وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ عندما نتحدث عن إصلاح المجتمع، فإننا عادةً ما نولي اهتماما أوليا لتغيير القوانين، والبنى الاجتماعية، والمؤسسات الثقافية، أو الظروف الاقتصادية، بينما تتشكل العديد من التغييرات الدائمة في عقل الإنسان وسلوكه قبل أن تظهر في الهياكل الخارجية. فالمجتمع الذي لم يُصلح طريقة تفكيره، حتى لو أنشأ هياكل جديدة، قد يُعيد إنتاج مشاكل الماضي نفسها بصورة جديدة. من هذا المنظور، يُعدّ أحد أهم المقدمات المهمة للإصلاح الاجتماعي قدرة الإنسان على إعادة التفكير في الوضع الراهن والبحث عن سُبل أفضل.
يربط القرآن الكريم الإصلاح الاجتماعي بالتغيير الداخلي للإنسان: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد: 11). لا تعتبر هذه الآية التغيير الاجتماعي مسألة خارجية بحتة. فما لم يُغيّر الناس مواقفهم، وقراراتهم، وسلوكياتهم، وعلاقاتهم، فمن الصعب توقع إصلاح دائم في المجتمع. لذا، يُمكن أن يكون التفكير أحد الحلقات الأولى في سلسلة الإصلاح، إذ يجب على المرء أولا أن يكون قادرا على رؤية الوضع الراهن، والتساؤل عنه، وتخيّل إمكانية تغييره.
وهنا تبرز أهمية "التفكير الإبداعي". لا يعني التفكير الإبداعي مجرد إنتاج فكرة غريبة أو مختلفة، بل هو القدرة على رؤية المسألة من زاوية جديدة، وتجاوز الأنماط غير الفعّالة، وإيجاد طرق أنسب لتحقيق الهدف المنشود.
يدعو القرآن الكريم الإنسان مراراً إلى التفكير والتعقل والتدبر. تعبيرات مثل «أَفَلَا تَعْقِلُونَ»، «أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ» و«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ» تظهر أنه من منظور القرآن، لا ينبغي للإنسان أن يكون كائناً سلبياً أمام الواقع، بل يجب أن يرى، يفكر، يقيم ويختار.
أحد عوائق هذا التفكير هو الوقوع في فخّ العادات الفكرية. ففي بعض الأحيان، يدافع الانسان عن منهج ما ليس لصحته، بل لمجرد قدمه. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المنطق في نقده للمشركين: "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ" (الزخرف: 22).
والمجتمع الذي لا يستطيع التساؤل عن عاداته، يفقد تدريجياً قدرته على إصلاح نفسه. التفكير الإبداعي يقع تماماً في النقطة المقابلة لهذا الجمود. يتساءل الإنسان المبدع: هل هذه الطريقة هي أفضل طريقة ممكنة؟ هل يمكن رؤية المسألة من زاوية أخرى؟ هل هناك طريق يحقق نتيجة أفضل مع الحفاظ على الأصول؟ مثل هذه التساؤلات يمكن أن تمنع المجتمع من تكرار أخطاء الماضي.
بالطبع، لا يدعو القرآن الإنسان إلى الشكوكية بلا هدف أو نفي كل التقاليد. المسألة هي التحرر من التقليد الأعمى والتحرك نحو الاختيار الواعي، ومن هنا، يجب أن يقترن التفكير الإبداعي في المنطق القرآني بالعقل، الحقيقة والمسؤولية.
التفكير الإبداعي، الابتكار دون الابتعاد عن الحقيقة
أحد النقاط المهمة عند مناقشة التفكير الإبداعي من منظور القرآن الكريم هو أن الحداثة وحدها لا تُعتبر قيمة فقد تكون فكرة جديدة، ولكنها قد تكون خاطئة أو ظالمة أو ضارة. لذا، لا يُمكن اعتبار كل أنواع الإبداع عاملاً في الإصلاح الاجتماعي. يُسهم الإبداع في الإصلاح عندما يُوجّه نحو الحق والخير.
يُقدّم القرآن الكريم معياراً هاماً في هذا الصدد: "فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" (الزمر: 17-18).يُعرف العباد الصالحون بأنهم أولئك الذين يستمعون للأقوال ويتبعون أحسنها. تقدّم هذه الآيات صورة قيمة لعقل منفتح، عقل لا يخشى سماع وجهات النظر المختلفة، يفحصها، وفي النهاية يتخذ القرار.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في مجتمعنا المعاصر. فالإصلاح الاجتماعي لا يتحقق دون حوار وتساؤل وسماع وجهات النظر المختلفة. يتشكل التفكير الإبداعي عندما لا يحصر الإنسان نفسه في إطار إجابة محددة مسبقاً. بالطبع، لا يتوافق قبول كل كلمة مع منطق القرآن، ولكن يجب سماع الأقوال وتقييمها لاختيار "الأحسن". لذلك، يُمكن اعتبار التفكير الإبداعي القرآني مزيجاً من الانفتاح الذهني، وقوة التقييم، والاختيار المسؤول.
من الفكر الإبداعي إلى المجتمع المصلح
ويكتسب التفكير الإبداعي أهمية اجتماعية عندما يتجاوز مستوى العقل الفردي ويُصبح سلوكًا وقرارًا وعملاً اجتماعيًا. قد يمتلك المرء أفكارًا كثيرة، ولكن إن لم يُحسن توظيفها لخدمة الصالح العام، فلن تُفضي إبداعاته بالضرورة إلى إصلاح المجتمع.
وينظر القرآن الكريم إلى المجتمع باعتباره مجموعة من الأفراد المسؤولين. ففي منطق القرآن، الإنسان كائنٌ يختار ويتحمل مسؤولية اختياره: "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" (المدثر/38). لذا، لا يمكن إصلاح المجتمع دون مسؤولية أفراده. ينبغي أن يُعين التفكير الإبداعي الإنسان على ألا يبحث عن مذنب خارجي لمشاكله فحسب، بل أن يُدرك أيضًا دوره ومسؤوليته.
من ناحية أخرى, المجتمع المصلح ليس مجتمعاً لا توجد فيه أي مشكلة، بل هو مجتمع لديه القدرة على المراجعة والإصلاح عند مواجهة المشكلات. المشكلات الاجتماعية ستظل موجودة دائماً, لكن الفرق بين المجتمع الحيوي والمجتمع الغارق في الأزمات يكمن في كيفية مواجهتهما للمشكلة. المجتمع الحيوي يتعلم من أخطائه, يصلح الأساليب غير الفعالة ويجد إجابات مناسبة للظروف الجديدة.
"مجتبى أنصاري مقدم" كاتب وباحث ايراني في علوم القرآن والحديث
تعليقك