23 أغسطس 2026 - 18:50
السنن الإلهية لمن يختار طريق الظلم

قد ينجح الظالم في إسكات خصومه فترة، أو فرض سيطرته على أرض، أو إخضاع الناس بالخوف والقوة، لكنه لا يعلم أن هذه النجاحات نفسها تجعله يقترب أكثر من نهايته.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ أبنا ــ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿44﴾ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾﴿سورة القلم: 45﴾.

من أخطر ما يمكن أن يصيب أهل الباطل أن يقرؤوا نجاحاتهم الظرفية قراءة خاطئة فيظنون أن تمكنهم من تحقيق بعض أهدافهم، وإخضاع خصومهم، وممارسة بطشهم دون عقوبة عاجلة، دليلٌ على قوة مشروعهم وصحة طريقهم، ودليل على أن الأمور قد صارت ملك أيديهم، وأن المستقبل ينتظرهم ليقدم لهم المزيد من النجاحات والإنجازات.

لكن الله سبحانه، يكشف زيف هذا الاعتقاد، حين يكشف لنا عن سُنّته الربانية في التعامل مع هؤلاء وأضرابهم، فيقول: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ  وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾*.حيث تكشف الآيتان الكريمتان عن سُنَّة الله في التعامل مع من اختاروا طريق الظلم والطغيان، وأصروا على التكذيب والعدوان، فالله لا يعاجلهم بالهلاك، بل قد يترك لهم المجال ليستمروا في طريقهم، وقد يسمح لهم بتحقيق بعض ما يريدون، ويمنحهم من الوقت والقوة والقدرة ما يجعلهم أكثر ثقةً بأنفسهم وبمشروعهم. لكنهم لا يعلمون أن هذا كله قد يكون استدراجًا، والاستدراج أن يُقاد الإنسان شيئًا فشيئًا إلى نهايته من حيث لا يشعر، فيحسب أنه يتقدم بينما هو يقترب من السقوط ومن حيث لا يعلم.

وهكذا الطغاة يرون نجاحاتهم الظرفية انتصارات دائمة، وإنجازات تاريخية ولكنهم يغفلون عما وراءها، يرون أنهم يحققون أهدافهم، ولا يعلمون أن بعض هذه الأهداف قد تكون جزءًا من الطريق الذي يقودهم إلى الهزيمة. الظالمون يرون أنهم يزدادون قوةً وتمكينًا، ولا يعلمون أن هذا التمكين قد يمنحهم مزيدًا من القدرة على ارتكاب الظلم، وتوسيع دائرة العدوان، وكشف حقيقة مشروعهم، واستنفاد أسباب بقائهم.

نعم قد يحقق الباطل انتصارات تكتيكية، لكن ذلك لا يعني أنه انتصر في المعركة الكبرى. وقد ينجح الظالم في إسكات خصومه فترة، أو فرض سيطرته على أرض، أو توسيع نفوذه، أو إخضاع الناس بالخوف والقوة، لكنه لا يعلم أن هذه النجاحات نفسها تجعله يقترب أكثر من نهايته، فليست كل حركة إلى الأمام تقدمًا، وليست كل زيادة في القوة انتصارًا.

ومن هنا نفهم معنى قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾. أي أمهلهم، وأمد لهم في الزمن، وأترك لهم المجال ليستمروا في ظلمهم وطغيانهم، ولا أعاجلهم بالعقوبة. وهذا الإمهال ليس غفلةً عنهم، ولا عجزًا عن أخذهم، ولا تخليًا عن المظلومين. إنما هو جزء من التدبير الرباني العام، فلو عوجِل الظالم بالعقوبة عند أول جريمة، لما ظهرت أبعاد مشروعه كاملة، ولما انكشفت حقيقته، ولما تراكمت عليه آثار ظلمه، وقد يكون من مقتضى الإملاء أن يُترك الطاغية يظن أنه أفلت، وأن يزداد اطمئنانًا إلى قوته، وأن يراكم أسباب الغرور، حتى يبلغ مرحلة يظن فيها أنه أصبح فوق الحساب، فيصبح ما صنعه بنفسه شاهدًا عليه، وسببًا لسقوطه وزواله، لأن الطغيان والظلم يفتكان بصاحبهما.

وبهذا نفهم معنى قوله تعالى:*﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾* فالكيد هو التدبير للوصول إلى غاية، ولا يصح أن نفهمه في حق الله سبحانه بالمعنى البشري الناقص الذي يتضمن الحيلة والخداع والعجز، فذلك لا يكون منه تعالى، إذ لا يليق بكماله وجلاله.

وإنما المراد أن لله تدبيرًا محكمًا نافذًا في مواجهة تدبير الكائدين، هم يكيدون للحق، والله يتولى تدبير أمرهم، هم يخططون لتحقيق أهدافهم، والله يجعل بعض ما يحققونه جزءًا من الطريق الذي ينتهون به إلى عاقبتهم، هم يظنون أنهم يملكون زمام الأحداث، بينما الأحداث نفسها تسير بهم نحو الضعف والهوان والانهيار.

فلا ينبغي أن نحكم على الحق والباطل من خلال اللحظة الحاضرة، فقد ينتصر الباطل في مرحلة، وقد يتراجع أهل الحق في مرحلة أخرى، وقد يبدو أن ميزان القوة قد حُسِم، لكن هذه ليست بالضرورة النهاية، فالآية تعلمنا أن هناك فرقًا بين النجاح التكتيكي والانتصار الاستراتيجي، ولذلك لا ينبغي أن نستعجل الحكم على الأمور.
بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية السيد بلال وهبي
.......
انتهى/ 278

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha