30 يناير 2011 - 20:30

ورد في الخبرعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ ( عليه السلام ) أَنَّهُ قَالَ : " عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ : صَلَاةُ الْخَمْسِينَ ، وَ زِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ ، وَ التَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ ، وَ تَعْفِيرُ الْجَبِينِ ، وَ الْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ." تهذيب الأحكام : 6 / 52

ابنا : انقلاب الموازين..واقعًا حادثة كربلاء لا تزال مؤلمة، مؤلمة على كل المستويات وعلى كل الأبعاد، لأن ألمَ هذه الحادثة ناشئٌ عن أمرين:الأمر الأول: الخسارة الكبرى التي مُني بها المسلمون باستشهاد هذا الإمام العظيم استشهاد الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه.والأمر الثاني: الأساليب التي استخدمت لتكريس واقع مؤلم في حق أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، ومن ضمنها:

1ـ الكذب والافتراءات: كذب وافتراء صار واضحًا من هؤلاء القتلة أثناء سوقهم موكب السبايا، موكب السبايا كما يقول المؤرخ السيد حسين مكي رضوان الله عليه يقول: (من الواضح أنه تم سلوك الطرق الآهلة بالسكان، وهو الطريق الأبعد إلى دمشق)، يعني كان الهدف هو عرض نساء رسول الله على أكبر قدر من الناس ليوجدوا حالة وحشة وخوف في أوساط الناس.2ـ أن من يخرج مخرج هؤلاء سيلقى المصير نفسه.

3ـ التعامل مع هذا البيت الكريم، فبالإضافة إلى أيجاد حالة خوف وهلع في أوساط الناس، أن هؤلاء هم أشراف الأمة هم نسل رسول الله ، فإذا تم التعامل مع من كانوا من نسل رسول الله بهذه الشدة وهذا القمع فأنتم من باب أولى، وما سيصيبكم هو أقل بدرجات من غيركم، لذا استخدم الطريق الأطول والآهل بالناس، أضف إلى ذلك الأكاذيب التي رافقت حركة الموكب المبارك، ومنها:

 أولاً ـ محاولة تصوير هؤلاء وأنهم خوارج، خرجوا على يزيد وأن الله نصره، وكلمة (خارجيّ) تحمل ظلاً ثقيلاً عند المسلمين، فالخارجيّ مهدور الدّم. ثانياً ـ أن النصر نازل من الله على (يزيد)، وهذا غريب! بمعنى أن هؤلاء الظلمة ألصقوا صفتي: البغي والخروج على من هم سادة للبشر، وألصقوا صفة الاصطفاء على هذا الشخص الذي قتل الحسين صلوات الله وسلامه عليه (يزيد)، حيث أن الله اصطفاه ونصره، وهذه هي الكارثة، الكارثة في أجهزة الإعلام هي هذه حقيقةً، أن المقدس يُصبح بسبب الأقلام السيئة والأفواه الملوّثة يصبح لا قداسة له، وأن رمز الجريمة، والذي هو المجرم، يُصبح هو ممثل الله على الأرض، ظل الله في أرضه.

 وفي عصرنا خير مثالٌ على ذلك..

فحينما تنظر إلى الأجهزة الإعلامية بشكل عامّ فإنك تجدها تُسبّح بحمد كل من يمدها بالدولار والبترول، وتشنّ حملاتٍ على العباد المخلصين لله عز وجل، ولسنا بحاجة لضرب أمثلة، فبالأمس القريب كان حكيم آل محمد حفظه الله أهدى النصر لهذه الأمة، فهو رمز النصر لهذه الأمة، لكن انظر اليوم ماذا يُقال، فالإعلام وأجهزة الإعلام رخيصة لهذه الدرجة، فما بين عشيّة وضُحاها ينتهي الأمر، تمامًا كما في الماضي: ( أعلمكم عليّ، أقضاكم عليّ، عليّ خليفتي ووصييّ ووارثي) ثم يأتيك أحدهم يومًا من الأيّام ليقول لك: أن الإمام عليّ بن أبي طالب أصل المشكلة في الأمة، هو من شق عصا هذه الأمة، لو لم يبق عليّ في بيته لما صارت مشكلة في هذه الأمة، وعليّ صلوات الله وسلامه عليه لم يخرج ويبايع حتى توفيت الزهراء وأعرض عنه الناس، فصوّره وكأنه يطلب دُنيا.

