وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ قال الله سبحانه وتعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿سورة البقرة: 246﴾".
ليست غايتي من البحث في هذه الآية الكريمة أن استعرض حادثة تاريخية انتهت بانتهاء أصحابها، بل أن أقف عند منطق بشري يتكرَّر كلما واجهت جماعةٌ ظلمًا أو عدوانًا، وكلما ارتفعت الأصوات مطالبةً بالخلاص، ثم اقتربت لحظة دفع الثمن.
فالإنسان هو الإنسان، في حماسته وانفعاله، وفي خوفه وتردده، وفي إطلاق الشعارات قبل أن يختبر قدرته على الالتزام بها بالفعل. ولهذا فإن الآية الكريمة وهي الفاتحة لقصة قرآنية مُلهِمَة -سنعرض لدروسها تباعًا إن شاء الله- تقدّم لنا مرآةً نرى فيها طبيعة الجماعات، وحدود الحماس، وشروط القيادة، والفارق بين الرغبة في دفع العدوان والاستعداد لتحمل أثمانه.
كان بنو إسرائيل يواجهون عدوانًا أخرجهم من ديارهم، وهدَّد وجودهم، وفرّق بينهم وبين أبنائهم. ولذلك كانت حاجتهم لقتال المعتدي ضرورية لدفع الظلم عنهم والعودة إلى ديارهم، ولمِّ شملهم. لكنهم أدركوا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن مواجهة العدوان لا تنجح بمجرد توفِّر النيَّة، ولا بمجرد اجتماع الناس، بل تحتاج إلى قيادة تجمع بين الشجاعة والحكمة، وبين وضوح الهدف وحسن التدبير. ولذلك قالوا لنبيهم: *﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾*. لقد كانوا بحاجة إلى قائد يحوّل رغبتهم في قتال العدو إلى مشروع منظَّم، ويعرف متى يقاتل، وكيف يقاتل، وما حدود القتال، وكيف يحفظ الجماعة من الفوضى والانقسام.
والقيادة الربانية لا يصنعها الناس، إنها تُهيّأ في الغيب، وتُبنى شخصية القائد بالعلم والتجربة والصبر والابتلاء، ثم يكشفها الله للناس حين تتهيأ الظروف. القيادة التي يريدها الله لجماعة تواجه مسؤولية كبرى تحتاج إلى إعدادٍ يؤهل صاحبها لحمل الأمانة، وإلى اصطفاءٍ وتوفيقٍ من الله. والقائد الحقيقي هو الأقدر على حمل الأمانة، وتحويل المبادئ إلى قرارات ومسؤوليات، والرشد، والحكمة، وضبط الانفعال.
اللافت في الأمر أن نبيهم لم يأخذ طلبهم على ظاهره دون اختبار، لأنه كان يدرك أن الحماسة في أوقات الشدة قد تكون صادقة من جهة الشعور، لكنها غير ناضجة من جهة الالتزام. ولذلك قال لهم: *﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾*
لقد كان سؤاله اختبارًا لمدى استعدادهم لتحويل رغبتهم إلى التزام. فالإنسان قد يطلب أمرًا حين لا تكون فيه كلفة، لكنه قد يتراجع عندما يصبح الأمر تكليفًا فعليًا، وتترتب عليه مشقة وخطر ومسؤولية. والقيادة الواعية لا تقيس صدق الجماهير بهتافاتها العالية، بل بقدرتها على الصبر والانضباط حين تصعُب الظروف. فالجماهير تتحمس بسهولة، لكنها لا تثبت بالسهولة نفسها. وقد يجتمع الناس على شعار واحد، ثم يتفرقون عندما تختلف تقديراتهم، أو تتعارض مصالحهم، أو يكتشفون أن الطريق طويل ومتعِب. ولهذا تحتاج القيادة إلى أن تعرف طبيعة من تقودهم، وأن تبني خطتها على الواقع لا على الأمنيات، وأن تتوقع لحظات التراجع بدل أن تفاجأ بها.
كان جوابهم منطقيًا من حيث المبدأ: *﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾* فما الذي يمنعهم من القتال وقد وقع عليهم العدوان، وأُخرجوا من ديارهم، وفُرّق بينهم وبين أبنائهم؟ إن الدفاع عن النفس والوطن والأهل والكرامة حق تؤيده الفطرة السليمة، وتقرّه الشرائع السماوية والقوانين والأعراف الإنسانية. وليس من المنطق أن يُطلَب من المعتدى عليه أن يستسلم للمعتدي، أو أن يتخلى عن حقه في حماية وجوده. والقتال الذي يتحدثون عنه والقتال الذي يتحدثون عنه قدّموه بوصفه قتالًا في سبيل الله، لا حربًا للغنيمة أو التوسع أو الانتقام، بل مواجهة للعدوان، ودفع للظلم، واستعادة للحقوق.
لكن سلامة المبدأ لا تعني بالضرورة ثبات أصحابه. فقد يكون الإنسان محقًا في تشخيص الظلم، وصادقًا في الرغبة في دفعه، لكنه لا يكون مستعدًا لتحمل تكاليف المواجهة. *﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾*. فحين كان القتال فكرةً مطلوبة، ارتفعت الأصوات تأييدًا له. وحين أصبح واجبًا فعليا، تولّى معظمهم.
وهذا مشهد يتكرَّر في كل زمان. فهناك فرق بين أن ترفض الظلم في الكلام، وأن تدفع ثمن مواجهته، وبين أن تؤيد قضية عادلة من بعيد، وأن تلتزم بما تفرضه عليك هذه القضية من وقت ومال وصبر ومخاطرة. فقد يطلب الناس دفع العدوان، لكنهم لا يحتملون نتائج دفعه. ولحظة الجد تكشف حقيقة المواقف. ففي أوقات الحماس، يستطيع كثيرون أن يتكلموا باسم الحق، أما حين يصبح الحق مكلفًا، فلا يبقى في الميدان إلا من تحوّل إيمانه إلى التزام، وشعاره إلى عمل، ورغبته إلى تضحية.
ولذلك فقد *﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾*. فبقيَت القّلَّة التي ستصنع الفرق، فالجماعة لا تُقاس دائمًا بكثرتها، ولا يتوقف الحق على عدد أنصاره في لحظة معينة. فقد تتراجع الأكثرية، ويبقى القليل ثابتًا، لكن هذا القليل يكون أكثر صدقًا مع القضية، وأشد وعيًا بمسؤوليتها، وأقدر على حمل الأمانة.
بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الاسلامیه "السيد بلال وهبي"
..........
انتهى/ 278
تعليقك