24 سبتمبر 2026 - 11:31
المحبة؛ المفهوم والمكانة من منظور القرآن

لقد جعل الله اتباع الرسول دليلًا على محبته، لأنه (ص) حامل رسالته، ومجسِّد منهجه في الحياة، والقدوة الحقيقية للبشر، به يفيض الله على عباده، وبه يتقرَّب العباد إليه، فإذا أرادوا أن يجعلوا محبتهم لله حقيقة، فطريقهم الحصري إلى ذلك اتباع الرسول فيما جاء به من هدى وشريعة وأخلاق. 

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ  قال الله سبحانه وتعالى: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿سورة آل عمران: 31﴾".

الفرق كبير بين المحبة بوصفها شعورًا عاطفيًا، والمحبة بوصفها التزاما تجاه المحبوب وفي محبته، إن كل البشر يحبون الله، وأكاد أجزم بذلك، والغالبية الساحقة منهم يتحدثون عن محبتهم له، ويستشعرون عظمته ورحمته ورأفته، وقد تخشع قلوبهم عند ذكره، وكل ذلك جميل، ومطلوب، ولكن هل هذه هي المحبة المطلوبة، أو المحبة الكافية؟ فالمحبة وإن كان محلها القلب ولكن يجب أن تتجلى في حركة الإنسان في الحياة، يجب أن تتحول إلى نهج يلتزم به، وسلوك يسلكه. 

الآية الكريمة التي بين أيدينا تؤكِّد هذا المعنى، فهي تترقى بالمحبة من شعور عاطفي وحسب، إلى التزام عملي بما يحبه المحبوب، بما يحبه الله ويريده، أي إلى الأثر الناتج عن المحبة، لأن الحب من دون أثر لا قيمة له، بل قد يقال بأن وجوده وعدمه سيَّان، فالإنسان حين يحب شخصًا يحب أن يقترب منه، وأن يعرف ما يحب وما يكره، وأن ينسجم معه في طريقه ومواقفه. وإذا كانت هذه سُنَّة المحبة في العلاقات الإنسانية، فكيف بمحبة الإنسان لخالقه؟

إن محبة الله من منظور القرآن الكريم علاقة يقيم فيها الإنسان حياته وفق ما يحبه الله. ولهذا جعلت الآية اتّباع النبي جزءً لا يتجزأ من محبة الله، وصاغت تلك العلاقة كقضية شرطية، لا تستقيم إلا إذا تحقق ركناها، وتحوّلت المحبة إلى منهج عملي تقوم حياة المحب عليه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

لقد جعل الله اتباع الرسول دليلا على محبته، لأنه (ص) حامل رسالته، ومجسِّد منهجه في الحياة، والقدوة الحقيقية للبشر، به يفيض الله على عباده، وبه يتقرَّب العباد إليه، فإذا أرادوا أن يجعلوا محبتهم لله حقيقة، فطريقهم الحصري إلى ذلك اتباع الرسول فيما جاء به من هدى وشريعة وأخلاق. 

والاتباع يعني الاقتداء الكامل الشامل برسول الله (ص)، أن نجعل هديَه ميزانا لعقيدتنا وأخلاقنا وسلوكنا ومواقفنا. أن نكون مثله في أمانته وصدقه ووفائه وإخلاصه وحُسنِ أخلاقه، أن نكون مثله في العدل والدعوة إلى المعروف وإنكار المنكر ورفض الظلم، وتقديم ما يريده الله على ما تهواه أهواؤنا. 

إن من الناس من يجعل الله تابعًا لمشاعره، يريده أن يحب ما يحب، ويكره ما يكره، يبيح له ما يهوى، ولا يتدخل فيما لا يهوى، يجري أقداره عليه وفق ما يشتهي، ومنهم من يقول: أحب الله، لكن لي رأي في شريعة الله، أقبل منها ما أحب، وأرفض منها ما لا أحب. يريد أن يجعل الدين على هواه، أن يكون الدين انعكاسًا لصورته. 

بينما المحبة من منظور الآية الكريمة تعني شيئا آخر، تعني أن يتشكَّل الإنسان وفق ما يريده محبوبه (الله) تعني ألا تكون له إرادة في عرض إرادة الله، ولا مشيئة تخالف أو تتقدم على مشيئة الله. فيحب الله فيما يخالف رغبته كما يحبه فيما يوافق رغبته، لأنه على يقين من أن محبوبه لا يريد له إلا الخير الواقعي في الحالَين، وأنه يجلب إليه المصلحة الواقعية فيما يأمره ولو بدا له أن الأمر صعب، ويدفع عنه الضرر فيما ينهاه عنه ولو بدا له في اللحظة الراهنة الظاهرة أن فيه مصلحة له. 

وهذا هو الامتحان الأصعب. فأن تحب الله حين يكون الأمر موافقا لرغبتك أمر سهل. لكن المحبة تظهر حين تتبع الله فيما يريده منك ولو كنت لا تعرف المصلحة فيه لأن تنظر إلى اللحظة الراهنة ولا ترى ما بعدها، أو تنظر إلى ظاهر الأمر ولا تُدرك باطنه. 

ومن هنا نفهم لماذا رتَب الله محبته على اتباع رسوله فقال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فالمسألة لا تنتهي عند أن تثبت لله أنك تحبه، فأغلب البشر يحبونه، وإنما هناك مرتبة أعظم: أن يحبك الله. وإذا كانت محبة العبد لله تعني الإيمان والطاعة والاتباع والتقرب إليه، فإن محبة الله لعبده ليست مسألة عاطفية كما هي عند البشر، وإنما هي رحمة ورضا وعناية ومغفرة وتوفيق.

بقلم الکاتب والباحث اللبنانی فی الدراسات القرآنیه "السيد بلال وهبي"
........
انتهى/ 278

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha