمل العسكري البشع يقدم دليلاً قاطعاً على أن امتلاك التكنولوجيا الغربية الأكثر تطوراً والطائرات الحديثة ذات الصواريخ الموجهة بدقة لا يعوض الافتقار إلى عقيدة قتالية أخلاقية، كما يبرهن على أن التفوق الجوي العاجز عن كسب الأرض يتحول تلقائياً مع مرور الوقت إلى أداة تدمير عبثي لا تملك أدنى أفق سياسي للحسم أو فرض الشروط.
ومن الناحية القانونية والدولية، يشكل الاستهداف المتكرر للمنازل والأسواق والأعيان المدنية الخالية من أي مظاهر عسكرية انتهاكاً صارخاً وقاطعاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، والمبادئ الأساسية للنزاعات المسلحة وفي مقدمتها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب في استخدام القوة، ومبدأ الاحتياط والتفرقة بين المنشآت الحيوية والأهداف العسكرية، تتآكل تماماً أمام هذه الغارات العشوائية. فالأسواق الممتلئة بالباعة والمدنيين تقع -نصاً- تحت حماية القانون الدولي كأعيان مدنية لا يجوز بأي حال من الأحوال جعلها هدفاً للهجوم أو استخدامها كأداة للضغط السياسي أو المعنوي.
خياراتنا ردعية بفاعلية واستقلالية
يتكامل هذا التوصيف القانوني مع المواقف الرسمية، إذ أكد المجلس السياسي الأعلى أن تكرار قصف المنازل والأسواق الشعبية والتجمعات السكنية ليس خطأ عملياتياً، بل سلوك إجرامي متعمد يكشف إفلاس العدو وعجزه عن تحقيق أي إنجاز ميداني، معتمداً على غطاء خارجي وصمت دولي مريب يمنحه الحصانة لحصد أرواح المدنيين. ودعا المجلسُ الأممَ المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية إلى الخروج من صمتها وإدانة الجرائم بصورة صريحة، وفتح تحقيق في الجرائم السابقة، مشدداً على أن الرهان على التواطؤ الدولي لن يثني الشعب اليمني عن ممارسة حقه المشروع في الدفاع عن نفسه وردع الاعتداءات ومطاردة المجرمين حتى نيل العدالة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي أكدت وزارة الخارجية أن الاستهداف المباشر والمتكرر للمنازل والأسواق والأعيان المدنية يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني، محمِّلة المجتمع الدولي والأمم المتحدة المسؤولية القانونية والأخلاقية عن حالة الصمت الشديد والتجاهل المتكرر تجاه هذه المجازر، باعتباره الصمت الذي يمنح المعتدي ضوءاً أخضر للاستمرار في صب حمم غاراته على المدنيين دون خشية من المساءلة أو المحاسبة.
فيما أكدت القوات المسلحة بأن سفك دماء المدنيين في الأسواق والمناطق الحيوية لن يبسط للعدو سيطرة، ولن يمر دون رد عسكري موجع يستهدف عمق مفاصله الاقتصادية والعسكرية، مشيرة إلى أنها تصيغ خياراتها الردعية بفاعلية واستقلالية لتفرض واقعاً ميدانياً ينهي بيئة الحصانة الدولية الممنوحة للمعتدين.
بدورها قالت رابطة علماء اليمن إن استهداف اليمنيين في أسواقهم ومساكنهم ومزارعهم واستمرار الحصار يمثل نهجاً متواصلاً منذ سنوات، معتبرة أن الجرائم التي يرتكبها العدو السعودي تمثل شاهداً على حجم ما يتعرض له المدنيون. وأدانت الرابطة المواقف المنحازة إلى السعودية، وهاجمت مواقف العلماء والدعاة الذين يتبنون الاتهامات السعودية ضد اليمن، معتبرة أن ذلك يتناقض مع ما يتعرض له أطفال ونساء اليمن وغزة، ومؤكدة أن استمرار المجازر لن يزيد الشعب اليمني وقواته المسلحة إلا تمسكاً في مواجهة العدوان.
وتُشكِّل هذه المواقف حجر الزاوية في بناء السردية السياسية والقانونية التي تستند إليها القوات المسلحة في إدارة المعركة، معلنة للعالم أن القبول بسياسة الأمر الواقع والتغاضي عن دماء الضحايا لن يكون خياراً مطروحاً، وأن استمرار هذا النهج سينقل المواجهة -بلا شك- إلى مستويات جديدة من الردع الشامل.
مأزق أخلاقي يبرز ازدواجية المعايير
لا شك بأن استمرار هذا المسار العملياتي دون خوف من المساءلة يعود -بشكل أساسي- إلى المظلة السياسية والغطاء الدبلوماسي الذي توفره القوى الغربية، ما أوجد بيئة إجرامية يغلب عليها الاستهانة بالمعايير القانونية الدولية. إلا أن هذا الاعتماد على الحصانة السياسية لا يغير من الحقيقة القانونية شيئاً؛ فالجرائم الضاربة في عمق البيئة المدنية لا تسقط بالتقادم، وتوثيقها المستمر يضع المنظومة الحقوقية الدولية أمام مأزق أخلاقي حقيقي يُبرز ازدواجية المعايير عندما يتعلق الأمر بدماء المدنيين في اليمن.
وفي الوقت الذي تسعى فيه التغطيات السياسية والإعلامية الغربية إلى القفز فوق هذه الوقائع عبر نفي المسؤولية، فإن الوقائع الميدانية والأدلة الجنائية لضحايا الغارات في تعز والمناطق الأخرى تصفع النفاق الدولي بالحقائق التي تثبت الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة الجوية ضد مجتمعات محلية.
ويذهب خبراء إلى أن تجربة السنوات الماضية قد أظهرت كيف يتم مقايضة مواقف بعض القوى الدولية بصفقات السلاح والمصالح المالية الاستثمارية، ما جعل القانون الدولي أداة سياسية انتقائية تطبق بحزم ضد طرف وتتلاشى تماماً عندما تكون القوة المعتدية هي المشتري الأكبر للمنظومات التسليحية الغربية.
تحوُّل الدماء إلى طاقة ثورية
يغيب عن المعتدي السعودي أن الإمعان في ضرب الأهداف المدنية والأسواق الحيوية إنما يؤدي إلى نتائج تتناقض تماماً مع غاياته. فبدلاً من تفكيك الحاضنة الشعبية أو إجبار المقاتلين على التراجع، تساهم هذه المجازر المتكررة في زيادة التلاحم المجتمعي وتأكيد قناعة الشارع اليمني بأنه يخوض معركة وجودية ضد استهداف شامل لا يفرق بين جبهة قتال وسوق شعبي. فيما تفشل الاستراتيجية العسكرية التي تعتمد على ترهيب السكان عبر الطيران أمام التكيّف المجتمعي والقدرة العالية على الامتصاص والمواجهة. وتتحول العملية العدوانية برمتها إلى عبء استنزافي وأخلاقي يلاحق العدو، ويجره إلى مستنقع ميداني وسياسي يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم دون امتلاك أدوات الحسم الواقعية.
أما الرهان على إحداث شرخ بين الحاضنة المجتمعية والقيادة العسكرية عبر تكثيف الكلفة البشرية والدموية فقد أثبت تناقضه مع الواقع وعقمه الاستراتيجي؛ فكل غارة تسقط على سوق شعبي تتحول إلى بيئة طاردة للقبول بأي تسويات مهينة، وتتحول الدماء المسفوكة إلى طاقة مجتمعية دافعة نحو التعبئة العامة والتلاحم القبلي والشعبي. وهذا التنامي في الوعي الجمعي اليمني هو ما يجعل الجبهة الداخلية أكثر قوة وصيانة من أي وقت مضى.
الوسيلة الناجعة لكبح العدو
كما أن تكرار هذه الضربات يعيد رسم معادلات الردع على نحو أكثر حدة وصرامة؛ فالصمود الميداني وتطوير القوات اليمنية لأوراق ضغط نوعية من صواريخ باليستية ومسيّرات ذات مدى واسع وقدرة على الوصول إلى عمق المنشآت الاقتصادية والمطارات المعادية يأتي دائماً كاستجابة استراتيجية متناسبة لفرض التوازن ومنع هذه الاستباحة السعودية لحياة المدنيين. ولغة القوة والتأثير المباشر على المصالح الحيوية في العمق السعودي هي وسيلة ناجعة لكبح جماح غاراته، وإجباره على إعادة الحسابات.
ومن هنا تحولت ممارسة العدو الإجرامية إلى دافع إضافي لتكثيف العمليات العسكرية اليمنية في عمق أراضيه، وفضح عدم كفاءة الأنظمة الدفاعية الغربية، لتتحول الصدمة التي أراد المعتدي السعودي فرضها على المجتمع اليمني إلى ضغط استراتيجي وسياسي واقتصادي يرتد عليه مباشرة.
وقد نجح العقل العسكري اليمني فعلياً في تطوير معادلة "التكلفة مقابل التأثير"، حيث تستطيع طائرة مسيرة شل حركة مطار استراتيجي أو تعطيل منشأة نفطية تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، وهو ما يعيد تعريف قوة الردع ويكسر التفوق الناري التقليدي لصالح استراتيجية التكيف الشامل والابتكار الميداني.
وأثبتت معطيات المواجهة وفعلية التأثير أن التفوق العسكري الحقيقي يتجاوز مجرد امتلاك التكنولوجيا المتقدمة وتكديس السلاح في المستودعات، ليكمن في القدرة على صياغة عقيدة قتالية متكاملة وتطوير خيارات استراتيجية مرنة قادرة على مواجهة المفاجآت التكتيكية والتأقلم مع الحصار والتحديات الميدانية القاسية.
في المقابل، أظهر الجانب السعودي اعتماداً كلياً ومزمناً على الدعم اللوجستي والاستخباري الخارجي، وعلى الصيانة والتحديث المستمر من الشركات الغربية المصنعة، ما يجعل قوته الجوية والعسكرية برمتها مرتهنة للإرادة السياسية الخارجية والمصالح الجيوسياسية للدول الموردة.
وهذا التباين الجوهري بين الاعتماد على الذات والتطوير الذاتي المستقل من جهة، والاعتماد المفرط على الخارج وشراء الخدمات الأمنية والعسكرية من جهة أخرى، يفسر الفارق في الصمود ويدلل على أن حسم الحروب المعقدة لا يتم عبر دفاتر الشيكات ولا عبر الترسانات المستوردة.
تعليقك