وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ـ في تقاطع حساس بين الاقتصاد السياسي والجيوسياسيا الحديثة، لم تعد التكاليف الخفية للتدخلات العابرة للحدود تُحسب في ميادين الحرب فقط، بل تظهر في صورة تضخم هيكلي وديون فلكية وأزمة شرعية في قلب الدولة العظمى. إن تقاطع أزمات الطاقة وانحراف السياسات النقدية وتحدي السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، دليل على أن نظرية الضغط الأقصى، بدل أن تُركع النظام المستهدف، أفضت إلى انهيار المناعة الداخلية لاقتصاد الولايات المتحدة، وسرّعت الانتقال من النظام القديم إلى نظام عالمي ناشئ.
ويُرى الآن أن التكاليف الباهظة للحرب على إيران دفعت الاقتصاد الأمريكي نحو التضخم وأزمة الإسكان.
وفي هذا السياق، قال الدكتور عماد جبر، الباحث الاقتصادي وأستاذ الجامعة الوطنية للفنون والمهن (CNAM) في لبنان، المرتبطة بالتعليم العالي الفرنسي، حول تداعيات بدء الحرب على إيران بالنسبة للولايات المتحدة والتبعات التي تواجهها الآن: إن الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة على إيران كان لها تداعيات اقتصادية على المواطنين الأمريكيين وعلى الرئيس ترامب نفسه، وهذه التداعيات لا تزال مستمرة.
وأضاف: يتجلى ذلك في التناقض بين موقف ترامب وموقف كيفن وارش، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الذي عيّنه ترامب بنفسه. فقد اتبع وارش نهج سلفه جيروم باول، ورفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، أي من 3.5% إلى 3.75%، لمواجهة التضخم وارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب مع إيران.
حدث ذلك بعد أن ارتفع سعر غالون البنزين إلى 5 أو 6 دولارات، وسعر غالون الديزل في بعض الولايات إلى 10 دولارات. وقد أثّر ذلك على أسعار السلع والمواد الغذائية والنقل وسلاسل التوريد.
وأضاف: نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، ارتفعت تكلفة شراء المنازل للمواطنين الأمريكيين، وكذلك تكلفة السلع والخدمات التي تُشترى ببطاقات الائتمان.
وأكد جبر: بسبب الحرب التي أطلقها ترامب على إيران وأغرقت الاقتصاد الأمريكي في الأزمة، لا يزال ترامب يواصل شعاراته الشعبوية الانتخابية المنفصلة عن الحقائق الاقتصادية. فهو يطالب بخفض فوري لسعر الفائدة إلى 1%، ويزعم أن النمو الاقتصادي تحسّن، وأن أسعار الوقود تحت السيطرة، وأن التضخم تراجع.
مضيق هرمز والتنافس على الممرات التجارية
وقال الأستاذ الجامعي حول إغلاق الممرات التجارية، ولا سيما مضيق هرمز، من قبل إيران وتأثيره على موازين القوى في المنطقة: تشكل التجارة البحرية أكثر من 80% من التجارة العالمية، ولذلك تتنافس القوى الكبرى على الممرات البحرية.
فالصين تنفذ مشروع "الحزام والطريق" أو طريق الحرير الجديد، الذي يمر عبر موانئ وسكك حديدية في أراضي 70 دولة آسيوية وعربية وأفريقية ويصل إلى الدول الأوروبية، ليربط اقتصاد الصين وآسيا بأوروبا.
وينافس هذا المشروع ممر الهند المدعوم من الولايات المتحدة، الذي يمتد من الهند عبر الكيان الصهيوني إلى أوروبا، ويشمل سككاً حديدية وموانئ وكابلات بحرية.
وأكد: من جهة أخرى، فإن إغلاق إيران لمضيق هرمز يشبه قنبلة نووية اقتصادية؛ خاصة مع وجود تهديد بإغلاق مضيق باب المندب إلى جانبه.
وهذا يتجاوز موازين القوة العسكرية، بل ويغيّرها، لأن السيطرة على النفط ودوره المحوري في الاقتصاد تشبه جهاز الدورة الدموية في جسم الإنسان. لذلك، على الدول المجاورة لإيران أن تأخذ درساً من فشل الولايات المتحدة في تقديم الدعم لها، وأن تبدأ — كما طالب الرئيس جمال عبد الناصر — في طرد القواعد العسكرية الأجنبية من أراضيها.
العقوبات وتداعيات سياسة ترامب
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت سياسات ترامب العدوانية ضد إيران تتحول فعلياً — بالنظر إلى مفارقة "التكلفة – الفائدة" في الرأي العام الأمريكي — إلى "تدمير ذاتي استراتيجي" لموقع حزبه الانتخابي، أضاف جبر: نعم، في الواقع تؤدي سياسات ترامب العدائية تجاه إيران ودعمه لمشاريع إسرائيل التوسعية إلى تدمير استراتيجي لموقع حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر. ويبدو أنه في قضية فضيحة إبستين أصبح فريسة للابتزاز الصهيوني.
وتابع: ظهرت المؤشرات الأولى لذلك بانتخاب خمسة أعضاء في الكونغرس يدعمون غزة وفلسطين، وكذلك بتفكك دائرة المقربين منه، بمن فيهم شخصيات مثل تاكر كارلسون، الصحفي الأمريكي.
وأكد الأستاذ الجامعي: من جهة أخرى، فإن سياسة العقوبات الاقتصادية والحصار التي اعتمدها ترامب تمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان. فهو يزعم أنه يستهدف حكومة أو مسؤولاً، بينما في الواقع يعاقب الشعب بأكمله، بمن فيهم الأطفال والمسنون وذوو الإعاقة.
وقال: إن العقوبات الاقتصادية نفسها تنتهك المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن لكل شخص الحق في مستوى معيشة كافٍ لاحتياجات نفسه وعائلته، من غذاء وكساء ومسكن ورعاية صحية. وبالطبع يجب التأكيد في الوقت نفسه على أن العقوبات الاقتصادية كانت عبر التاريخ بلا جدوى أمام مجتمع مقاوم.
كما قال جبر حول ارتفاع أسعار الوقود في أمريكا وتبريرات الرئيس غير المقبولة في هذا الشأن: وصل دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، إلى حد التهديد بتدمير إيران من على منبر الأمم المتحدة.
وأضاف: هذا التهديد يعكس المأزق الذي أوجده هو وبلده لنفسيهما قبل الانتخابات النصفية.
الدين الأمريكي وتكلفة دعم [الكيان] الإسرائيلي
قال جبر: جدير بالذكر أن الدين الوطني للولايات المتحدة تجاوز 40 تريليون دولار، ويُدفع سنوياً 1.3 تريليون دولار من هذا الدين.
وأضاف: من أهم أسباب هذا الدين الحروب الباهظة للولايات المتحدة، ولا سيما الحرب على إيران.
إضافة إلى ذلك، يبلغ الدعم المالي لدافعي الضرائب الأمريكيين لإسرائيل 18 مليار دولار سنوياً، وتشير التقديرات إلى إجمالي 300 مليار دولار. وهذا يعكس النفوذ القوي لـ"إيباك"، اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الذي يدعم أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ في إقرار التسليح والدعم المالي لإسرائيل.
وقال الأستاذ الجامعي حول آفاق التطورات المقبلة: يعاني الاقتصاد الأمريكي من ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد التضخم وارتفاع أسعار الفائدة في خضم ما تسميه وكالة الطاقة الدولية "أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة في التاريخ".
وأضاف: ستؤثر تكلفة تراجع ترامب سلباً على مصداقية أمريكا، وستؤدي إلى إذلاله شخصياً. ومع ذلك، تبقى الدبلوماسية الخيار الأقل ضرراً لأمريكا.
وقال جبر: بالنسبة لإيران، فإنها مجتمع متكيف ومقاوم، صمد بقوة رغم الحصار والعقوبات، ويخوض حرب بقاء. لقد استوعبت هذه الدولة الضربة الأولى والصدمات وجددت قدرتها القتالية. وتراهن إيران على الزمن والسيطرة على مضيق هرمز، أو 20% من تدفق الطاقة العالمي.
وأضاف في الختام: فشلت الولايات المتحدة في تحقيق الأهداف السياسية لحربها على إيران، ونحن نشهد الآن ولادة نظام عالمي جديد.
تعليقك