9 أكتوبر 2026 - 10:05
أزمة الثقة والولاء.. السبب الرئيسي في عدم اعتماد السعودية على جيشها

آل سعود لا يثقون بشكل كامل بتلك القبائل، ويبدو أنها تستحضر هذه المعادلة ضمن تاريخ تلك القبائل، مثل عتيبة، عنزة، قحطان، بني خالد، والعجمان، والتي شهدت علاقاتها مع آل سعود أشكالًا متباينة من الصراع والاقتتال.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ منذ أكثر من اثني عشر عاما تشن السعودية عدوانها المتوحش على اليمن، خدمة للمشروع الأمريكي الصهيوني،  مقدمة نفسها كقوة كبرى تخوض معركة الآخرين، مرة باسم "إعادة الشرعية" المزعومة إلى اليمن، ومرة باسم حماية الملاحة الدولية، وأحيانا لحماية أمنها القومي. غير أن المفارقة التي تستحق التوقف عندها تكمن في أن هذا النظام، والذي يملك  أحد أكثر الجيوش تسليحا في المنطقة، وينفق  عليه عشرات المليارات على أحدث الطائرات والدبابات والمنظومات الدفاعية، لا يبدو واثقا كل الثقة التي تجعله يعتمد كل الاعتماد على هذا الجيش بمفرده لتنفيذ تلك المهام الكبرى التي حملها على كاهله، حيث بادر هذا النظام المجرم إلى الاستعانة بمرتزقة سودانيين، وعناصر مرتزقة من اليمن وغيرها. ومؤخرا يبحث عن جيوش دول نظامية  بحثا عن الحماية.

أبعاد الثقة بين السلطة المركزية والتركيبة القبلية
في هذا السياق، تبرز مسألة الثقة المتبادلة بين سلطة العرش السعودي السياسية وبعض المكونات القبلية والمناطقية في الجيش، حيث تتوجس السلطة من ولاءات بعض المكونات، وينظر المجتمع القبلي بدوره إلى السلطة عبر إرث تاريخي حافل بالصراعات، والبحث عن توزيع النفوذ، بشكل غير منفصل عن سياق نشأة مملكة آل سعود وتوسعها،  إذ مرت في مراحل تأسيسها بمحطات صراع متعددة مع القوى والقبائل في الجزيرة، حتى أرغمتها على الاندماج في دولتها الجديدة. وبناء على أن الذاكرة التاريخية والاجتماعية لا تتلاشى مع مرور الوقت، فإن آل سعود لا يثقون بشكل كامل بتلك القبائل، ويبدو أنها تستحضر هذه المعادلة ضمن تاريخ تلك القبائل، مثل عتيبة، عنزة، قحطان، بني خالد، والعجمان، والتي شهدت علاقاتها مع آل سعود أشكالًا متباينة من  الصراع والاقتتال. وبالنسبة لسلطة شديدة المركزية والعائلية، فإن مثل هذا الإرث التاريخي للمواجهة لا يمكن إغفاله  في تقييمات الثقة والولاء، لا سيما في مثل هذه المحطات المهمة والخطيرة.

تزداد هذه المسألة حساسية في المناطق الجنوبية اليمنية الأصل، حيث تتداخل التركيبات القبلية والاجتماعية عبر الحدود الجغرافية والثقافية مع اليمن، وهذا ربما يفسر لماذا تعتمد السعودية على التشكيلات الأجنبية في الحدود السعودية، حيث تنشر كتائب سودانية، وباكستانية، وكتائب المرتزقة اليمنيين، للأسف الشديد.

إشكالية العقيدة القتالية: عن أي قضية يقاتل الجندي؟
في ما سبق، تم الاشارة إلى أن الرياض تقدم هذه الحرب العدوانية ضمن سياق ما يمكن تسميته بحرب الآخرين، فهي تقاتل نيابة عن العالم كما يردد الإعلام والمسؤولون السعوديون، وهذا بحد ذاته يلقي على كاهل الجندي السعودي مسؤولية لا يرى نفسه ملزما بتنفيذها، بل قد يرى أنها مسؤولية لا يجب عليه القيام بها، ولا سيما بعدما تطاول الزمن وخسرت السعودية مليارات الدولارات في سبيل الاستمرار في حرب لم تحقق منها إلا المزيد من الفشل وسوء السمعة، سواء لجيشها أو لنظامها، فضلا عن شعبها الذي يرى أنه كان غنيا عن الدخول في هذه الحرب. ويزيد الطين بلة أن النظام لا يخفي تشاركه مع العدو الإسرائيلي والأمريكي أهداف هذه الحرب العدوانية.

