17 أكتوبر 2026 - 11:00
مصدر: خاص أبنا
شيعة الشام... مسلمون منسيون / ضرورة الدعم الاستراتيجي للشيعة في سوريا

ينبغي ألا يشعر أي مجتمع أو تجمّع شيعي في العالم، ولا سيما مجتمعات أقلية، بأنها متروكة لمصيرها؛ في وقت يتطلع فيه ملايين المحبين لأهل البيت (عليهم السلام) ومناصريهم في العالم إلى تقديم العون لها.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ تُعدّ منطقة السيدة زينب (عليها السلام) ومرقد ابنة أمير المؤمنين (عليه السلام) المشرق بالنور، أبرز منارات الهداية وأهم ركائز الإشعاع الروحي في ظلمات بلاد الشام. وبعد مرور أكثر من عام على تولّي حكومة الجولاني الارهابي السلطة في الشام، بدعم من الأجهزة الاستخبارية التركية والإقليمية والدولية، أصبحت سوريا اليوم تحت سيطرة قوى كانت معاداة الشيعة من أبرز سماتها.

لقد أتاح تركيز الشيعة على جبهتي غزة ولبنان، عقب عملية «طوفان الأقصى»، دعماً للمقاومة الفلسطينية، الفرصةَ للقوى التكفيرية التي تجمّعت في إدلب السورية للسيطرة على سوريا، بدعم كامل من حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وعلى الرغم من أن عدم التعرّض للمقدسات والمزارات كان من بين التعهدات التي قطعتها تركيا والقوى التابعة لها خلال المفاوضات الأخيرة بين تركيا وإيران وروسيا، قبل تسليم سوريا إلى الحكام التكفيريين، فإن تولّي حكومة الجولاني السلطة أفضى، على أي حال، إلى فرض قيود واسعة النطاق في منطقة السيدة زينب (عليها السلام)، وعلى الشيعة في مختلف أنحاء سوريا.

لقد باتت قائمة القيود والضغوط والممارسات العنيفة ضد الشيعة في سوريا الخاضعة لسلطة الجولاني طويلة ومتشعبة، بما يستدعي إيلاءها اهتماماً عاجلاً.

يعود الوجود الشيعي في بلاد الشام وسوريا الحالية، ولا سيما في منطقة دمشق، إلى القرن الأول الهجري، وقد ظلّ الشيعة على الدوام جزءاً من هذه الأرض. 

ويمكن اعتبار دخول قافلة سبايا أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى دمشق نقطة البداية لاستقرار الشيعة في بلاد الشام، لا سيما أن أفراداً من أسرة الرسالة دُفنوا في تلك الديار خلال تلك المرحلة، وأُقيمت فيها أولى المشاهد والمزارات الإسلامية المقدسة.

ولا ينبغي أن ننسى أن الأسرة الأموية لم تكن هي الأخرى من سكان الشام الأصليين، بل بسطت نفوذها على المنطقة في عهد الخليفة الثالث، من خلال تولية معاوية بن أبي سفيان عليها. غير أن معاوية، رغم عزله عن ولاية الشام في عهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، رفض التخلي عن السلطة.

لقد شكّل النهج الزينبي، وما جسّدته السيدة زينب (عليها السلام) من فاعلية وموقف رسالي في قلب معسكر العدو، بما أتاح فرص البقاء والاستمرار في واحدة من أحلك مراحل التاريخ الإسلامي، مصدر إلهام لأجيال متعاقبة. 

وقد أنجبت بلاد الشام علماء أصبحوا من أعلام المعرفة والثقافة، وأسهموا في حفظ التشيع واستمراره، وشكّلوا حلقات وصل متعاقبة في مسيرته العلمية والحضارية في تلك الأرض.

ولم يقتصر انتشار التشيع انطلاقاً من جوار مرقد عقيلة بني هاشم (عليها السلام) على دمشق، بل امتدّ إلى حلب، إحدى أكبر مدن الشام والحضارة الإسلامية، كما تحوّلت مناطق أخرى عديدة إلى مراكز لاستقرار الشيعة، الذين حافظوا على وجودهم واستمراريتهم رغم الضغوط التي مارستها السلطات المتعاقبة عبر العصور.

وعلى خلاف ما صرّح به أحمد الشرع، الرئيس السوري الذي أعلن نفسه رئيساً للبلاد، خلال أحد اللقاءات في الأسابيع الأولى من تولّيه السلطة، حين وصف سلوك الشيعة الرامي إلى الثأر لدماء ضحايا واقعة كربلاء من أرض سوريا الحالية بأنه أمر غير عقلاني ولا معنى له في عالم اليوم، فإن قوات الجولاني أظهرت، من خلال الاعتقالات الواسعة في صفوف الشيعة ومحاولات تغيير التركيبة السكانية لمنطقة السيدة زينب في دمشق، حماساً لإحياء أمجاد الأمويين التي لا يمكن استعادتها، يفوق ما أظهره غيرها.

وقد غاب عن هؤلاء أن المدافعين عن المراقد المقدسة لم يتوجهوا إلى الشام إلا بعد بدء اعتداءات الجنود التكفيريين وتهديدهم بهدم المراقد، وأن المنطقة، حتى ذلك الحين، عرفت لسنوات طويلة تعايشاً سلمياً بين الشيعة والسنة، من دون تسجيل مواجهات مسلحة بين أتباع المذاهب فيها.

لقد كانت مراقد أهل البيت (عليهم السلام) ومزاراتهم في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، ولا تزال، عواملَ للازدهار والأمن والهداية. واليوم، ورغم الجهود الكبيرة المبذولة لإحياء الجامع الأموي الكبير في دمشق بوصفه رمزاً لمجد الأمويين وسلطتهم وادعاءاتهم التاريخية بالسيادة على الشام، فإن هذه المراقد والمقامات المنسوبة إلى أهل البيت (عليهم السلام) هي التي لا تزال قادرة على إعادة الازدهار إلى سوريا.

فلا يكاد يكون لدى عموم المسلمين في العالم الإسلامي تطلّع خاص إلى زيارة الجامع الأموي أو الصلاة فيه، إلا من باب الاهتمام السياحي بالآثار التاريخية للحضارة الإسلامية. 

ويأتي ذلك في حين وُضعت أحاديث عديدة ونُسبت زوراً إلى النبي (صلى الله عليه وآله) في فضائل الشام على يد أجهزة الخلافة الأموية، سعياً إلى إضفاء القداسة على عاصمتهم. غير أن هذه الأحاديث لم تكن سوى عامل دفعٍ للتكفيريين إلى المشاركة في الحرب السورية، ولم تُكسب الشام جاذبية إضافية في المنظومة الاعتقادية للمسلمين من أهل السنة.

ومن اللافت أن أحاديث مشابهة وُضعت أيضاً في فضائل مصر خلال فترة حكم عمرو بن العاص، والي معاوية في مصر بعد استشهاد مالك الأشتر، بهدف ترسيخ الهيمنة الأموية.

لكن المساجد والمراقد المنسوبة إلى أهل البيت (عليهم السلام) هي التي بقيت قائمة في مصر أيضاً، وأصبحت اليوم مزارات وملاجئ روحية يرتادها أهل السنة المصريون، في حين لا تكاد توجد آثار تُذكر لحكم عمرو بن العاص.

ومن اللافت كذلك أن المساجد والمراقد والأضرحة المباركة في مصر تمثّل، في معظمها، امتداداً لحضور أهل البيت (عليهم السلام) في بلاد الشام، ومن أمثلتها مسجد السيدة زينب (عليها السلام) وضريحها، ومقام رأس الإمام الحسين (عليه السلام) في القاهرة.

لقد أدّى فقدان سوريا وخروج جبهة المقاومة من هذا البلد إلى إيجاد ظروف صعبة واستثنائية، قلّما شهد الشيعة في بلاد الشام مثيلاً لها في العصر الحديث. 

وإلى جانب معاناة الشيعة في سوريا من التهميش مجدداً، يواجه شيعة لبنان بدورهم مشكلات خاصة نتيجة إغلاق خطوط الإمداد التابعة لجبهة المقاومة عبر الأراضي السورية. 

وفي الوقت نفسه، أدّت هجرة أعداد كبيرة من الشيعة السوريين إلى لبنان، عقب تولّي الجولاني السلطة، إلى فرض ظروف معيشية قاسية عليهم.

لكن كل ذلك لا يعني أن جميع السبل المتاحة لدعم الشيعة في بلاد الشام قد أُغلقت. فكما أن مرقد سيدة الصبر والمقاومة ظلّ على مدى قرون مصدراً للأمل والحياة في تلك الديار، فإن هذا المرقد نفسه يشكّل اليوم بوابة واسعة لدعم أتباع أهل البيت (عليهم السلام) المقيمين في سوريا ولبنان.

وتُعدّ الزيارة الدينية مساراً قادراً على فتح نوافذ متعددة نحو بلاد الشام. ففي الوقت الراهن، تستمر رحلات الزيارة من العراق إلى سوريا في إطار الحفاظ على العلاقات السياسية بين البلدين. وكما كان الشيعة العراقيون يواصلون التوجه إلى منطقة السيدة زينب (عليها السلام) للزيارة بصورة منتظمة خلال عهد بشار الأسد، رغم انعدام الأمن الناجم عن الجماعات التكفيرية في الحرب السورية وتوقّف رحلات الزائرين الإيرانيين، فقد كانت الرحلات الجوية المخصصة للزيارة من النجف وبغداد إلى دمشق مستمرة آنذاك.

وفي الوقت نفسه، كان الشيعة اللبنانيون يتوجهون براً إلى زيارة مرقد السيدة زينب (عليها السلام)، نظراً إلى قِصر المسافة التي تفصل لبنان عن دمشق. واليوم، تربط العلاقات السياسية بين حكومتي العراق ولبنان وحكومة الجولاني في سوريا، ويمكن توظيف هذه العلاقات لتعزيز حركة الزيارات الدينية. وقد توجّه رئيس جهاز المخابرات العراقي، الذي زار دمشق للقاء الجولاني، برفقة أعضاء الوفد العراقي من الشيعة والسنة، إلى زيارة مرقد السيدة زينب (عليها السلام)، في خطوة تهدف إلى إبقاء هذا المسار مفتوحاً.

ولا ينبغي أن ننسى أنه لا يمكن دائماً الاعتماد على الأدوات والإمكانات المتاحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وحدها، عند النظر إلى العالم الشيعي والعالم الإسلامي بمقياسهما الواسع. فإيران تمثّل مركزاً ومحوراً للتشيع في العالم، لكن إمكانات الشيعة وقدراتهم تتجاوز بكثير حدود إيران، ما يستوجب توظيف مختلف الطاقات والإمكانات في مواقعها المناسبة، وفقاً للظروف الزمانية والمكانية، وبوعي وحكمة ورؤية استراتيجية.

ومن هذا المنطلق، تكتسب بلورة سياسة واضحة تجاه الشيعة في بلاد الشام، وتحديداً في سوريا، أهمية بالغة. ويمكن وضع سياسة للتعامل مع قضية الشيعة في سوريا ضمن عدة مستويات؛ أولها مسؤوليات الجمهورية الإسلامية وإمكاناتها في المجالين السياسي والدبلوماسي، وثانيها قدرات المؤسسات الشيعية في إيران والعراق وداخل سوريا. وتستدعي جميع هذه الجوانب الدراسة والاهتمام، علماً بأن كل جهة منها تقدّم بالفعل خدمات ومساعدات، وتتابع بعض الملفات. ويُعدّ دعم مكتب المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني للعائلات الشيعية اللاجئة من سوريا إلى لبنان مثالاً على هذه الجهود.

لكن إلى جانب ضرورة توسيع نطاق المساعدات الإغاثية والخيرية وتوحيدها، نظراً إلى أهميتها الحيوية، تتمثّل القضية الأساسية في العمل على الاعتراف الرسمي بمكانة الشيعة وحقوقهم في سوريا.

فثمة شعور سائد اليوم بأن الشيعة السوريين تُركوا لمصيرهم بعد سقوط حكومة بشار الأسد وخروج جبهة المقاومة، وأنه لا توجد أي جهة في إيران أو في العالم الشيعي تتولى مسؤولية متابعة شؤونهم. مع أن بالإمكان إجراء تنسيقات واسعة في هذا المجال. ويمكن لكل من المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام) والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية أن يؤدّي دوراً فاعلاً في هذا الصدد.

وكما سبقت الإشارة، فقد جرى التأكيد شفهياً، ضمن التفاهمات الأولية بين دول المنطقة، على احترام المراقد المقدسة والمزارات الدينية. ويمكن اتخاذ هذا التفاهم نقطة انطلاق نحو تحقيق انفراجات أوسع. وفي هذه المرحلة، ينبغي الاستفادة من العلاقات الجيدة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتركيا لاتخاذ خطوات عملية داخل سوريا.

وخلاصة القول، ينبغي ألا يشعر أي مجتمع أو تجمّع شيعي في العالم، ولا سيما المجتمعات التي تعيش في ظلّ الأقلية، بأنه متروك لمصيره؛ في وقت يتطلع فيه ملايين المحبين لأهل البيت (عليهم السلام) ومناصريهم في العالم إلى تقديم العون لهم.

إن توفير دعم قوي ومنظّم لشيعة المنطقة، في بلدان مثل سوريا وأفغانستان وأذربيجان، يؤثر بصورة مباشرة في حسابات الحكومات أيضاً، ويسهم في الاعتراف بمكانتهم وحقوقهم، أو يحدّ، في الحد الأدنى، من إساءة معاملتهم والاعتداء عليهم أو انتهاك حقوقهم وإقصائهم في مختلف البلدان.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha