وكالة أهل البيت (ع) للأنباء

المصدر : وكالة اكنا
الأحد

١٥ مايو ٢٠٢٢

٤:٥١:٥٨ م
1257831

السماحة واللين مفاتيح القلوب

من جملة الصفات التي تطهر النفس من كل الصفات التي تجعلها قاسية غليظة صعبة، السماحة، فلا راحة ولا سعادة ولا فوز إلا بالسهولة واللين.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ ابنا ــ ما أحوج الإنسان في تعامله مع الآخرين إلى خُلق اللين والتلطف الذي يبعث فيه الدوافع النبيلة ويجعلها أكثر استيقاظاً من باقي الدوافع الأخرى فيه، فالمعاملة الحسنة والرفق واللين والسماحة من الأمور التي يلزمنا بها الدين الإسلامي، كما  ينهانا  عن العنف والفظ في الكلام لقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم :﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ  وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ  فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ  فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159] .

ومن جملة الصفات التي تطهر النفس من كل الصفات التي تجعلها قاسية غليظة صعبة، السماحة، فلا راحة ولا سعادة ولا فوز إلا بالسهولة واللين، و سنتحدث هنا وبإيجاز عن تعريف السماحة، وما هي مظاهر سماحة النفس، والسماحة في القرآن الكريم ثم في أحاديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة الهدى عليهم السلام، وبعدها نذكر بعض النماذج والمواقف من سماحة الإسلام.

1. تعريف السماحة:

أولًا: المعنى اللغوي[1]:

مصدر سمح يسمح سماحة وسماحا وسموحة، وتدلّ مادّة (س م ح) كما يقول ابن فارس على معنى السّلاسة والسّهولة، يقال: سمح (بفتح السين) وتسمّح وسامح، فعل شيئا فسهّل فيه وأنشد ثعلب في هذا المعنى:

ولكن إذا ما جلّ خطب فسامحت ... به النّفس يوما كان للكره أذهبا

ويقال أيضا سمح (بضمّ الميم) ، وأسمح: إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء، وذلك لسهولة ذلك عليه. قال الجوهريّ: السّماح والسّماحة: الجود، وسمح به أي جاد به، وسمح لي أعطاني، والوصف من ذلك: سمح وسميح ومسمح ومسماح. قال ابن منظور: ويقال: رجل سمح وامرأة سمحة من رجال ونساء سماح وسمحاء فيهما، ويقال رجل سميح ومسمح ومسماح، والجمع مساميح (للمذكّر والمؤنّث).

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

السّماحة في الاصطلاح تقال على وجهين(2]:

الأوّل: ما ذكره الجرجانيّ من أنّ المراد بها: بذل ما لا يجب تفضّلا، أو ما ذكره ابن الأثير من أنّ المقصود بها: الجود عن كرم وسخاء.

الآخر: في معنى التّسامح مع الغير في المعاملات المختلفة ويكون ذلك بتيسير الأمور والملاينة فيها الّتي تتجلّى في التّيسير وعدم القهر، وسماحة المسلمين الّتي تبدو في تعاملاتهم المختلفة سواء مع بعضهم أو مع غيرهم من أصحاب الدّيانات الأخرى.

2. تجليات سماحة النفس:

لسماحة النّفس تجليات عديدة أهمها(3):

أوّلا: طلاقة الوجه واستقبال النّاس بالبشر.

ثانيا: مبادرة النّاس بالتّحيّة والسّلام والمصافحة وحسن المحادثة لأنّ من كان سمح النّفس بادر إلى ذلك.

ثالثا: حسن المصاحبة والمعاشرة والتّغاضي عن الهفوات ، لأنّ من كان سمح النّفس كان حسن المصاحبة لإخوانه ولأهله ولأولاده ولخدمه ولكلّ من يخالطه أو يرعاه.

3. السماحه في القرآن الكريم:

السماحة من الصفات الدالة على الهدوء الداخلي للنفس، ومن علامات النفس المطمئنة الضرورية ومثلها اللطف واللين والعفو والحلم وغيرها، والله تعالى أخبرنا عن سماحة عباد الرحمن، وكيف كانوا يتكلمون، وكيف كانوا يسيرون، وكيف كان الهدوء والسلام ينبعث من جميع مواقفهم حتى مع أعدائهم، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ  إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 63-67] .