 وهذه هي المشكلة حقيقة عندما تصف من يستحق وصفه بصاحب حقّ على أنه ليس بصاحب حقّ، على أقلّ التقادير أُسوّي بينه وبين الصحابة، فأقول: هذا أراد الحق، وهذا أراد بحسب عقيدته، لا تجد هذا عندهم، فالمسألة ليست بهذه الطريقة، ففي يومنا هذا نجد أن المنطق هو المتحكّم، فالمتدينون المتقون ينأون بأنفسهم عن هذا الجدل السخيف، ينأون بأنفسهم عن أن يطرحوا أنفسهم باعتبارهم ممثلين لله عز وجل، بل يقولون وظائفنا الشرعية نُعملها، أما الآخرون فهم ظل الله.

 ويوجد عمائم تجعل من المجرم طاهرًا نقيّ الذيل، وهذه غريبة! وتجعل من الطاهر نقيّ الذيل مجرمًا، يا سبحان الله! إنها عمائم لا ترعى لله إلا ولا ذمّة، حقيقةً هذا غريب! وقد رأينا نماذج من هؤلاء، إن بعض الأشخاص يستحي فلا يقول بتجريم التقي الورع وإنما يقول: بأن المجرم ليس بهذا السوء حتى تشنوا عليه حملة، أما أن تصل النوبة لمعمّم أن يصف الطاهر بالنزيه والإجرام، فهذه غاية الوقاحة، وينطبق عليه المثل القائل: ( اللي اختشو ماتو ) كما يقولون، ولسنا بحاجة لضرب الأمثلة حقيقة، فبالأمس القريب طالعنا أحد المعممين على قناة من القنوات ماذا كان يقول عن حكيم آل محمد؟ وهذه غريبة! وماذا يقول عن الطرف الآخر؟ يعتبر الطرف الآخر رمز الاستقامة، أما أنه يتهمهم بالسرقة وغيرها لا يوجد شيء من هذا القبيل، بل هم رمز الاستقامة، ورمز التقوى والورع، رمز الطهارة، رمز النظافة، رمز رمز رمز... إلخ، أما الطرف الآخر وهم المجاهدون فإنه يصفهم بأنهم المفسدون، يا سبحان الله! فإذا لم يستحِ الإنسان فإنه يعمل ما يشتهي، إذن الإعلام إذا كان فاسداً فالويل لهذه الأمة.

 ونحن رأينا قبل فترة من الزمن بعض القنوات على لسان بعض الأجهزة تُسبّح بحمد فلان من الناس، لكنه لم يبقَ سوى أسبوع، وإذا به استقلّ طائرته وبقي في الجوّ فترة زمنية لا أحد يريد أن يستقبله وهو في الهواء، والإعلام نفس الإعلام الذي كان يصفه بالطهارة والنقاء أصبح يصفه بأسوأ وأبشع الصفات، فأين المصداقية لهذا الإعلام؟!

 لذلك عندما يتحدث القرآن الكريم: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" الحجرات/ 6 هو هذا المقصود، لا بد للإنسان أن يأخذ من العادل خبره، لا أن يأخذ من غيره، هذا هو الفرق حقيقة.

 موكب السبايا.. والتأثير في الجماهير..

 إذن هذا الموكب العظيم موكب أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم الذي قُوبل بأبشع استقبال من قبل الطغمة الفاسدة، يجب أن نسير معه لنرى كيف استُقبِل جماهيريًا، كنموذج ما يذكره صاحب ابن كثير ومعروف من هو ابن كثير، في ( البداية والنهاية ) ج8 ص190 يقول: إن خولّي الأصبحي وصل إلى الكوفة وباب الإمارة مغلق، وكان لديه رأس الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وصل وإذا الدوائر الحكومية معطّلة بلغتنا المعاصرة، فاحتار أين يذهب برأس الحسين ، يقولون: وضعه تحت أوجانة وهي المعجنة التي يُعجن فيها الطحين تمهيدًا لخبزه، خولّي هذا كان لديه زوجتان: زوجة أنصارية، وأخرى أسدية، الأنصارية هذه كانت مُحبّة لأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، والأسدية تلك لم تكن مبغضة، لكنها لم تكن على درجة من الولاء كما الأنصارية، يقول: وكانت تلك الليلة ليلة الأسدية، وهي ( النوّار )، فذهب واندس معها في فراشها، وأخبرها بأنه جاءها بغنى الدنيا، قالت له: بأي شيء جِئتني؟! قال: برأس الحسين فانتفضت؛ لأنها حُرّة، وقالت: " الناس تأتي بالذهب والفضة، وأنت تأتي برأس بنت ابن رسول الله؟! والله لا جمع الله رأسي ورأسك على وسادة واحدة "، خرجت في هذه الأثناء زوجته ( العيوف ) وهي الأنصارية، وكانت في الخارج تنظر إلى مكان ما، يقول المؤرخون: إنها تنظر – ولعل ابن كثير يذكر هذا الجزء من الحادثة – إلى نور عمودي ينبعث إلى عِنان السماء، وكأن هناك طيور تنزل في هذا الجانب على التنور، فعلمت حينئذٍ بعد خروج زوجة زوجها أن هذا هو رأس الحسين فبدأ البكاء والنحيب، الشاهد أن هؤلاء يُحاولون أن يتعاملوا بطريقة يأبى الله عز وجل للمؤمنين وللناس إلا أن يُقدّسوا هذا الركب.

