وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ في المقالة السابقة عرضنا للشطر الأول من الآية الكريمة، وذكرنا أن المحنة تكشف مكنون الإنسان، وتُظهر له ولغيره معدنه الحقيقي، وتوقفنا عند الصنفين من الناس الذين ذكرت تعاملهم مع النكسة أو الهزيمة.
صنف لا تؤثر النكسة في إيمانه، ولا تفقده يقينه، ولا تزيل من نفسه الطمأنينة والثبات، وصنف آخر تتحول النكسة عنده إلى شكٍّ في الله تعالى وفي المشروع الذي ينتمي إليه، وفي القيادة التي تقود مشروعه، وفي الخيارات التي تختارها، وفي جدوى الاستمرار باتجاه الغاية ذاتها.
قال الله وسبحانه وتعالى: *ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿سورة آل عمران: 154﴾.*
هذا الصنف همه الأول والأخير نفسه، منافعه، ومصالحه، يناصر الحق ما دام الحق يعطيه، وينخرط في جماعة أهل الحق ما دامت منتصرة، فإذا انهزم الحق غير موقفه منه، وشكَّك في عقيدته وخياراته التي كان يتبناها هو، واعتبر أن الهزيمة دليل على أنه والجماعة التي كان ينتمي إليها على باطل، لأنه يربط الحق بالنتيجة، إذا انتصرت الجماعة فهي على حق، وإذا هُزمت فهي على باطل. ولو صح هذا المنطق لكان كل منتصر محقا، وكل مهزوم مبطلا.
والواقع يكذب ذلك فالأنبياء والرسل والأولياء والصالحون على طول التاريخ أوذوا، وأصيبوا بنكسات، بل قُتِل بعضهم، ولكنهم كانوا على الحق وكان الحق معهم. إذن الهزيمة ليست دليلًا على أن المنهزم في جولة على باطل، كما أن الانتصار الآني الظرفي ليس دليلًا على أن المنتصر على الحق.
إن منطق هذا الصنف كان منطقه وما يزال: *(هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ)*. أي إننا لا نتحمَّل مسؤولية النتائج التي تمخضت عنها المواجهة، القرار لم يكن في أيدينا، ولم نكن شركاء فيه، لو كان الأمر بأيدينا لربما لم يقع ما وقع، فالقرار اتخذته القيادة، سواء تمثَّلت في الرسول الاعظم (ص) يوم قال المنافقون ذلك، أو تمثَّلت في ولي صالح في زماننا، هكذا يقول بعض أهل زماننا وهكذا قال الأولون.
وهم بذلك يفسرون النكسة التي حدثت وتحدث من خلال تحميل القيادة وحدها مسؤولية النتيجة، ويتجاهلون الأسباب الأخرى سواء تلك التي يصنعها بعض هؤلاء، أو تلك الخارجة عن أيديهم.
وقد سبق الكلام منا عند تفسير الآية (152) أنها تحمِّل مسؤولية النكسة للفشل والتنازع والعصيان لأوامر الرسول (ص). ولذلك يجب علينا قبل أن نسارع إلى تحميل المسؤولية للقيادة، أو للآخرين، أن نسأل أنفسنا ماذا فعلنا نحن، وأين قصَّرنا؟
ثم إن الله تعالى يجيب أولئك الذين يقولون: *(هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ)* بقوله: *(قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)* أي إن الله هو مالك الأمر في النهاية، فالمؤمنون يقررون، ويخططون، ويأخذون بالأسباب، ويتحمّلون مسؤولية خياراتهم ونتائجها التي تقع ضمن قدرتهم على التأثير، ولكنهم لا يملكون السيطرة المطلقة عليها، فالنتيجة ليست بأيديهم، بل بيد الله، وهذا لا يعني أنهم غير مسؤولين، وأنهم مسلوبو الإرادة والاختيار. ولا يعني أنه ليس لسعيهم أثر، ولا يعني أيضا أن الله يشاء لهم الانتكاسة إذا كانوا قد قاموا بما يجب على الوجه الذي يجب، وبالقدر الذي يجب.
ويتكرر منطق لو، فتارة يقولون: "لو كان القرار بأيدينا لما حدث ما حدث، أو لما اخترنا المواجهة ولتجنبنا كل هذه الخسائر". وأخرى يقولون: "لو كانت إدارة المواجهة بأيدينا ما قُتِلنا هاهنا" فهم أيضا يلقون باللائمة على القيادة، إما لأنها اتخذت قرار الحرب، وإما لأنها لا تجيد إدارة المعركة، وأنها أدَّت إلى ما أدَّت إليه من خسائر كبيرة في الأرواح، وأن هذه الأرواح يتحمَّل مسؤوليتها الذي أخرجها أو اتخذ قرار المواجهة مع العدو. وفي كلتا الحالتين يريدون أن يبرروا نكولهم وفرارهم.
لكن الله سبحانه يردُّ على هذا التصور الساذج بل الغبي، يقول: *﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾*. فإن لكل إنسان أجلا، وهو لا يدري متى يحين أجله، وحين يحين أجله سيموت سواء خرج إلى الحرب، أم بقي قاعدا في بيته، أم اختبأ في مكان يظنّه آمنا.
ثم تختم الآية الكريمة ببيان الحكمة فيما يحدث من انتصار وهزيمة، فتقول: إن للانتصار أسبابه وللهزيمة أسبابها وفي كليهما يظهر مكنون الناس، ويُختَبَرُ ما في صدورهم، فالهزيمة تكشف الإيمان الحقيقي والغلبة تكشفه كذلك، الهزيمة تختبر صبر المؤمنين ويقينهم وثباتهم وقدرتهم على اكتشاف الثغرات وإصلاحها، والانتصار يكشف شكر المؤمنين وحمدهم لله وتواضعهم بين يديه ومع الناس.
خلاصة القول: النكسة تصبح نكسة إذا نحن اعتبرناها نهاية الطريق، لكننا إذا تعلمنا منها تصبح فرصة للانطلاق من جديد بوعي وخبرة وقدرة.
السيد بلال وهبي
کاتب وباحث لبنانی فی الدراسات الاسلامیه
..................
انتهى / 232
تعليقك