وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ لم يعد الأمن في البحرين مجرد ملف تديره الحكومة، بل أصبح الجهاز الأمني نفسه سلطة داخل الدولة تتصرف كحكومة مستقلة.
هذا هو جوهر الأزمة التي وصفها مواطنوها.
شهدت البحرين أزمات أمنية وسياسية متتالية على مدى العقود الماضية، تمكنت الأجهزة الأمنية من السيطرة عليها. تصاعدت حدة هذه الأزمات في النصف الثاني من عام ١٩٩٤، عندما تشكلت حركة شعبية للمطالبة بعودة الحياة البرلمانية، والإفراج عن السجناء، والسماح بعودة المنفيين.
في تلك الفترة، نُشرت عريضة شعبية تحمل توقيعات نحو ٢٥ ألف مواطن، تطالب بعودة مجلس وطني منتخب والالتزام بالدستور. لم تستجب السلطات آنذاك لهذه المطالب، وبدأت موجة اعتقالات طالت عدداً من النشطاء والشخصيات الدينية والسياسية.
ومنذ ذلك الحين، استمرت الأزمات عاماً بعد عام. من المراحل السياسية والأمنية المتتالية التي أعقبت تراجع الحكومة عن بنود "مشروع الإصلاح"، إلى ثورة 14 فبراير 2011 وما رافقها من أحداث دموية واعتقالات واسعة النطاق طالت آلاف المواطنين.
في ذلك الوقت، دخلت البحرين مرحلة جديدة من التوتر السياسي والأمني. ومع تصاعد الأحداث، سعت خمس جمعيات سياسية معارضة إلى انتشال البلاد من الانزلاق إلى أزمة أشد خطورة.
في أكتوبر من العام نفسه، نشرت هذه الجمعيات وثيقة سياسية بعنوان "وثيقة المنامة"، قُدّمت على أنها سبيل إلى الحرية ومخرج سياسي من السلطة.
تضمنت هذه الوثيقة خمسة مطالب رئيسية:
أولاً: حكومة منتخبة من الشعب، لا حكومة تُعيّن خلال أزمة ودون تصويت شعبي. (يجب أن يكون الوزراء مسؤولين أمام البرلمان).
ثانياً: نظام انتخابي نزيه قائم على دوائر انتخابية عادلة ومبدأ "صوت واحد لكل مواطن".
ثالثاً: تركيز السلطة التشريعية في برلمان منتخب بالكامل يتمتع بصلاحيات تشريعية ورقابية كاملة.
رابعًا: قضاء مستقل وجدير بالثقة.
خامسًا: الأمن للجميع، بمشاركة جميع فئات المجتمع في تشكيل الأجهزة الأمنية.
لكن البند الخامس كان دائمًا مصدر قلق بالغ؛ لأن الحكومة استخدمت أجهزتها الأمنية لا لحماية المواطنين، بل لحماية السلطة، حتى وصل الأمر إلى حدّ ملاحقة المواطنين بسبب انتمائهم الديني ومحاكمتهم بسبب معتقداتهم.
اليوم، تعيش البحرين وضعًا تُهيمن فيه المخاوف الأمنية على كل شيء؛ لدرجة أن المواطن يُحاكم بسبب رأيه ومعتقده، ويستمر اعتقال العلماء، ويُحاكم أتباع المذهب الجعفري.
في هذا السياق، استطلعنا آراء بعض المواطنين حول تحوّل الأمن من مصدر طمأنينة إلى مصدر خوف.
"منذ استشهاد السيد حسن نصر الله في الربع الأخير من عام ٢٠٢٤، ونحن نعيش تحت وطأة قوانين السلطة؛ قوانين تضرّ بالمذهب الشيعي. لم يعد هناك جهاز أمني جدير بالثقة يحمي المواطن؛ بل أصبح الجميع مصدر قلق للجميع."
لم نشهد قط مثل هذا الجو الأمني المشدد، إلا بعد إعلان استشهاد السيد نصر الله على يد النظام الغاصب. استدعاءات متكررة إلى مراكز الأمن، وإجبارنا على توقيع تعهد خطي بعدم وضع صورة أي عالم دين، وعدم رفع شعارات، وعدم إقامة مراسم عزاء لأي عالم، سواء في البحرين أو خارجها. نعيش في خوف دائم من الاعتقال.
في بلد يُقدّم نفسه كأرض آمنة، لم يعد هناك أي أمان للمواطن الشيعي. لقد عشنا تحت ضغط أمني مستمر لمدة عامين كاملين. لم ترحم الأجهزة الأمنية كبار السن، فكيف بالشباب؟ النساء أيضاً مستهدفات. لم نكن في مأمن من الاعتقال والتعذيب والتحرش الجنسي، لمجرد أننا شيعة ونؤمن بعقيدتنا.
لا أمان ولا هدوء. أصبحت جميع مؤسسات الدولة الرسمية أماكن لاختبار المواطنين وترهيبهم.
أكد العديد من المواطنين هذا الأمر؛ فقد تحولت حدود البلاد البرية ومطاراتها إلى مكاتب استجواب.
هنا يبرز السؤال الرئيسي: إلى أي مدى تحوّل الأمن في البحرين من مصدر طمأنينة للمواطن إلى مصدر قلق؟ عندما يخشى المواطن أجهزته الأمنية أكثر مما يثق بها، وعندما يصبح الدين والمعتقد ذريعة للمحاكمة والاعتقال، يمكن القول إن واجب الأمن قد انحرف عن مساره. لم يعد الأمن متاحًا للجميع، بل أصبح أداة لإدارة الأزمات السياسية.
يرجع هذا الشعور في الأشهر الأخيرة إلى استمرار محاكمة كبار علماء الشيعة وأساتذة الحوزة العلمية والدعاة الدينيين؛ محاكمات تُجرى بسبب نشاطهم الديني، مع أن هذا النشاط هو جوهر واجبهم ومعتقدهم.
....................
انتهی/
تعليقك