2 يناير 2023 - 09:37
المنهج السياسي للشهيد النمر: كسر جدار الصمت في الجزيرة العربية

أن الشيخ الشهيد تحلى بالشجاعة بما يكفي لطرح رؤيته السياسية وموقفه تجاه قضايا مجتمعه والدولة، رغم معرفته بأنه يطرحها أمام نظام دموي كالنظام السعودي، وأنها قد تكلفه حياته.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ لا شك أن الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، قد رسّخ نهجاً جهادياً فريداً من نوعه، واستطاع ان يكسر جدار الصمت والخوف الذي ساد في شبه الجزيرة العربية بشكل مطبق جراء سياسية التهديد والتهويل والانتهاكات التي يمارسها النظام السعودي بحق المعارضين في المملكة وخارجها.
وبهذا يكون الشيخ الشهيد قد قام بواجبه الرسالي والشرعي، ومارس دوره الوطني في المطالبة بحقوقه المشروعة المكفولة في الدستور المحلي والدولي بالدفاع عن الشعب المضطهد حتى قضى شهيداً.
وهنا، يبرز الحديث عن المنهج السياسي للشيخ الشهيد، الذي ثار على إسلام آل سعود، ليكرس مبادئ رسالة الإسلام المحمديّ الأصيل الذي يحقق الكرامة الإنسانية ويؤكد على التآخي والمساواة من جهة، ومن جهة أخرى، يحمي الإسلام من أن يؤخذ إلى منحى آخر، منحى التطبيع وامتصاص دماء الشعوب والسيطرةِ على مقدراتهم.
وعليه، يمكن بسهولة أن نتخلص من آراء عارفيه ومَن عاشوا التجربة معه عن قرب، وأن الشيخ الشهيد تحلى بالشجاعة بما يكفي لطرح رؤيته السياسية وموقفه تجاه قضايا مجتمعه والدولة، رغم معرفته بأنه يطرحها أمام نظام دموي كالنظام السعودي، وأنها قد تكلفه حياته، لكنه لم يتنصل من مسؤولياته الأخلاقية والشرعية حيال ممارسة وظيفته ودوره كعالم دين وفقيه وكمواطن له الحق في التعبير عن رأيه والمطالبة بحقوقه العادلة والمشروعة.
المنهج السياسي يعدد المفكر والباحث البحراني، الدكتور راشد الراشد، سمات الفكر وملامح المنهج السياسي عند الشهيد الشيخ نمر باقر النمر، في ندوة سابقة وفق الآتي:
١- الصدق والأخلاص في تبني مواقفه حركته السياسية، فلم يكن ما قام به، كما شاهدناه وشاهده العالم، من خلال خطبه وبياناته وتصريحاته بأن مواقفه أو حركته السياسية في الإصلاح هو للمناكفة أو للتجاذبات السياسية وتسجيل النقاط هنا أو هناك ضد أحد أو ضد أي طرف وتيار في الساحة، بل يتضح من خلال حركته ومواقفه بأن بوصلته السياسية مركزة في إتجاه تحسين الظروف السياسية في المجتمع وتطوير النظام السياسي بحيث يحقق الحد الأدنى من العدالة بين المواطنين.
٢- كسر حاجز الخوف والهلع من النظام، عبر شجاعة الطرح وتبني المواقف الرسالية التي تفرضها طبيعة الفهم الواعي والدقيق للتشريعات السماوية التي تحظ على حفظ الكرامة الإنسانية وحق المجتمع في العدالة والحريات السياسية والمساواة ومقاومة الطاغوت والكفر به.
من المعروف بأن الأنظمة السياسية الديكتاتورية والمتسلطة تعمل على ترسيخ حالات العجز عند المجتمع عبر إقناعه فكرياً بأنه غير قادر على التغيير وأن عليه الإستسلام للأمر الواقع، من خلال حملات مكثفة في التوجيه بهذا الإتجاه وفي التزامن معها من خلال القسوة والتعسف في قمع الحريات لزرع حالة الخوف وأيصاله إلى منطقة الهلع المفرط من إجراءات السلطة القمعية والإنتقامية، ليبتعد المجتمع كلية عن الولوج في منطقة المطالب السياسية بالعدالة والحريات السياسية والمساواة.
٣- ثقافة تحمل المسؤولية الشرعية والأخلاقية في حفظ الكرامة وحماية الحريات والحقوق السياسية، بوصفها قضية محورية في الفكر الديني حيث النصوص الكثيرة الدالة على ذلك في وجوب مكافحة الظلم وما يستلزمه من تضحيات ونصرة لقضايا المظلومين، وما يتطلبه من تحمل المسؤولية في رفض الظلم والقوانين الجائرة التي تشكل حائط الصد لحماية الفاسدين من طلاب السلطة والمهوسون بها.
٤- عدم الإستسلام لسلطة الأمر الواقع، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والشرعية في مواجهة الفساد السياسي والإستعداد لتحمل الأثمان وكلف المطالبة بالعدالة والحقوق السياسية.
