وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ في مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، رسم الكاتب إزرا كلاين صورة قاتمة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ولايتها الثانية، معتبرا أنها وقعت أسيرة الإستراتيجية ذاتها التي تبنّتها، وهي الإغراق المتعمد للساحة بالأزمات والقرارات والصدامات، أو ما سمّاها مستشاره السابق ستيف بانون "سرعة القذيفة".
فالفكرة التي قامت على إرباك الخصوم وتشتيت انتباه الإعلام، أثبتت فعاليتها في البداية كأداة للهيمنة، لكنها -حسب الكاتب- انتهت بإغراق الإدارة نفسها في فوضى من صنع يدها.
وأوضح الكاتب أن إدارة ترمب لم تكتفِ بمواجهة الأزمات التقليدية لأي رئاسة، بل صنعت أزماتها بنفسها: من سياسات تجارية متقلّبة، وتهديدات غير مسبوقة للحلفاء، إلى تسييس مؤسسات الدولة، والتدخل في عمل الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، وتوسيع نفوذ أجهزة إنفاذ الهجرة على نحو عدواني.
وذهب إلى أن هذه السياسات لم تكن أخطاء عابرة، بل نتيجة مباشرة لثقافة سياسية تعتبر الفوضى فضيلة والانضباط رذيلة، فبدلا من السعي إلى تقليص الأزمات والصراعات، عمد أعضاء إدارة ترمب منذ اليوم الأول إلى مضاعفتها، وفقا لمقال نيويورك تايمز.
ويرى كلاين أن الفارق الجوهري بين إدارة ترمب والإدارات السابقة يكمن في "صناعة الأزمة"، فبينما تسعى الأخيرة عادة لفلترة المعلومات وتقليل الصراعات للحفاظ على تركيز الرئيس، تعمدت الإدارة الحالية مضاعفة الجبهات المفتوحة.
كارثة إدارة الهجرة
وخصص كاتب عمود الرأي في مقاله حيزا مهما للحديث عن التحول في ثقافة أجهزة الهجرة وحرس الحدود، مستشهدا بتصريحات مستشار البيت الأبيض ستيفن ميلر التي منحت عناصر وكالة الهجرة والجمارك غطاء سياسيا وقانونيا لاستخدام القوة المفرطة.
وربط المقال بين هذا الخطاب الرسمي وبين أحداث العنف المأساوية التي شهدتها مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا في الآونة الأخيرة، معتبرا أنها لم تكن حوادث معزولة، بل نتاج مناخ سياسي يشجع العدوان ويكافئه.
ومنذ السابع من يناير/كانون الثاني الماضي، تشهد مدن أمريكية عدة، في مقدمتها مينيابوليس، احتجاجات واسعة ضد ما يصفه المحتجون بـ"العنف المميت" الذي تستخدمه إدارة الهجرة في حملتها ضد المهاجرين.
رئاسة فاشلة
وواصل كلاين هجومه الشرس على الإدارة الأمريكية قائلا إن "كل منظمة تنتهي إلى أن تشبه قائدها"، مضيفا أن "ترمب نفسه سريع التشتت، يفضّل الإطراء على النصيحة، وينبهر بعروض الهيمنة والعنف الفجة، ومهووس بوسائل التواصل الاجتماعي وقنوات الأخبار".
وانتقد مسؤولي الإدارة لتملقهم "الفج" للرئيس "إلى درجة يصعب تمييزه عن السخرية، حيث تحولت اجتماعات مجلس الوزراء إلى مشاهد استعراضية تخلو من أي نقاش جدي أو مساءلة حقيقية".
غياب المستشارين القادرين على كبح نزوات الرئيس -حيث كان ذلك هو الحال أحيانا في ولايته الأولى- جعل الإدارة أكثر اندفاعا وأقل قدرة على تصحيح أخطائها
وضرب مثالا على ذلك بتصريح أدلى به ستيفن ميلر إلى مراسل مجلة نيويورك الذي سأله عن صحة ترمب، فكان رده "ينبغي أن يكون عنوان قصتك: الرئيس الخارق".
ووصف الكاتب ولاية ترمب الثانية بأنها "رئاسة فاشلة بكل المعايير"، واصفا ترمب بأنه "غير محبوب"، وأن "قسوته" ورسومه الجمركية أحالت الهجرة وتكاليف المعيشة إلى نقاط ضعف، رغم أنهما كانا يُعدّان من أهم أوراقه في السابق.
إستراتيجية "سرعة القذيفة"
وبحسب كلاين، فإن غياب المستشارين القادرين على كبح نزوات الرئيس -حيث كان ذلك هو الحال أحيانا في ولايته الأولى- جعل الإدارة أكثر اندفاعا وأقل قدرة على تصحيح أخطائها.
وفي المقابل، أشار المقال إلى أن هذه الإستراتيجية لم تُضعف المعارضة كما كان مأمولا، بل أسهمت في توحيدها. فقد شهدت مدن مثل مينيابوليس حركات احتجاجية منظمة ومتعددة الأعراق، كسرت الافتراضات الأساسية لتيار "ماغا" اليمينية الموالية لترمب حول الخوف والانقسام الاجتماعي.
التراجع التكتيكي الذي أظهره ترمب مؤخرا في ملفات دولية كبرى.. هو نتاج اصطدام إستراتيجية "سرعة القذيفة" بجدار الواقع
واعتبر كلاين أن التراجع التكتيكي الذي أظهره ترمب مؤخرا في ملفات دولية كبرى -مثل الحرب التجارية مع الصين- لا يعكس تغييرا حقيقيا في المنهج، بل هو نتاج اصطدام إستراتيجية "سرعة القذيفة" بجدار الواقع.
ووفقا للمقال، فإن ترمب يحاول على ما يبدو تصحيح المسار، لكنه يفتقر إلى الانضباط وإلى الطاقم القادر فعليا على تغيير اتجاه رئاسته، كما أن إدارته تمثِّل انعكاسا لشخصيته وما يريده.
"إن هذا البيت ليس محاصرا بالأزمات. هذا البيت الأبيض هو الأزمة نفسها"، بهذه العبارة عميقة الدلالة اختتم الكاتب مقاله في صحيفة نيويورك تايمز.
تعليقك