 روايات تذكر كيف كان يستقبل المسيحيّون أهل الدير قتلة الإمام الحسين ، يعني حينما يسألون: لمن هذا الرأس؟ فيقولون: هذا رأس خارجيّ، في الروايات لدينا: وجد على بعض جدران الدير، كما يذكر صاحب ( معالي السبطين) يوجد بيت مكتوب يدعو بالويل والثبور على قتلة الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه.

 ويُنقل بأن أحد الرهبان نحت رأس الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه، وفي الكوفة حاول عبد الله بن زياد أن يوغل في إهانة الرأس الشريف فأمر بأن يطاف به في سُكك الكوفة، يقول: زيد بن أرقم مرّ رأس الحسين ، فنظرت إليه من كُوّة في غرفتي، وكان يتلو آياتٍ من كتاب الله، إذن الله عز وجل هو المدافع عن الإمام الحسين سلام الله عليه، (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) الحج: 38.

 وهذا هو منطق الجبابرة..

 هذه القافلة حينما مرّت بتلك الطريق التي وإن أريد لها التحقير، إلا أن الله عز وجل أراد لها العزة والكرامة، وفي الحقيقة كما ينقل التاريخ أنه دخل زيد بن أرقم، وهذا ليس من المشايعين لعليّ فهو صحابي، رأى عبيد الله بن زياد ينكث ثنايا الإمام الحسين بعصا من خيزران لديه، يعني أنه يعبث فقال له: ارفع خيزرانك فإني رأيت رسول الله يقبّل هذا الثغر وبكى، حتى أنه التفت إليه وقال له: لولا أنك رجل كبير لأمرت بضرب عنقك، وهذا منطق الجبابرة ( قال آمنتم له قبل أن آذن لكم) الشعراء/49  يعني أنا الذي يجب أن آذن لك أنك تبكي أو لا تبكي، عواطفك ليست بيدك، أنا الذي يجب أن آذن لك أن تلتفت أو لا تلتفت، هذا هو منطق الفراعنة، لذلك حينما أدخل علي بن الحسين سلام الله عليه على عبيد الله بن زياد، عُرّف على أنه عليّ بن الحسين قال: (ألم يقتل الله عليّاً؟!)، وهكذا يجعل الإسناد لله عز وجل، (ألم يقتل الله عليًّا؟َ!)، قال الإمام سلام الله: (كان لي أخ قتله الناس)، لأن فعل السوء يرجع للناس، وليس لله عز وجل، فالله أمر بأن تُحفظ حُرُماته، فقال: (بل قتله الله)، قال الإمام: (الله يتوفّى الأنفس حين موتها)، قال له: (ألكَ جُرأة على ردّ كلامي؟! اضربوا عُنقه)، وهذه هي لغة الجبابرة، لذا فإن لدينا كلامًا منسوبًا لأمير المؤمنين : " إن الملك يدوم مع العدل، ولا يدوم مع الظلم"، يريد أن المُلك يمكن أن يدوم حتى مع الكفر، إذا كان الملك عادلاً طبعًا، أما إذا كان الإنسان ظالمًا لا يعيش حتى وإن كان هذا الإنسان يدّعي التمسك، لذا بعد قتل الإمام الحسين بدأت الثورات في وجه يزيد، فلم يهنأ يزيد بُحكم بعد قتل الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه.

هكذا هي طريقة أئمة أهل البيت ..

إذن استخدمت هناك وسائل للنيل من الإمام الحسين قابلها أهل البيت بوسائل عادية جدًّا وهي إيضاح الأمور، في الروايات عندما تنظر إلى التاريخ تجد أن حتى (فاطمة الصغرى) وهي طفلة صغيرة، وقفت خاطبة في المدينة وفي الشام، يعني بدءًا من الإمام زين العابدين ، ومرورًا بالسيدة زينب ، وانتهاء بفاطمة الصغرى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين كانوا - كما في الروايات - أوّل ما يبدؤون يحمدون الله ويثنون عليه، وهذا شيء عجيب، أن الحمد لا يكون إلا على نعمة، فالإنسان لا يحمد الله إلا إذا حصل على نعمة، فيعتبرون كل ما يُصيبهم هو بعين الله وهو من نعم الله عز وجلّ، وهكذا تبدأ خطبهم بال