إسقاط الثقافة الإنهزامية وفي هذا السياق، أسقط الشيخ الشهيد الثقافة الإنهزامية أمام الطاغوت التي تتذرع بثقافة تبريرية واسعة للتخلي عن المسؤولية بذريعة مدى قسوة الإجراءات القمعية والإنتقامية لسلطات الأمر الواقع على المجتمع، وكذلك التبرير بعدم وجود الإمكانيات لمجابهة أنظمة سياسية متفوقة بلا قياس أو مقارنة من حيث الإمكانات والعتاد على المجتمع، ووصول المجتمع إلى منطقة اليأس من القدرة على إحداث التغييرات اللازمة لحفظ الكرامة والحقوق، وإحساسه في نهاية المطاف بالعجز الكامل والمطلق من التمسك بثقافة المجابهة والمواجهة وتحمل المسؤولية والإستعداد لدفع الأثمان وكلف حفظ الكرامة وصيانة الحريات.
وكانت حركة الشهيد الشيخ النمر واضحة في إسقاط كل هذه الثقافة التبريرية فيما كان يقول ويعمل، وفي جملته الشهيرة المدوية: ”سلاح الكلمة أقوى من أزيز الرصاص“ إشارة صريحة وواضحة بأن التذرع بالإمكانات ليس كافياً لقبول حياة الذل والإهانة في ظل الطاغوت والنظم الديكتاتورية المستبدة.
أما في كلمته الشهيرة الآخرى: ”إذا كان عندكم فرعون لطغيانكم فإن لدينا الحسين في تضحيته“ في إشارة آخرى مليئة بالدلالة في فكر ومنهج الشهيد على أن سلاح التضحية هو أمضى قوة يمكن بها مجابهة الطاغوت بكل ما يمتلكه من إمكانات البطش والإنتقام والتنكيل.
أما كلمته الثالثة: ”إما أن نعيش على ظاهر الأرض أحرار أو نموت في باطنها أبرار“، فقد أتت لتحسم كل الخيارات التي تنتهي بضروة المجابهة وعدم الإستسلام للأنظمة الديكتاتورية التي تفرض سلطة الأمر الواقع وتوظيف ما لديها من إمكانات البطش والتنكيل في سبيل ذلك.
“مذهَبَة” بقرار سياسي في المقابل، واجه آل سعود منهاج الشيخ الشهيد هذا، بالكثير من الصلف والرعونة والإجرام، ومحاولة اسباغ تحركاته بالصبغة المذهبية. فكان الحكم الذي صدر بإعدام الشيخ الشهيد، بمثابة القرار السياسي بالقتل، أُلبس رداء قضائي، بهدف التخلص من شخصية علمائية رفيعة المستوى، تجرّأت يوماً وقالت إن على الشعب أن يختار حكامه.
وتحت هذا الشعار / المنهاج قاد الشيخ الشهيد مسيرة نضالية ضد نظام قمعي ومجرم وظالم.
وما جريمة إعدامه إلا محاولة من النظام لضرب انتفاضة شعبية ما هدأت يوماً، تطالب بحد أدنى من الحقوق، فقطعت رأس مَن يقودها.
عريضة العزة والكرامة وفي هذا السياق أتت العريضة التي قدمها الشيخ الشهيد للحاكم الإداري للمنطقة الشرقية عام 2007، ضمن جهوده المستمرة لرفع المظالم ونيل الحقوق.
والعريضة غير مسبوقة في صراحتها وشموليتها، ومطالبها الجذرية، واعتُبرت نموذجاً شجاعاً وصريحاً وأسلوباً يُحتذى في المطالبة بالحقوق. كان الشيخ الشهيد يعرف سلفاً أن النظام السعودي لن يولي اهتماما عملياً بالعريضة، ولكنه قدمها في سياق مشروعه السياسي المتدرج، حتى يضع الحجة على هذا النظام المستبد في الخطوات اللاحقة من عمله السياسي.
فقد تضمنت العريضة مبادرة سياسية هي عبارة عن مشروع برنامج ورؤية سياسية لمعالجة وتصحيح أمر العلاقة بين النظام الحاكم والشعب، أطلق عليها اسم (عريضة العزّة والكرامة).
وبعد أن قدّمها إلى النظام السعودي قام بطرحها على الناس من خلال إحدى خطبه في صلاة الجمعة، والتي شرح فيها بأنه من خلال طرح هذه المبادرة وتقديم مشروع العريضة إنما يسعى من خلالها إلى تعزيز دولة المواطنة والقائمة على أساس العدالة والمساواة وتعزيز مبادئ الحرية والكرامة فيها، وحمايتها دستورياً بذلك وتحصينها بقوة قضاء عادلة ومنصفة.
وتضمنت العريضة خلاصة المطالب السياسية لشعب شبه الجزيرة العربية وتطلعاته المشروعة في بناء دولة المواطنة الحقة حيث العدالة والحرية والكرامة بما تستلزمه من أدوات التشريع والرقابة والقضاء الذي يكفل تحقيقها دون تمييز بين أي من أبناء الوطن الواحد.
..................
انتهى / 232