وهذه الآيات([4]) تستعرض بحثاً جامعاً فذاً حول الصفات الخاصّة لعباد الرحمن، إكمالا للآيات الماضية حيث كان المشركون المعاندون حينما يذكر اسم الله (الرحمن) يقولون وملء رؤوسهم استهزاء وغرور (وما الرحمن)؟ ورأينا أن القرآن يعرّف لهم (الرحمن) ضمن آيتين، وجاء الدور الآن ليعرّف (عباد الرحمن).. وهي تبيّن اثنتي عشرة صفة من صفاتهم الخاصّة، حيث يرتبط بعضها بالجوانب الإعتقادية، وبعض منها أخلاقي، ومنها ما هو إجتماعي، بعض منها يتعلق بالفرد، وبعض آخر بالجماعة، وهي أوّلا وآخراً مجموعة من أعلى القيم الإنسانية.

وهذه الآيات الكريمة تدل على المعنى الشامل الجامع للسماحة واللين لكل الجهات، ابتداء من الأرض التي يمشي عليها عباد الرحمان مشيا هينا بكل تواضع ومن غير استكبار ولا مرح،  وانتهاء بسجودهم لله تعالى، وهم يتوسلون إليه ويطلبون منه أن يقيهم العذاب، وفي ذلك دليل على انتفاء الغرور والعجب عنهم، فهم لا يتكبرون ولا يتجبرون ، ولا يريدون علوا في الأرض.

كما وصفهم بذلك في قوله عند بيانه لتأثير قراءة القرآن الكريم في النفوس المطمئنة:﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (23)﴾ (الزمر).

وهكذا؛ فهذا هو  المعنى الشامل الجامع للسماحة، فهي خلق لا يمكن تقسيمه أو الأخذ ببعض أجزائه، وترك غيره.. بل هي خلق شامل عامل مستوعب لكل المجالات.

4.  السماحه في الأحاديث الشريفة:

ونظرا لما اتصفت به السماحة من أنها شاملة جامعة لكثير من الصفات والأخلاق النبيلة، فهي الطريق لجميع القيم الأخلاقية السامية، فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحبة الصالحين بذلك، فقال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك (يعطيك)، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة) ([5]).

كما وصف  الإمام علي عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالكثير من مظاهر لينه وسماحته، فقال: (كان صلى الله عليه وآله وسلم دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يؤيس منه راجيه، ولا يخيّب فيه مؤمّليه. قد ترك نفسه من ثلاث: من المراء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيّره، ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطّير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه. ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه، حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، وكان يقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه، وكان لا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام)([6]).

وكذلك وصفه  الكثير من  أصحابه، فقد قال أنس بن مالك:(خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، لا والله ما سبني قط، ولا قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته)([7])، وفي رواية:(خدمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين، فلا والله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعته؟ ولا لشيء لم أصنعه ألا صنعته؟ ولا لامني، فإن لامني بعض أهله قال: دعه، وما قدر فهو كائن أو ما قضي فهو كائن).

وهذا الحديث يدل على المعارف الإيمانية التي تؤسس لذلك الهدوء النفسي، وهو ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (دعه، وما قدر فهو كائن أو ما قضي فهو كائن).

وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه في شيء قط إلا ان تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها)([8]) ، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ينظر إلى كل شيء من زاوية التوحيد، ويعتبر كل انتصار للنفس، أو حقد أو حسد أو عداوة لغيرها، شركا بالله تعالى.

وبهذا نجد الإمام علي عليه السلام يذكر الكثير من منابع اللين والسماحة باعتبارها من علامات المعرفة بالله، وبحقائق الوجود، ذلك أنه لا يجهل في سلوكه إلا الجاهل بتلك الحقائق.

ومن تلك الأحاديث قوله في وصف أولياء الله: (إنّ أولياء اللّه هم الّذين نظروا إلى باطن الدّنيا إذا نظر النّاس إلى ظاهرها، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل النّاس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا، ودركهم لها فوتا، أعداء ما سالم النّاس، وسلم ما عادى النّاس، بهم علم الكتاب وبه علموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا، لا يرون مرجوّا فوق ما يرجون، ولا مخوفا فوق ما يخافون) ([9]).

وقال في وصف المؤمن: (المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شي ء صدرا، وأذلّ شي ء نفسا، يكره الرّفعة، ويشنأ السّمعة، طويل غمّه، بعيد همّه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلّته، سهل الخليقة، ليّن العريكة، نفسه أصلب من الصّلد، وهو أذلّ من العبد) ([10]).

