8 نوفمبر 2026 - 09:27
الدعاء ضرورة روحية ونفسية لأنه يعبر عن حاجة أصيلة في تكوين الإنسان

إن الدعاء ضرورة روحية ونفسية، لأنه يعبر عن حاجة أصيلة في تكوين الإنسان، فهو تعبير عن عبودية الإنسان وافتقاره إلى الله، واتصال قلبه بمصدر الوجود والقدرة والعلم والرحمة،

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ مهما امتلك الإنسان من قدرات وإمكانات، ومهما بلغ من العلم والقوة والقدرة على تدبير شؤون حياته، ومهما عظم سُلطانه وجاهه، يظل محتاجًا إلى الله، مفتقرًا إليه في وجوده ومصيره، وفيما يطلبه من خير وما يخشاه من شر، وهذا الافتقار ليس حالة عابرة، بل حقيقة تلازم الإنسان في جميع أحوال وجوده، ولا تنحصر في الدنيا، بل تشمل كل ما سوى الله، إذ لا قيام لشيء إلا به، ولا استقلال لمخلوق عنه، وإن غفل الإنسان عنها أحيانًا حين تتوافر له أسباب القوة والنجاح، ويغلب عليه الشعور بالاستغناء.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿سورة الأعراف: 56﴾.
 
تلك هي الحقيقة التي تضعنا أمامها الآية الكريمة، ويأتي الدعاء ليعبر عنها في أعمق صورة، وليعيد الإنسان إلى إدراك حقيقة موقعه من الله تعالى، فهو يدعوه لأنه محتاج إليه، ويلجأ إليه لأنه ضعيف لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياةً، ويرجوه لأن خزائن الرزق والخير والرحمة بيده، ويخافه لأنه مسؤول عن أعماله ومواقفه بين يديه.

إن الدعاء ضرورة روحية ونفسية، لأنه يعبر عن حاجة أصيلة في تكوين الإنسان، فهو تعبير عن عبودية الإنسان وافتقاره إلى الله، واتصال قلبه بمصدر الوجود والقدرة والعلم والرحمة، ومن خلاله يعبّر الإنسان عن حاجاته، ويستمد القوة على مواجهة ما يعجز عنه، فالإنسان مهما بلغت قوته يبقى ضعيفًا، ومهما امتلك يبقى فقيرًا، وله حاجات لا يستطيع تحقيقها بجهده وحده، ومخاوف لا يملك دفعها عنه بكل ما لديه من إمكانات.

إنه لا يملك روحه التي يحيا بها، ولا يملك صحته، ولا يملك رزقه، ولا يملك أن يطيل ساعة في عمره، ولا يملك أن يدفع ضرر مخلوق مجهري من خلق الله، والأسباب التي يستخدمها لا يملكها استقلالًا عن الله الذي أوجدها وأتاح له الانتفاع بها، وتدبيره مهما بلغ من الدقة يظل محدودًا أمام علم الله وقدرته وحكمته، لهذا يحتاج إلى الدعاء، فيتوجّه إلى الله طالبًا العون فيما يعجز عنه، والتوفيق فيما يسعى إليه، والبركة فيما يملك من أسباب.
 
ومن هنا فإن الدعاء يفتح للإنسان نوافذ على آفاق تتجاوز اللحظة التي يعيشها، فلا يبقى محاصَرًا بما يراه من عجز، ولا يستسلم لما يراه من انسداد لحظي، لأنه على اتصال بمالك الكون كله، وهذا الاتصال بالله يؤدي دورًا روحيًا ونفسيًا بالغ الأهمية، إذ يساعد الإنسان على تخفيف وطأة القلق، ويمنحه شعورًا بأنه ليس وحيدًا في مواجهة أعباء الحياة وأزماتها، ويغذي في نفسه الأمل والقدرة على مواصلة السعي والعمل.
 
ثم إن هذه الآية الكريمة التي تصدَّرت مقالة اليوم هي امتداد للآية التي سبقتها، وهي قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ﴿ سورة الأعراف: 55﴾ ثم تلتها الآية التي بين أيدينا وهي قوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ويمكن أن نلحظ في الآيتين بعدين متكاملين للدعاء: فالأولى تُبرز بعض آدابه وهيئة التوجه إلى الله، من التضرّع والخُفية، والثانية تُبرز الحالة الوجدانية التي ينبغي أن تصاحب الداعي، وهي الخوف والرجاء.
 
أما التضرُّع والخُفية فهما أدبان من آداب الداعي وهو يقف بين يدي الله يطلب حاجاته منه، فالتضرُّع هو إظهار التذلل والافتقار والخضوع بين يدي الله، بحيث لا يتوجّه الإنسان إلى الله بمنطق المستغني الذي يمنُّ على الله بطاعته، أو بمنطق المتعالي الذي يتعامل مع الدعاء وكأنه يطالب بحق مستحَقٍ له، بل يتوجَّه إليه بوصفه عبدًا يُدرك حقيقة فقره بين يدي الله، ويدرك أن كل ما يملكه من أسباب القوة والقدرة هو من عطائه تعالى. 
 
وأما الخُفية، فهي أن يكون الدعاء في الخفاء من دون جهر فيه، ولعله يكون في النفس، بحيث يكون الدعاء سرًا بين الداعي وربه، إذ الدعاء في جوهره علاقة روحية عميقة بين العبد وربه. 
 
وبعد أن بينت الآية السابقة أدب الدعاء بالتضرع والخُفية، تأتي الآية التالية لتبيّن الدافع الذي يدفع الإنسان إلى الدعاء، فإما أن يكون دافعه الخوف، وإما أن يكون الرجاء والطمع، وقد فسَّر المفسرون الخوف بأنه الخوف من العقاب، بحيث يدعو الله لينجيه من العقاب في الآخرة، أو الخوف من الرد، بحيث يدعو الله ألا يرده عن بابه الكريم، وألا يُعرِض بوجهه الكريم عنه، وفسروا الطمع بأنه الرجاء في الثواب، أو الرجاء في الإجابة والفضل الإلهي.
 
ومما لا شك فيه أن الخوف والرجاء يرسمان توازنًا دقيقًا في علاقة الإنسان بربه، ويحميانه من النزوع إلى واحد منهما، لأنه إن استبد به الخوف خلق في نفسه اليأس، وإذا غلب عليه الرجاء وحده فقد يفضي به إلى الغفلة والإعراض عن الله.
 
وأما ختم الآية الكريمة ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيلفتنا إلى أن الدعاء، وإن كان تعبيرًا عن حاجة الإنسان وافتقاره إلى الله، لا ينفصل عن الاحسان في العمل والسلوك، فرحمة الله أوسع من أن تنحصر في إجابة طلب معين أو تحقيق رغبة عاجلة، فقد تتجلّى في العطاء، وقد تكون في المنع أو التأخير، وقد تظهر في الهداية والتوفيق وصرف ما لا يدرك الإنسان عواقبه، ومن هنا فإن المؤمن يدعو الله خوفًا وطمعًا، ويرجو رحمته من غير أن يفرض عليه صورة معينة للإجابة، ويقرن دعاءه بالإحسان في أعماله ومواقفه، مدركًا أن قرب الرحمة ليس مجرّد وعد بالعطاء، بل هو أيضًا دعوة إلى أن يكون الإنسان من أهل الإحسان. 

الباحث اللبناني في الدراسات الاسلامية 
السيد بلال وهبي

تعليقك

You are replying to: .
captcha