وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ قال الله تعالى: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿5﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿سورة الانشراح: 6﴾"
حين يمر الإنسان بالعسر، قد يبدو له أن الشدة قد أحاطت به من كل جانب، وأن الأزمة قد استحكمت واستوطنت، وأن الأبواب قد أوصدت في وجهه، وأن الحلول معدومة، والفرج بعيد إن لم يكن غير ممكن، فيحمله ذلك على اليأس، واليأس قد يحمله على قرارات تكون عواقبها خطيرة، في مثل هذه اللحظة تأتي الآيتان الكريمتان لتقولا له: إن هذا العسر الذي يحيط بك لن يطول، سيعقبه يُسْرٌ ترجوه، بل إن هذا العُسر معه يُسْر يسير معه جنبًا إلى جنب، وما عليك إلا أن تجده وتلمس آثاره.
(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)*. إن معية اليسر للعسر تعني أنهما مقترنان، وليسا متتاليان، اليسر موجود مع اليسر، ينمو داخله، ويخرج من رحمه، وهذه حقيقة يمكن للإنسان أن يدركها بالعقل، كما يشهد لها واقع الحياة، فكثير من الأمور التي يراها القارئ الكريم اليوم نجاحًا، هي يُسر قد ولِدَ من رحم العسر، كان العسر حاملًا له في ثناياه. فعندما يواجه الإنسان أزمةً يضطر إلى التفكير بطريقة لم يكن ليفكر بها في ظروف الراحة، والمجتمع الذي يواجه تحديًا كبيرًا غالبًا ما يكتشف من قدراته وطاقاته ما لم يكن يكتشفه في ظروف الاستقرار، والأمة التي تمر بالمِحَن غالبًا ما تعيد اكتشاف نقاط ضعفها، وتصحح أخطاءها، وتعيد بناء مؤسساتها، وتكتشف رجالها الحقيقيين.
مما سبق يتضح أن العسر مولِّد لليُسر غالبًا، وهنا تتجلى حكمة التعبير القرآني: *﴿مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾*. فالألم يعلّم الإنسان ما لم يكن ليتعلمه في الراحة، والفشل يكشف له ما لم يكن ليكتشفه في النجاح، والحرمان يدفعه إلى اكتشاف قدرات كانت كامنة فيه، والمحنة تعيد ترتيب أولوياته وتحرره من أوهام كان يظنها حقائق، بل إننا لو تأملنا كثيرًا من صور اليسر في حياتنا، لوجدنا أنها لا تكتسب معناها الكامل إلا لأنها جاءت بعد عسر. فما قيمة الشفاء لمن لم يعرف المرض؟ وما لذة الشبع لمن لم يذق الجوع؟ وما جمال العافية لمن لم يمر بالألم؟ وما معنى النجاح لمن لم يعرف مشقة الفشل؟ إن الإنسان لا يدرك قيمة كثير من النعم إلا حين يمر بضده، فالضدُّ يُظهِر الحُسنَ ضدهُ.
وهذا المعنى تؤيده سيرة النبي الأكرم (ص) نفسها، فقد كانت بدايات الدعوة محاطة بالفقر، وقلة الأنصار، وأذى المشركين، والحصار والمواجهة، لكن هذه الشدائد كانت ميدانًا لبناء الإنسان المؤمن، وتمييز الصادق من المتردد، وتربية جيل حمل الرسالة، وصناعة القوة التي انتقلت بها الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين.
لقد كان اليسر ينمو في قلب العسر. ولهذا تكرر الوعد مرتين: *﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾*. والتكرار هنا ليس تكرارًا للمعنى كما يقول المفسرون، وإنما هو ترسيخ للحقيقة في النفس، لأن الإنسان حين يكون في قلب الأزمة قد يرى العسر حاضرًا بقوة، بينما يعجز عن رؤية اليسر المختبئ وراءه.
فالآيتان تريدان أن تصححا رؤيتنا للعسر واليسر، تقولان لنا: لا تنظروا إلى النصف الفارغ من الكوب، لا تنظروا إلى الجزء المظلم من الصورة، فقد ترون المحنة، ولا ترون ما تبنيه المحنة فيكم، وقد ترون الباب المغلق، ولا ترون الأبواب المفتوحة أو التي ستفتح من قريب، وقد ترون الخسارة، ولا ترون ما ينقذكم منها، وقد ترون الطريق طويلًا، والمعاناة كثيرة، والأثمان عظيمة، ولا ترون الشخصية التي يصنعها هذا الطريق فيكم. ولهذا فإن المؤمن لا يتعامل مع العسر بوصفه إعلانًا عن نهاية الطريق، بل بوصفه مرحلة من مراحل الطريق.
وقد يكون من أعظم الأخطاء التي يرتكبها الإنسان أن يظن أن اليسر لا يأتي إلا في صورة زوال المشكلة. فاليسر قد يكون في القوة التي يمنحها الله لك وأنت داخل المشكلة، وفي البصيرة التي تولد أثناء المحنة، وفي الإنسان الذي تصبحه بعد تجاوزها. فالآية لم تقل: إن العسر سيزول ثم يأتي اليسر، وإنما قالت: *﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾*.
وهذا يدفع الإنسان إلى البحث عنه وهو يعمل، ويصبر، ويقاوم، ويأخذ بالأسباب، فليس معنى الآيتين أن يقعد الإنسان -حين تعصف به أزمة- منتظرًا الفرج، وإنما أن يدرك أن في قلب المشكلة نفسها منافذ يمكن أن تقوده إلى الفرج إذا أحسن التعامل معها.
بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الاسلامیه السيد بلال وهبي
..........
انتهى/ 278
تعليقك