وهذا يقدم تفسيرا منطقيا لاعتماد السعودية مبررات مختلقة لتجنيد الأجانب، سواء على شكل تحالفات دولية، أو على شكل شراء مرتزقة جماعات وأفرادا، على رأسها التذرع بحماية الكعبة، أو الحرمين الشريفين، وهو ادعاء كاذب، وبهتان خطير، لا يقبله اليمنيون.

غياب العقد السياسي بين المواطن والسلطة
بالإضافة إلى ما سبق، فإن الفرد الملتحق بالمؤسسة العسكرية ينتمي -بطبيعة الحال- إلى مجتمع لا تتوافر فيه بيئة تمثل رأيه السياسي والأمني والاجتماعي، حيث يصوغ آل سعود قراراتهم السياسية بشكل فردي، من خلال السياسات والتحالفات الخارجية التي لا علاقة للمواطن السعودي بها، لا من قريب ولا من بعيد، حيث لا مجالس نيابية أو مؤسسات تشريعية منتخبة تمارس الرقابة على قرار الحرب والسلم، الذي تحتكره أسرة آل سعود، وتجر البلد كلها فيه، دون ناقة ولا جمل لها فيه.

وعندما يتجرد المواطن من حق المشاركة في صياغة القرار السياسي، ثم يُستدعى بصفته جنديًا لتنفيذ تبعات ذلك القرار، يجد هذا الجندي نفسه في علاقة مع النظام لا تتجاوز حدود الراتب الشهري والعلاوات والتأمين، وهي حقوق لها علاقة بمفهوم العمل والعمال أكثر من علاقتها بمفهوم المواطنة والوطن، حيث يجد الجندي نفسه منتميا إلى شركة أمنية، ولا يكاد يشعر معها بأي انتماء وطني.

الخلاصة:
هنا يتجلى الفارق بين الدولة ككيان يعبر عن الشعب ويحتضن المواطن، وبين النظام الحاكم كبنية سياسية متسلطة، فالوطن مفهوم مستمر، بينما السلطة خيار سياسي، يتغير بتغير الظروف، لكنه في الأنظمة المستكبرة يختزل في قرارات السياسة الخارجية والتحالفات، وإدارة المؤسسات الأمنية في يد أسرة سلالية.

في نهاية المطاف تضع هذه السياسات النظام السعودي والمواطن في مسار تصادمي حتمي، وإن كان صامتا حتى اللحظة. فمن جهة، يجد المواطن نفسه مجرورا إلى حروب لا ناقة له فيها ولا جمل، تخاض لحساب أطراف خارجية ورغبات سلطوية، ويطلب منه أن يسدد فاتورتها من أمنه واستقراره ومقدرات بلاده. ومن جهة النظام فإنه يرى في هذا المواطن مصدر توجس وقلق دائم، فيمنعه من المشاركة السياسية، ولا يثق به ليكون الضامن لأمن بلاده، فيذهب ليجلب جيوشا وكتائب خارجية ومرتزقة ليتسلموا الشريط الحدودي بدلاً عنه، فيرى الجندي والموطن على حد سواء بوضوح أن هذه العائلة المتسلطة لا تثق بجيشها وشعبها، وتفضل الارتهان للغرباء على بناء عقد حقيقي مع مواطنيها.

إن هذه الفجوة المعمقة بين السلطة والمجتمع تجعل من المؤسسة العسكرية السعودية إطارا شكليا، لتتحول حروب الآخرين إلى قنبلة موقوتة داخليا، تدرك السلطة أنها يمكن أن تنفجر يوما، حيث يعيد المواطن والجندي التفكير في جدوى قتال لا يحمي أرضا، ولا يعبر عن شعب، ولا يخدم سوى بقاء نظام يحميه الأجانب.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha