وفقا لما أفادته وکالة أهل البیت (ع) للأنباء ـ ابناـ جاء في فتوى البراك التي حملت عنوان "حكم آراء المدعو خالص جلبي" أن هذا الأخير "لم تستقدمه الدولة ليكون داعية لهذا الفكر المنحرف، بل للاستفادة من تخصصه في الطب، ولعل من تعاقد معه ابتداء لا يعرف حقيقة حاله، وكذلك وزراء الصحة الذين عاصرهم، من لم يعلم بحقيقة أمره فله عذره، ومن كان عالمًا فإنه يحمل وزر بقائه، والله من وراء الكل محيط".
وطالب من خلال فتواه وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبدالعزيز باتخاذ إجراء ضده بكف يده عن العمل واجتثاثه من السعودية، بوصفه "شجرة خبيثة" على حد وصفه، وحمل وزير الصحة أيضًا مسؤولية بقائه بعد التحقق من أقواله، مضيفا: "بهذه المناسبة نرفع لسمو النائب الثاني وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز وفقه الله طامعين في أن يجتث هذه الشجرة الخبيثة بعد التحقق من الحقيقة، ثم نهيب بمعالي وزير الصحة أن يتحمل مسؤوليته، ونذكره أنه مسؤول أمام الله عن إبقاء من يتجاوز حدود الله، ويتجاوز حدود عمله، كهذا الطبيب وأمثاله، فإن مثله لا يؤتمن على علاج المؤمنين".
وحث البراك في فتواه، التي نشرها أخيرا موقعه على الانترنت، المسئولين في المملكة العربية السعودية على طرد الجلبي لكونه طبيب "لا يؤتمن على علاج المؤمنين"، بالإضافة إلى وصفه بالناقص عقلا والمنحرف فكرا، مشبهاً له "بالنصارى المبشرين الذين امتهنوا الطب ذريعة للتنصير في افريقيا والعالم".
وكان البراك المعروف بفتواه القوية والمثيرة كان يجيب على سؤال طرحته شبكة نور الإسلام وهي موقع إلكتروني يشرف عليه الناشط الديني محمد الهبدان المعروف بمواقفه المناهضة للكثير من التوجهات الحديثة في السعودية وخصوصًا في ما يتعلق بالمرأة.
واستعرض السؤال في العديد من المقتطفات من بعض مقالات، وكتب الكاتب السوري خالص جلبي الذي يكتب لصحف سعودية متعددة وأهمها جريدة الوطن المعروفة بتوجهها التقدمي, إضافة إلى صحف عربية أخرى.
وجاء السؤال بالصيغة التالية:
هناك طبيب سوري مقيم في المملكة العربية السعودية في بريدة يدعى خالص جلبي، وله آراء تناقض العقل والشرع، ويعمل على نشرها في بعض مؤلفاته وكتاباته في صحف المملكة وغيرها، بل اشتهر أن له تلاميذ من المثقفين، وأنه أنشأ بهم مدرسة لترويج أفكاره، وإليكم شيئًا من كلماته: ـ يقول في كتابه (سيكولوجية العنف، ص143) : "كانت الحروب قديمًا تؤدي دورًا من الغنائم والأسلاب والرقيق، واليوم فات وقتها ، فكما تم إلغاء الرق فالعالم في طريقه لإلغاء مؤسسة الحرب". ـ ويقول تحت عنوان (الدولة العالمية كمقصد أعلى للبشر): "إن وجود دولة عالمية تحتكر العنف من الدول سيحقق الأمن عالمياً، فندخل العصر الذي تتوقف فيه الحروب" (المرجع السابق ص158) .
ـ ويقول: "الأمل أن تتحقق الدولة العالمية الواحدة في مدى القرنين القادمين، أو ربما أسرع… عندها تنتهي لعبة الحروب نهائياً، ويلغى عصر الجوع" (المرجع السابق ص158) . ـ يقول الدكتور: "غدت الحرب موضة قديمة يمارسها المتخلفون، وكل بؤر النـزاع والحروب في العالم اليوم هي في معظمها مناطق المتخلفين" (المرجع السابق، ص 164). ـ ويقول: "إن الجنس البشري بلغ من النضج ما يجعله يحقق الحلم النبوي القديم في إلغاء مؤسسة العنف جملة وتفصيلاً، وكل ما قرب إليها من قول وعمل، والمؤسسات الدولية اليوم هي بداية لأفكار عظيمة نادى بها الأنبياء" (المرجع السابق، ص 151). ـ ويقول: "الجهاد ليس لنشر الإسلام، بل لحماية الرأي الآخر، ولتطبيق مبدأ (لا إكراه في الدين)، أي دين أو مذهب أو عقيدة، تركًا أو اعتناقًا، فالجهاد هو لحماية التعددية داخل المجتمع الإسلامي" (المرجع السابق ص12-13). ـ ويقول عن نوح عليه السلام: "نوح عليه السلام فشل في تغيير المجتمع" (في النقد الذاتي ص 71).
وبالعودة للبراك الذي عقب في فتواه على ما قاله جلبي عن نهاية الحروب والجوع في العالم بتحقيق الدولة العالمية "لعل القرنين عنده هي مدة الحمل لتلك النطف (المؤسسات الدولية)، أما مدة البلوغ فلعلها عنده تحتاج إلى خمسة عشر قرنًا، وعليه فلم يكن الآن نضج ولا تقدم".
وأضاف البراك " هذا جهل بالله وبسننه الكونية في ابتلاء العباد بعضهم ببعض، وابتلائهم بالشدة والرخاء، والقبض والبسط، وتفرده سبحانه بالرَّزق وقسم المعايش، (( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر )) نحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً )) ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ )) وسبب هذا الجهلِ وقوفه مع الأسباب وإعراضه عمن خلقها، وهو المتصرف فيها".
وذكر البراك في نهاية فتواه بأنه قرأ كتابًا بعنوان (ضلالات طبيب القصيم: خالص جلبي) وهو كتاب جمعه رجل الدين عبد الرحمن الشثري واستنتج منه البراك بحسب ماقال ستة أمور على جلبي وهي الاستخفاف بـ"برب العالمين" والأنبياء وإنكار حد الردة أو طعنه فيه وتفضيل العقل على النقل واستعباد أمريكا لعقله وبكاؤه على من قتل من الزنادقة.
رد فعل الجلبي
وتأسف الدكتور خالص جلبي على ما جاء في أقوال الشيخ البراك من تهم وأوصاف في حقه، مبرزا أن الشيخ البراك استعجل فوقع في الخطأ، و ما قاله كان تسرعا وهفوة لا يليقان به.
وزاد جلبي في حديث له تم نشره عبر المواقع الالكترونية: كان على الشيخ البراك التريث والتمحيص وتقليب وجهات النظر، والاطلاع على أفكاري التي كرستها للنهضة بالأمة منذ نصف قرن؛ فليس مثل الحكمة دليلا، وليس مثل التسرع ندامة.
وقال جلبي إن تسرع الشيخ ليس في مصلحته ولا في مصلحة أحد، وإن الحكم على الناس يبقى لله رب العباد وحده، فليست مفاتيح الجنان وأبواب النيران بيد أحد؛ فيرسل إليها من شاء ويدخل إليها من أحب" على حد تعبير جلبي.
واستشهد المتحدث بقول الله تعالى في سورة الإسراء: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا﴾.
واستدرك جلبي بالقول: أعرف حرص الشيخ البراك على الإسلام من الأذى، وأنا رجل أفنيت عمري في سبيل هذا الهدف، فنحن وأخي البراك نعمل كل بما أوتي من طاقة وفهم.
وحول اتهام الشيخ البراك له بشتى النعوت والتهم من قبيل الزندقة والكفر والاستهزاء بالله وبالأنبياء والطعن في بعض أحكام الإسلام القطعية، أجاب جلبي بأن التكفير والزندقة ـ وكل هذه التعبيرات غير الصحية ـ ليست من روح الإسلام.
وشدد جلبي على أنه مقابل إطلاق الاتهامات بالكفر والزندقة، وجب التأسي بنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بالحوار وتبادل الآراء والاختلاف مع الاحترام.
واستدل المفكر والجراح السوري بشيخ الإسلام ابن تيمية الذي قال إن أهل العلم يخطئ بعضهم بعضا، وإن أهل البدع يكفر بعضهم بعضا، مضيفا أن أهل السياسة أيضا يخون بعضهم بعضا؛ فلنقتدي بالشافعي الذي كان يردد "أنا على حق ويحتمل الخطأ، وأنت على خطأ ويحتمل أن تكون على صواب".
سأقبل رأس الشيخ
ورغم اتهامات الشيخ عبد الرحمان البراك ومطالبته السلطات السعودية بشكل واضح ورسمي بطرد جلبي من أراضي المملكة، فإن جلبي كان حريصا على أن يُظهر مشاعر الاحترام والتقدير للعالم السعودي.
قال جلبي: لو رأيت الشيخ البراك لقبلته على رأسه لعمق شعوري أن ما قاله هو من باب الحرص على الإسلام، فهو لنيته يزكي ولرأيه يخالف، وهذا ليس تملقا للشيخ، بل حرصا عليه من الزلل.
وأردف جلبي: للشيخ البراك كل التحية والحب، فهو أخ فاضل، للحق راغب، ولكن هذا لا يعني أنه وصل الحقيقة وأمسك باليقين..وكما روي عن أرسطو في حديثه لأفلاطون: إنك عزيز علي ولكن الحقيقة أعز منك..
واستطرد جلبي بأنه خلال مسيرة التاريخ الإسلامي كله، ثبت أن الحماس لشيء لا يعني صحته، ولم يكن هناك من متحمسين لنصرة الإسلام مثل الخوارج، ولكنهم جانبوا الصواب، واتفقت الأمة جميعها على اعتبارهم جانبوا الحكمة والصواب.
وشدد جلبي على أن المملكة العربية السعودية عانت الكثير من الإرهاب والقتل، وليس من الحكمة التشدد والتوتر والتطرف ودفع الأمور للحواف الحدية، مشيرا إلى أنها نصيحة لمن أراد الأخذ بها، والله تعالى يقول: "ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير".
البراك .. المثير للجدل
ورغم ابتعاده عن وسائل الاعلام الرسمية، وغير الرسمية، إلا ان البراك دائما ما يسجل حضوره دهشة للمتابعبين بفتاواه الشهيرة، منها تكفيره المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، واعتباره زنديقاً فاجرا، ومن ثم تكفيره لعدد من الكتاب السعوديين قبل عدة اعوام، ومؤخراً اطلق فتواه التي اثارت جدلاً واسعا في الوطن العربي بأكمله، حينما افتى بقتل من يجيز الاختلاط في ميادين العمل والتعليم في السعودية.
والدكتور خالص جلبي طبيب وجراح سوري المولد، كندي الجنسية، مفكر إسلامي معاصر، من مواليد 1945م في القامشلي (سورية). يتكلم اللغتين الألمانية والإنكليزية بالإضافة إلى العربية، له الكثير من المؤلفات، وقد كتب للعديد من الصحف السعودية.
واشتهر البراك وهو عضو هيئة التدريس في جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية بفتاويه المتشددة خصوصًا مع الكتاب والصحافيين في السعودية، وكان أشهر فتاويه في الفترة الأخيرة حينما كفر مستحلي الاختلاط إثر الجدل الذي يدور في السعودية حول هذا الموضوع وشارك فيه الكثيرون، واضطرت السلطات السعودية إلى إقفال موقعه إثر تلك الفتوى ولكن مريديه أنشؤوا له موقعًا رديفًا.
انتهی/137