21 سبتمبر 2026 - 17:31
أقدم مسجد في فرنسا يعيد كتابة تاريخ وصول الإسلام

تُظهر الحفريات الأثرية في مسجد "تسينغوني" بجزيرة "مايوت" أن وجود الإسلام في هذه المنطقة لم يبدأ في عهد سلاطين القرن السادس عشر، بل يعود إلى القرن الثاني عشر، وذلك عبر طريق التجارة البحرية في المحيط الهندي.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ  بعيداً عن البر الرئيسي لأوروبا وعلى بعد آلاف الكيلومترات منه، وتحديداً على الساحل الغربي لجزيرة "مايوت" في المحيط الهندي، لا يزال مسجد "تسينغوني" قائماً؛ وهو أقدم مسجد في فرنسا لا يزال مستخدماً وتُقام فيه الصلوات.

ووفقاً لتقرير صادر عن وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)، لا تقتصر أهمية هذا المبنى على وظيفته الدينية فحسب، بل أصبحت جدرانه وطبقاته المعمارية بمثابة وثيقة حجرية تكشف عن التاريخ الطويل والعميق للاستيطان البشري والتبادلات الثقافية في أرخبيل جزر القمر.

وفي إطار توثيق هذا التراث، أجرى المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الأثرية الوقائية (Inrap) عمليات تنقيب دقيقة داخل المسجد عام 2023. وجاءت هذه الخطوة كجزء من مشروع واسع النطاق لترميم المبنى، وذلك بعد إدراج المسجد رسمياً في سجل الآثار التاريخية الفرنسية عام 2015.

وقد أكدت نتائج هذه الحفريات الاكتشافات الأثرية السابقة ووضّحت التسلسل الزمني الدقيق للموقع؛ إذ تشير الأدلة إلى أن جذور الاستيطان في هذا المكان تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي.

الإسلام قبل عصر السلاطين

لطالما أشارت الروايات التقليدية إلى أن السلاطين هم من جلبوا الإسلام والحضارة إلى جزيرة "مايوت" في القرن السادس عشر، حين اتخذوا من مدينة "تسينغوني" عاصمة لحكمهم.

غير أن معاول علماء الآثار روت قصة مختلفة تماماً؛ فقد أثبتت أن المسجد والإسلام كانا موجودين في هذه المنطقة قبل قرون من ظهور حكم السلطنة.

ويوضح "مارسيال بولي"، المؤرخ والباحث في المعهد الوطني الفرنسي للغات والحضارات الشرقية (Inalco)، أن الإسلام دخل جزيرة "مايوت" تدريجياً خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر عبر شبكات التجارة البحرية.

ويرجح أن بحارة من عُمان -وربما من إيران- قد نقلوا الدين الجديد إلى هذه المنطقة، في فترة كانت تسود فيها المعتقدات التقليدية القائمة على "الأرواحية" (animism).

العمارة المرجانية: ذاكرة المحيط

مع مرور الوقت، تغير الهيكل المعماري للمكان أيضاً تماشياً مع التطورات الدينية والاجتماعية.

فبعد الاستيطان الأولي في القرن الثاني عشر الميلادي، شُيِّد مسجد حجري في الموقع، وتعود بقاياه إلى القرن الرابع عشر الميلادي. استُخدمت في بنائه مواد مثل الحجر الرملي الساحلي والبازلت والمرجان؛ وهي مواد يعتبرها علماء الآثار مؤشراً زمنياً إقليمياً، نظراً لرصد استخدامها أيضاً في مساجد على ساحل شرق أفريقيا خلال الفترة نفسها.

وفي القرن السادس عشر الميلادي، وبالتزامن مع التطورات السياسية والاقتصادية والازدهار الناجم عن حكم السلطنة، بلغ هذا المبنى ذروة تطوره المعماري وتضاعفت مساحته، كما شُيِّد فيه عام 1538م محراب تاريخي يحمل اسم حاكم تلك الفترة، "السلطان علي محمد".

القرآن والمسمار: تعايش المعتقدات

من خلال فحص المكتشفات الأثرية، وجد الباحثون أن سكان جزيرة "مايوت" كانوا يتبعون المذهب الشافعي.

ظل كل من المسجد ومدينة "تسينغوني" (Tsingoni) من المراكز الرئيسية في المنطقة حتى القرن الثامن عشر الميلادي، إلا أن مكانتهما تراجعت عقب توترات إقليمية مع جزيرة "أنجوان" (Anjouan) المجاورة، ثم انتقال جزيرة "مايوت" إلى السيادة الفرنسية إثر بيعها عام 1841م.

غير أن الاكتشاف الأكثر إثارة للدهشة -من منظور أنثروبولوجي- يتعلق بما طرحته "جوستين سعدي"، المديرة العلمية للمشروع، حول طبيعة التعايش الثقافي بين الإسلام والمعتقدات المحلية.

فقد عثر الباحثون داخل أحد جدران المسجد على صفحة من القرآن الكريم دُفنت بجوار مسمار خشبي من هيكل المبنى؛ وهو إجراء يُرجح أنه تم خلال إحدى مراحل الترميم القديمة للمبنى.

ويُعد هذا المزيج الفريد -الذي يجمع بين تقليد مرتبط بمعتقدات محلية سحرية أو شعبية تهدف للحماية، وبين العقيدة الإسلامية المستندة إلى النص القرآني- خلاصةً للخصائص الثقافية لهذا المكان.

وتؤكد "سعدي" أن هذا المزيج المتناغم من الجذور الأسترونيزية والبانتوية والسواحيلية هو بالضبط ما يشكّل الهوية العميقة لسكان جزيرة "مايوت"، وهو ما حوّل مسجدهم العتيق إلى كنز حي يعكس الثراء والتنوع الثقافي في منطقة المحيط الهندي.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha