وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ قال الله تعالى في القرآن الكريم: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿سورة آل عمران: 186﴾.
لا تخبرنا الآية الكريمة بما سنواجهه من مصاعب وحسب، ولا هي مجرد تحذير من أذى الأعداء، بل ترسم ملامح الطريق الذي ينبغي أن نسلكه كجماعة مؤمنة تحمل أمانة الله وتضطلع برسالته وتريد أن تجسدها في واقع الحياة.
لقد جاءت الآية في سياق الآيات التي تناولت ما واجهه المسلمون بعد معركة أُحد من خسائر واضطرابات، وكشفت لهم أن طريقهم لا يخلو من التضحيات، وأن الأعداء لا يكتفون بمواجهتهم ماديا، بل يستعملون الكلام والتشكيك والتشويه لإضعافهم، وأنهم سيسمعون أذى كثيرًا، ثم تحدد لهم الموقف الذي ينبغي أن يتخذوه أمام النوعين من الابتلاء، وهو الصبر والتقوى.
اللافت في الآية أنها تبدأ بحكم مؤكد قاطع: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. فالابتلاء ليس أمرا مستبعدا من حياة المؤمنين، بل هو من سنن الحياة التي قد يواجهونها في مراحل مختلفة من طريقهم. المؤمنون يبتلون في أموالهم وأنفسهم، وحين يقع الابتلاء في الأموال والأنفس، فإن الإنسان لا يُختبر في أمر هامشي، بل في أشياء تتصل بأمنه ومصلحته واستمرار حياته.
قد يكون الابتلاء بخسارة المال، أو ببذله في سبيل الله، أو بالتعرُّض للجراح والأخطار، أو بفقد الأحبة، أو بتحمُّل مسؤوليات شاقة.
وتختلف صور الابتلاء باختلاف الظروف، لكن الجامع بينها أنها تضع الإنسان أمام مفترق طرق: هل يواصل أداء مسؤوليته، أم يتراجع بسبب الكلفة التي يتكلفها؟
والجماعة المؤمنة، شأنها شأن سائر الجماعات، لا تخلو مسيرتها من التحديات، وقد تسهم التجارب الصعبة في تربيتها وإعدادها لتحمل المسؤولية، فالتجارب الصعبة تكشف للجماعة ما لم تكن تعرفه عن نفسها، وتضع أفرادها أمام مسؤوليات لا تظهر حقيقتهم إلا عند تحملها. لذلك لا تكون الشدائد والمصاعب آلاما وحسب، بل قد تصبح، إذا أحسن الإنسان فهمها والتعامل معها، مصدرا للمعرفة بالنفس، والتصحيح، والنضج، واكتساب القدرة على مواجهة ما هو أكبر. ناهيك عن أن المؤمنين هم، كسائر البشر، يعيشون في عالم تتفاعل فيه الأسباب، وتتنازع فيه المصالح، وتوجد فيه مقاومة ومخاطر وتكاليف، وإيمانهم لا يجعلهم فوق السُّنَن الربانية.
وكلما علت أهداف الجماعة وبعدت غاياتها، ازدادت التحديات التي قد تواجهها، فحين تكون غايتها الدفاع عن المستضعفين، وتحرير الأوطان، فمن الطبيعي أن تواجه أعداءً ومصاعبَ جمَّة، وأن يحتشد الشياطين والطغاة لمحاربتها والتضييق عليها ومحاصرتها والإساءة إلى سمعتها وأذيتها بألسِنة حِداد.
والجماعة التي تريد أن تكون صاحبة رسالة حضارية، تحتاج إلى أن تتعلَّم كيف تعمل تحت الضغط، وكيف تراجع أخطاءها، وكيف تحافظ على وحدتها عندما تتعارض المصالح، وكيف توازن بين المبادئ والوسائل في ظروف معقدة. وهذه القدرات لا تُكتسب بالشعارات وحدها. وقد كشفت معركة أُحد، كما عرضت سورة آل عمران، أن الانتساب إلى الجماعة المؤمنة لا يلغي تفاوت أفرادها في الثبات، وأن الخطأ قد يكون له أثر في مصير الجميع، وأن المجتمع يحتاج إلى معرفة نقاط ضعفه حتى لا يكررها.
ثم إن الآية الكريمة ذكرت أن المؤمنين يُبتَلَون في أموالهم وفي أنفسهم، وأنهم يواجهون إضافة إلى ذلك حربا إعلامية ضارية، قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾. وجاء لفظ "أذًى" نكرةً موصوفًا بالكثرة، بما يصوّر تعدد صور الأذى وشدته، فقد يكون كلمةً تُطلق، أو تهمةً تُختلق، أو شبهةً تُروَّج، أو روايةً محرّفة تُقدَّم للناس حتى يشككوا في أصحاب الحق أو في غاياتهم.
والأذى الإعلامي والنفسي ليس أمرا هينا، فالكلمة التي تمسّ كرامة الإنسان أشد مضاضة من حد الحُسام، والتهمة قد تهزّ ثقة الناس به، والتضليل قد يربك الجماعة ويصرف انتباهها عن مسؤولياتها، والتشويه المتكرر قد يدفع أفرادها إلى الانشغال بالدفاع عن صورتهم بدل مواصلة عملهم.
وبعد أن أخبرت الآية بحتمية الابتلاء في الأموال والأنفس، وبحتمية التعرض للأذى الكثير، كشفت لنا عما نواجه به ذلك، وهما الصبر، والتقوى. فبالصبر يثبت الإنسان أمام الخسارة والأذى، فلا ينهار، ولا ينسحب، ولا يستسلم، وبالتقوى يحفظ نفسه من الانحراف.
بقلم "السيد بلال وهبي"
باحث لبناني في الدراسات الاسلامية
تعليقك