وقال في وصف بعض إخوانه الصادقين: (كان لي فيما مضى أخ في اللّه، وكان يعظمه في عيني: صغر الدّنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتا، فإن قال بذّ القائلين، ونقع غليل السّائلين، وكان ضعيفا مستضعفا، فإن جاء الجدّ فهو ليث غاب، وصلّ واد، لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضيا، وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا إلّا عند برئه، وكان يقول ما يفعل، ولا يقول ما لا يفعل، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السّكوت، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم، وكان إذا بدهه أمران ينظر أيّهما أقرب إلى الهوى فيخالفه) ([11]).

ومثله سائر أئمة الهدى الذين اعتبروا المعرفة بالله المنبع الذي تستقي منه كل الفضائل، ومن الأمثلة على ذلك قول الإمام الصادق عليه السلام مشيرا إلى منبع الحلم، وعلاقته بالمعرفة بالله: (الحلم سراج الله يستضئ به صاحبه إلى جواره، ولايكون حليما إلا المؤيد بأنوار الله، وبأنوار المعرفة والتوحيد، والحلم يدور على خمسة أوجه: أن يكون عزيزا فيذل، أويكون صادقا فيتهم، أو يدعو إلى الحق فيستخف به، أو أن يؤذى بلاجرم، أو أن يطالب بالحق ويخالفوه فيه، فإن آتيت كلامنها حقه فقد أصبت، وقابل السفيه بالاعراض عنه وترك الجواب، يكن الناس أنصارك، لان من جاوب السفيه وكأفاه قدوضع الحطب على النار) ([12]).

ثم ذكر حديثا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول فيه: (مثل المؤمن مثل الأرض، منافعهم منها وأذاهم عليها ومن لايصبر على جفاء الخلق لايصل إلى رضا الله تعالى، لأن رضى الله مشوب بجفاء الخلق) ([13]).

وهكذا وصف منابع العفو المعرفية، فقال: (العفو عند القدرة من سنن المرسلين والمتقين وتفسير العفو أن لاتلزم صاحبك فيما أجرم ظاهرا وتنسى من الاصل ما اصبت منه باطنا، وتزيد على الاختيارات إحسانا ولن يجد إلى ذلك سبيلا إلا من قد عفى الله عنه، وغفر له ماتقدم من ذنبه وماتأخر، وزينه بكرامته، وألبسه من نور بهائه، لأن العفو والغفران صفتان من صفات الله عزوجل أو دعهما في أسرار أصفيائه، ليتخلقوا مع الخلق بأخلاق خالقهم، وجعلهم كذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22]، ومن لايعفو عن بشر مثله كيف يرجو عفو ملك جبار).

ثم روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يخبرنا كيف يأمره الله تعالى بهذه الخصال في قوله: (صل من قطعك، واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك) ([14]).

ثم قال: (العفو سر الله في القلوب قلوب خواصه ممن يسرله سره، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، قالوا: يارسول الله وما أبوضمضم؟ قال: رجل كان ممن قبلكم كان إذا أصبح يقول: اللهم إني أتصدق بعرضي على الناس عامة) ([15]).

ونظرا للدور المهم للسماحة واللين والعفو في الترقي في مراتب المعرفة، وتوقي الانحطاط، فقد ذكر الإمام الباقرعليه السلام  ذلك في قوله: (مَنْ كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه، حشا الله قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة، ومَنْ ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا غضب، حرّم الله جسده على النار)([16]).

ويروى أن الإمام علي عليه السلام سمع رجلا يشتم قنبرا، وقد رام قنبر أنْ يردّ عليه، فناداه الإمام علي: (مهلا يا قنبر..دع شاتمك مُهانا: تُرضي الرحمن، وتُسخط الشيطان، وتُعاقب عدوك.. فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أرضى المؤمن ربه بمثل الحلم، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت، ولا عُوقب الأحمق بمثل السكوت عنه)([17]).

وقال: (متى أشفي غيظي إذا غضبت: أحين أعجز عن الانتقام، فيُقال لي: لو صبرت؟.. أم حين أقدر عليه فيُقال لي: لو غفرت؟)([18]).

ويروى عن الإمام الكاظم عليه السلام أنه أحضر وُلْدَه يوماً فقال لهم: (يا بنيَّ.. إني موصيكم بوصيّة فمَنْ حفظها لم يَضِعْ معها: إن أتاكم آت فأسمعكم في الأذن اليمنى مكروها، ثم تحوّل إلى الأذن اليسرى فاعتذر وقال: لم أقل شيئا، فاقبلوا عذره)([19]).

 5. آثار السماحة على الفرد والمجتمع

السماحة باعتبارها خلقًا وقيمة فهي تطهر النفس من كل الصفات التي تجعلها قاسية غليظة صعبة.. فهي تجعل من الفرد تحكمه القيم والأخلاق ، والسماحة تعطي الشعور بالسّلام الدّاخلي، فحين يكون الإنسان متسامحًا مع الآخر فإنه لا يحمل مشاعر الكره أو الحقد أو الضغينة، وهي تزرع الثقة في نفس الإنسان.

أما المجتمع الذي يتصف أفراده بخلق التسامح فتسوده المحبة، لأن أفراده متسامحون، ولا تحكمه القوانين التي تنتفي فيها الأخلاق، فيزدهر، ويكون  في هذا المجتمع الإنسان أن أخًا للإنسان لا يُؤذيه ولا يهتك له سترًا.

6. نماذج ومواقف عن السماحة:

تعد سماحة الدين الإسلامي و سّياسته الحكيمة الرّحيمة من أعظم أسباب سرعة انتشاره، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أكرم نفسًا، وأعظم تواضعًا وهو يصنع لنا أكبر نماذج التسامح واللين، ومن أبرز المواقف التي تجلت فيها السماحة، تسامح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  مع الذين أقدموا على إيذائه ، وقتله، ثم وقف في آخر الأمر بعد أن فتح مكة ليخبرهم بأنهم  طلقاء، فكل مظاهر العفو عند المقدرة، والتواضع عند النصر، والسماحة والكرم مع المسيئين الظالمين، تمثلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة فتح مكة ([20]).

ومن مواقفه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان ينزل إلى الأسواق فيرشد الناس إلى الأمانة، وينهاهم عن الخداع والغش، ومن عادته أن يكون باشَّ الوجه، طلق المُحَيَّا مع مَن يجلس إليه؛ وكان لا يحب أن يقوم له أحد، ويجلس حيث انتهى به المجلس، وكان يقول  صلى الله عليه وآله وسلم : ((لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله)) ([21])، وغيرها من المواقف التي لا يمكن حصرها  ولا عدها.

الخاتمة:

بعد هذا العرض الموجز نخلص إلى النتائج التالية:

1. السماحة تدل على السلَاسة والسُهولة وبذل مالا يجب تفضلا والتسامح مع الغير يكون بتيسير الأمور والملاينة فيها.
2. ألزمنا الإسلام بالاتصاف بخلق السماحة، وهي شاملة جامعة لكثير من الصفات والأخلاق النبيلة السماحة ، وهي الطريق لجميع القيم الأخلاقية السامية.
3. ورد في القرآن الكريم الآيات الكثيرة التي تحث على خلق السماحة واللين، ومثل ذلك ورد في السنة المطهرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى عليهم السلام.
4. المجتمع الذي يتصف أفراده بالتسامح تسوده المحبة، فيزدهر، ويكون أكثر المجتمعات رقيا.
5. أكبر نموذج وأعظم مصداق لسماحة الإسلام قد تمثل في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعترته الطاهرة، فهم المثل الأكمل للسماحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1])  مقاييس اللغة (3/ 298) ، والمصباح (1/ 376) واللسان (2/ 489- 490) ، والمصباح (1/ 308).
([2])  التعريفات للجرجاني (127) ، والنهاية لابن الأثير (2/ 398).
([3])  الأخلاق الإسلامية للميداني (2/ 463- 471)
([4])  الأمثل، الشيرازي: (11/ 302).
([5]) رواه البخاري، الفتح 4 (2101)، مسلم (2628)
([6]) مكارم الاخلاق: 8.
([7]) رواه عبد الرزاق في المصنف.
([8]) رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
([9]) نهج البلاغة: الحكمة (432)
([10]) نهج البلاغة: الحكمة (333)
([11]) نهج البلاغة: الحكمة (289)
([12]) مصباح الشريعة: 37.
([13]) مصباح الشريعة: 37.
([14]) مصباح الشريعة: 39.
([15]) مصباح الشريعة: 39.
([16])تفسير القمي ص604.
([17]) مجالس المفيد ص77.
([18]) نهج البلاغة، 2/188.
([19])كشف الغمة 3/12.
([20])  عطاء الرحمن من شريعة القرآن (ص 76 -. 8) بتصرف.
([21])  رواه البخاري، كتاب بدء الخلق – باب: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ [مريم: 16]، ج2 ص256 وأحمد ج1 ص23.

بقلم الكاتبة والباحثة الجزائرية في العلوم القرآنية "نورا فرحات"
........
انتهى/ 278