19 فبراير 2026 - 11:31
في الطريق إلى صلاح الدنيا والآخرة.. بناء الإنسان المتقي من خلال شهر رمضان المبارك

إن الظمأ والجوع ومشقة الصيام، التي تتفاوت من بلد إلى آخر ومن شخص إلى آخر، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسائل تربوية راقية لصناعة إنسان متق، يخاف الله في السر والعلن، ويلتزم بأوامره ويجتنب نواهيه، فلو أن المسلمين استشعروا هذا الهدف حقاً، واستحضروه أثناء صيامهم، لكان لشهر رمضان أثر بالغ في نفوسهم وسلوكهم، ولتحول إلى مدرسة حقيقية لإصلاح الذات والمجتمع.

وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ـ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. بهذه الآية الكريمة يخاطبنا الله "سبحانه وتعالى" ، فينادينا بنداء الإيمان، ذلك النداء الذي يستنهض الهمم ويهز القلوب، ليذكرنا بفريضة الصيام التي جعلها ركناً من أركان هذا الدين، وفرضاً محكماً كتبه علينا كما كتبه على الأمم من قبلنا، تأكيداً على عظمته وأهميته في مسيرة الإنسان المؤمن.

ومما لا شك فيه، ومما هو معروف بالضرورة لدى المسلمين جميعاً، أن صيام هذا الشهر المبارك ليس مجرد عادة نمارسها، ولا تقليداً نكرره، بل هو عبادة عظيمة وفريضة إلهية يستعد لها المسلمون في كل أرجاء المعمورة بقلوب خاشعة، ونفوس تواقة إلى رحمة الله ورضوانه، يحرص كل إنسان مسلم متزن على أدائها بكل اهتمام وجد، إدراكاً منه لمكانتها السامية في الدين، وإيماناً بما يرجى من فضل الله ورحمته وبركاته التي تتنزل على الصائمين.

في تأمل النظرة إلى الشهر الكريم
تختلف نظرة الناس إلى هذه الفريضة العظيمة، وتتفاوت في طبيعتها وفي مستوى الاستفادة منها، فالكثيرون يتجهون في نظرتهم إلى الصيام على أنه مصدر أجر وفضل، وقربة يتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى، يبتغون ما عنده من جزاء حسن وثواب عظيم في الدنيا والآخرة، وهذا كله صحيح لا مرية فيه، ولكن مع الاستمرار والاعتياد على هذه الفريضة، ومع تعاقب السنين، دخلت النظرة إلى الصيام في حالة من الروتين والاعتياد لدى البعض، فأصبحت ممارسة يومية تخلو من روحها وجوهرها.

يأتي شهر رمضان المبارك، وقد تعود عليه الإنسان المسلم منذ نعومة أظفاره، فإذا به يتحول إلى حالة اعتيادية تداخلت فيها العادات والتقاليد، التي تتفاوت من بلد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، فهناك من يصب اهتمامه على طبيعة السهرات والحفلات، وتفاصيل الأكلات التي تعد بعد يوم طويل من الصيام، وهناك من يركز على الكيفية التي يمضي بها ليالي الشهر، في لهو أو فيما لا يعود عليه بثمرة الصيام الحقيقية، وفريق آخر يتجه تركيزه إلى اغتنام الفرصة في تلاوة القرآن الكريم والإكثار من ذكر الله، بغية الحصول على الأجر المضاعف والحسنات الكثيرة، وهذا كله خير وبركة، ولكن هل أدركنا الهدف الأسمى من وراء ذلك كله؟.

لعلهم يتقون: الهدف الذي يغيب عن الأذهان
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة الآية:183]. تعود بنا الآية الكريمة إلى التأكيد على الغاية الأساسية من فرضية الصيام، والتي يغيب وعيها لدى الكثيرين، ألا وهي "التقوى"، فقوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} هو بمثابة البوصلة التي يجب أن توجه سلوك الصائم وتصرفاته طوال الشهر الكريم.

إن الظمأ والجوع ومشقة الصيام، التي تتفاوت من بلد إلى آخر ومن شخص إلى آخر، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسائل تربوية راقية لصناعة إنسان متق، يخاف الله في السر والعلن، ويلتزم بأوامره ويجتنب نواهيه، فلو أن المسلمين استشعروا هذا الهدف حقاً، واستحضروه أثناء صيامهم، لكان لشهر رمضان أثر بالغ في نفوسهم وسلوكهم، ولتحول إلى مدرسة حقيقية لإصلاح الذات والمجتمع.

فالتقوى هي الثمرة التي يجنيها الصائم من صيامه، وهي الحالة الوجدانية والسلوكية التي تجعله في حالة من اليقظة الدائمة والحذر من مخالفة أمر الله، والتقوى هي النبع الذي يروي القلب بعد ظمأ النهار، لتتحول متاعب الجوع والعطش إلى دروس عملية في بناء النفس، وتربية للروح، وإصلاح للواقع على المستويين الفردي والجماعي ولو أن هذه الثمرة نضجت في قلوب المسلمين، لاستقامت أحوالهم، ولحلت كثير من مشكلاتهم الفردية والجماعية.

التقوى: مفاتيح الخير في الدنيا قبل الآخرة
إن الحديث عن ثمار التقوى يطول، ويكفي أن نستعرض بعضاً من الآيات القرآنية التي تبين فضلها وأثرها العظيم في حياة الإنسان، والتقوى ترتبط بجانبين أساسيين في حياة كل إنسان، الجانب الأول يتعلق بمسؤوليته تجاه أسرته ومن يعول؛ إذ يعيش الإنسان هاجس الرزق وتوفير متطلبات الحياة الضرورية له ولأهله، وهذا الهم يتصدر هموم أغلب الناس، ينشغل الكثيرون بكيفية تأمين احتياجاتهم واحتياجات أسرهم وتحمل أعباء المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وهنا تكون التقوى سببًا عظيمًا في تيسير الرزق، لا بمعناه المادي فحسب، بل بما يرافقه من بركة وطمأنينة ويُسر في تحصيله.

ومن خلال التقوى يوليك الله هذه الرعاية {وَمَن يَـتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسب} مخرجاً من كل ضيق وكرب، وهم ومن كل غم وبلاء ومحنة.

أما الجانب الثاني فيتصل بمواجهة الإنسان لما يعترض طريقه من صعوبات وأزمات ومخاطر، فالحياة مليئة بالمضائق والتحديات، وبعضها قد يهدد الحياة نفسها، أو يمس الأمن والاستقرار النفسي والمعيشي، أو ينعكس أثره على الفرد وأسرته بل وعلى مجتمعه الأوسع، وأمام كل هذه التحديات تكون تقوى الله سبب خير عظيم، إذ يتولى الله –وهو القدير الرحيم الكريم الخبير العظيم– رعاية عبده المتقي، فينقذه ويخرجه من الشدائد، قد يعجز الناس عن نصرته، وقد لا يبالون به، لكن رعاية الله ولطفه هما الملاذ الحقيقي والسبب الأعظم للنجاة والرحمة.

التقوى وتيسير الأمور
قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4]، فالإنسان في مسيرته الحياتية يواجه ألوانًا من العسر والتعقيد؛ في شؤون معيشته، ومسؤولياته، ومشكلاته المتشابكة التي تثقل عليه نفسيًا ومعنويًا، بل وأحيانًا جسديًا، وعندما يُيسر الله الأمر، تزول التعقيدات، وتنحل العقد، وتتحول المشقة إلى سهولة، والإنسان بطبعه يتطلع إلى اليسر، ويضيق صدره حين تتعسر الأمور، فجاء الوعد الإلهي بأن التقوى سبب لأن يشمله الله برعايته، فيمنحه القوة النفسية والمعنوية، ويهيئ له من الأسباب ما يفك به التعقيدات ويذلل الصعوبات.

وفيما يتعلق بالتقوى وتكفير السيئات فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5]، وهذا من أعظم ما يحتاج إليه المؤمن؛ فالسيئات هي أخطر ما يثقل كاهل الإنسان، لما تتركه من آثار نفسية ومعنوية، ولما يترتب عليها من آثار في واقع الحياة، ولما لها من خطورة في العلاقة بالله، ثم في المصير الأخروي، كل سيئة لها أثر سيئ ونتيجة مؤلمة، في الشعور والوجدان والسلوك والواقع، ومن التكفير إذهاب تلك الآثار ومحو نتائجها، فيستر الله عبده ويزيل عنه تبعات ذنوبه، ثم يعظم له الأجر، فيجزيه على تقواه واستقامته والتزامه وانضباطه العملي جزاءً كبيرًا، فينال الخير في دنياه، والمردود الأعظم في آخرته.

وعلى مستوى أثر التقوى في استقامة الأمة فإن الله قال بعد الخطاب الفردي أتى بالخطاب الجماعي، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29].

فعلى مستوى الأمة، تمنح التقوى فرقانًا؛ أي نورًا وبصيرةً ووعيًا يميز به المؤمنون بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، فلا تختلط عليهم الأمور، ولا يكونون فريسة للتضليل والانحراف، بل أمة مستنيرة واعية متزنة حكيمة، تسير في قراراتها ومواقفها وتصرفاتها في الاتجاه الصحيح، وهذا من أهم مقومات الاستقامة الجماعية، إذ به تحفظ الأمة توازنها وتحدد مسارها بعيدًا عن الالتباس والضياع.

ويقول تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]، ويقول أيضًا: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا} [النحل: 128] ومعية الله هي أعظم المكاسب؛ معيته بلطفه وتوفيقه ورحمته وعونه ونصره وهدايته، وما أحوج الإنسان –فردًا وأمة– إلى هذه المعية في كل ما يطلبه من خير، وفي كل ما يدفعه من شر، فبقدر ما تتحقق التقوى في النفس والسلوك، تتحقق هذه المعية الإلهية التي تعني الرعاية الدائمة والعناية المستمرة.

ولهذا، فإن تحمل المسؤوليات التي قد يهابها البعض –كالتصدي للباطل ومواجهة الطغيان– لا يكون خسارة إذا كان في إطار التقوى وطاعة الله، بل هو سبب لنيل معيته ونصره: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}.

التقوى وتأمين المصير
أعظم ما في التقوى أنها تؤمّن المصير الأبدي. قال تعالى: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر: 61]. فالنجاة يوم القيامة حكر على المتقين؛ ينجون من العذاب، ومن الفزع الأكبر، ومن الحساب العسير، بينما يغرق غيرهم في الحزن والندم، يكون المتقون في أمن وسلام، لا يمسهم سوء ولا يعتريهم حزن، قد فازوا الفوز العظيم.

وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]. الجنة بما فيها من نعيم مقيم، وطعام وشراب، ومساكن طيبة، وأمن وسلام وطمأنينة وسعادة، أُعدت للمتقين. ويؤكد ذلك قوله تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا} [مريم: 63].

فلا نجاة إلا بالتقوى، ولا فوز إلا بها، ولا سبيل إلى النعيم الأبدي إلا من خلالها، هي طريق السعادة الحقيقية، والنجاة من الخزي والهوان في الدنيا والآخرة، ونيل الرعاية الإلهية الشاملة، وكل الخير مرتبط بها، فهل بعد هذه الأهمية أهمية؟ لا.

المسؤولية الكبرى وأثر التقوى في صلاح العالم
إن الحديث عن التقوى يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن مسؤولية الإنسان في هذه الحياة، فالله سبحانه وتعالى كرم بني آدم وحملهم أمانة عظيمة، عرضها على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، هذه الأمانة هي مسؤولية الاستخلاف في الأرض، وعمارتها وفق منهج الله.

فالإنسان في هذه الحياة كائنٌ مسؤول، مرتهنٌ بعمله على مستواه الشخصي أولًا، ثم على مستواه الجماعي ضمن محيطه ومجتمعه، وتصرفاته ليست عبثًا؛ فلكل فعلٍ نتيجة، ولكل سلوكٍ أثر. فإن كانت أعماله في دائرة الخير والصلاح، ومنضبطة بضابط العمل الحسن، كانت نتائجها طيبة عليه في ذاته ونفسيته وشعوره ووجدانه وسلوكه، وامتدت آثارها إيجابًا إلى محيطه القريب ثم إلى نطاقه الأوسع، أما إن انحرفت أعماله إلى دائرة الشر والسوء، فإن نتائجها السيئة لا تقف عند حدٍّ، بل تنعكس عليه أولًا، ثم تتسع دائرتها لتطال بيئته ومجتمعه والعالم من حوله.

الإنسان هو العنصر الأبرز في ميدان المسؤولية في هذه الحياة، وهو الموقع المركزي فيها، وقد تحدث القرآن الكريم عن مستوى هذه المسؤولية حديثًا عظيمًا، باعتبار ما منحه الله من قدرات ومدارك وطاقات، وما سخر له من إمكانات في هذا الكون، مما يجعل حجم مسؤوليته متميزًا وعظيمًا. يقول الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].

فهذه الأمانة تمثل مستوى المسؤولية التي تولاها الإنسان؛ مسؤولية لو عُرضت على السماوات والأرض والجبال لما كانت مهيأة لحملها، ولا تملك المؤهلات التي أودعها الله في الإنسان من وعيٍ وإدراكٍ وقدرةٍ واختيار. ويقول تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13].

فالإنسان صُمم لدورٍ واسع، وعلاقته بما في السماوات والأرض علاقة انتفاعٍ ومسؤوليةٍ وتأثير، بخلاف بقية الكائنات التي أدوارها محدودة وعلاقاتها أضيق نطاقًا، أما الإنسان فانتفاعه واسع، وتأثيره ممتد، ودوره شامل؛ ومن هنا كانت مسؤوليته عظيمة، وأمانته ثقيلة، وحمله كبيرًا.

أثر الخروج عن ضوابط التقوى
إذا انحرفت الأعمال عن ضابط التقوى، كانت لها آثار سيئة وامتدادات سلبية في الدنيا قبل الآخرة. يقول الله تعالى: {مَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30]. فهذا قانون إلهي ثابت: الأعمال لها نتائج، والتصرفات السيئة ترتد على صاحبها وعلى الناس من حوله، بل وعلى البيئة ذاتها. ويقول تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41].

إن حالة الانفلات من الضوابط، والتصرف غير المسؤول الذي لا تحكمه تقوى ولا قيم، هي سبب ما تعانيه البشرية من أزمات متفاقمة، ومن ظلمٍ واسع الانتشار، ومن معاناة إنسانية عميقة. حين تبتعد السياسات والممارسات عن الالتزام الأخلاقي والمسؤولية الحقة، تتراكم المشكلات وتتعاظم الأخطار، ويظهر الفساد في صور متعددة، سياسية واقتصادية وبيئية واجتماعية.

إن الذي يصلح واقع البشرية هو الانضباط والالتزام والعودة إلى ضابط التقوى؛ لأن التقوى تعيد الإنسان إلى موقعه الصحيح: عبدًا مسؤولًا، وخليفةً مؤتمنًا، ملتزمًا بالقيم الإلهية التي تحفظ التوازن في النفس وفي الحياة.

ومن هنا تتجلى الأهمية الكبرى للتقوى؛ فهي ليست شأنًا تعبديًا منفصلًا عن الواقع، بل هي مرتبطة بكل شؤون الحياة، حتى على المستوى النفسي فمن أراد أن يعيش الطمأنينة والسكينة، وأن يتحول شعوره إلى شعور إيجابي مستقر، فعليه بالتقوى؛ فهي التي تمنح القلب أمنه، والنفس سكينتها، والحياة توازنها.

خلاصة القول
إن شهر رمضان المبارك هو محطة إيمانية سنوية يتجدد فيها لقاء الروح مع خالقها، وفرصة ذهبية لتصحيح المسار وإعادة ترتيب الأولويات، وإن الغاية الكبرى من الصيام هي بناء إنسان متق، يخاف الله ويراقبه في كل أقواله وأفعاله، ويسعى لإصلاح نفسه وأسرته ومجتمعه.

وإذا أردنا لصيامنا أن يثمر ثماره الحقيقية، فعلينا أن نستحضر دائماً هذه الغاية، وألا نحول الشهر الكريم إلى مجرد موسم للعادات والتقاليد، أو فرصة للهو والسهر، بل علينا أن نجعله مدرسة تربوية نتعلم فيها معنى التقوى، ونخرج منها وقد اكتسبنا زاداً روحياً وسلوكياً يعيننا على باقي أيام السنة، ويسهم في بناء أمة مستنيرة واعية، تقية نقية، تنعم بمعية الله ورعايته في الدنيا، وتفوز بجنته ورضوانه في الآخرة.

.....................

انتهى / 323 

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha