وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ ذكر مصدر محلي في غرب كابول - تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية - أن العديد من السكان يرحبون بتراجع الاشتباكات المسلحة وأعمال العنف في الشوارع خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف المصدر: "الأمن لا يقتصر فقط على غياب الانفجارات والقتال في الشوارع"؛ إذ يواجه عدد كبير من الناس في آن واحد مشكلات البطالة، وانخفاض الدخل، والمعاناة اليومية لتلبية الاحتياجات الأساسية. وقد أدى هذا الوضع، مقترناً بمخاوف اجتماعية ودينية، إلى تبدد أي شعور بالهدوء أو الطمأنينة لدى العديد من الأسر.
ويسلط تقييم حديث للبنك الدولي الضوء على هذه الضغوط الاقتصادية؛ فعلى الرغم من النمو العام في اقتصاد أفغانستان، إلا أن ثماره لم تصل إلى عامة الناس بشكل متكافئ. ومن المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 5.6 في المائة في عام 2025. كما تواصل عوامل مثل التضخم، وضعف الاستثمار، وعودة ملايين المهاجرين، ومحدودية فرص العمل، الضغط على سبل عيش الأسر.
وقد حدد البنك الدولي ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وصعوبة حصول القطاع الخاص على التمويل، وانخفاض الاستثمار، باعتبارها عوائق رئيسية تحول دون توفير فرص عمل مستدامة.
وفي غرب كابول، تُعد البطالة والفقر من أكثر الهموم إلحاحاً. وأشار المصدر المحلي إلى أن حتى أولئك الذين يملكون رأس مال متواضعاً لبدء مشروع تجاري صغير يواجهون عقبات متعددة ويكافحون لتأمين دخل يعتمد عليه، قائلاً: "عندما لا يعرف المرء ما إذا كان سيجد عملاً في الغد، أو كيف سيوفر الإيجار والطعام لأسرته، وفي الوقت نفسه يشعر بالقلق بشأن مكانته الاجتماعية والدينية، فلا يمكن القول إنه يتمتع بأمان نفسي".
ويربط السكان حالة القلق المتزايدة هذه ارتباطاً مباشراً بالأحداث المحيطة بمدرسة "خاتم النبيين" الدينية، التي تُعد واحدة من أكبر المراكز التعليمية الشيعية في أفغانستان. ففي الخامس من سبتمبر (14 شهريور)، حاصرت قوات طالبان المجمع، وبعد يومين قامت بإجلاء المعلمين والطلاب وأغلقت المبنى.
وأفاد مسؤولو المدرسة باحتجاز 28 معلماً وطالباً، وذكروا في مرحلة ما أن 24 منهم لا يزالون رهن الاحتجاز. كما تحدثت تقارير لاحقة عن اعتقال عدد من وجهاء الهزارة والشيعة في كابول، كان بعضهم قد شارك في اجتماعات لمناقشة وضع المدرسة.
وقال أحد سكان غرب كابول: "منذ إغلاق المدرسة واحتجاز عدد من رجال الدين والشخصيات التي يعتبرها الناس ممثلين لهم أو وجهاء، سادت حالة من الخوف بين العائلات". يشير السكان إلى أن المصاعب الاقتصادية تشكل عبئاً مزمناً، إلا أن الاعتقاد بأن المؤسسات الدينية والمساجد أو حتى القادة المجتمعيين قد لا يكونون في مأمن، أثار مخاوف أعمق تتعلق بالهوية والحقوق.
وقد وصف مسؤولو المدرسة الدينية تصرفات حركة طالبان بأنها مدفوعة بدوافع سياسية ودينية، وهو توصيف رفضته الحركة؛ إذ عزت وزارة العدل النزاع إلى قضايا تتعلق بملكية الأرض ووجود صلات مزعومة بين المجمع وحزب سياسي، في حين لم يتم التحقق بشكل مستقل من وجود دافع ديني بحت.
ومع ذلك، فإن تزامن الضغوط الممارسة على عدة مؤسسات وشخصيات مرتبطة بالطائفة الشيعية زاد من مخاوف التمييز لدى بعض سكان غرب كابول.
كما أفادت مصادر محلية بزيادة ملحوظة في تواجد قوات طالبان في أجزاء من المنطقة خلال الأيام الأخيرة. ويرجح هؤلاء أن يكون هذا الانتشار مرتبطاً بحالة التوتر التي أعقبت إخلاء المدرسة الدينية وما تلا ذلك من اعتقالات، رغم أن سلطات طالبان لم تؤكد وجود أي رابط من هذا القبيل.
على مدى السنوات الخمس الماضية، سعت قطاعات من المجتمع الشيعي إلى نهج الانخراط والتعامل مع إدارة طالبان، رغم وجود خلافات عميقة حول المشاركة السياسية والحقوق الدينية ونظام الحكم؛ حيث سعى العديد من رجال الدين والشخصيات الاجتماعية للدفع بمطالب المجتمع عبر الحوار. والآن، يخشى السكان أن تؤدي الإجراءات الأخيرة ضد المدرسة الدينية واحتجاز شخصيات بارزة إلى تقويض هذا النهج.
بالنسبة للكثيرين في غرب كابول، لم تعد القضية الجوهرية مقتصرة على الأمن المادي فحسب؛ فالناس يريدون معرفة ما إذا كان بإمكانهم التخطيط لتعليم أطفالهم، وتأمين سبل عيشهم، وضمان مستقبل عائلاتهم دون الخوف من اتخاذ إجراءات مفاجئة ضد مؤسساتهم الدينية والاجتماعية.
ويقول السكان إن الفجوة تكمن في الفرق بين الأمن والشعور بالأمن؛ فبينما قد تبدو الشوارع أكثر هدوءاً مقارنة بسنوات الصراع المفتوح، لا تزال حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والغموض المحيط بمصير المراكز الدينية والقادة تحول دون شعور قطاع من السكان الشيعة براحة البال الحقيقية.
تعليقك