وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ تناول حجة الإسلام والمسلمين محمد حسين أمين، الكاتب والباحث الديني، في مقال خاص بوكالة «أبنا»، أسلوب النبي الأكرم (ص) في التربية، وتعاليم القرآن وأهل البيت (ع)، مجيباً عن سؤال: لماذا لا يتفاعل فئة من جيل اليوم مع المواعظ المباشرة؟ وكيف يمكن، بدلاً من زيادة حجم الكلام، تعميق أثر التربية الدينية في نفوس الجيل الجديد في الوقت الحاضر ؟
هل جيل اليوم هارب من الدين أم من المواعظ المتكررة؟
الحقيقة أنّه لا ينبغي تفسير كل ابتعاد عن المنبر والموعظة على أنه ابتعاد عن الله. فالإنسان المعاصر يواجه كماً هائلاً من الرسائل والتوصيات والتحذيرات.
ففي كل يوم تُوجَّه إليه مئات العبارات التي تخبره ماذا يفعل، وماذا لا يفعل، وكيف يعيش، وكيف يفكر. وفي مثل هذا الجو المشحون، إذا تحوّل الخطاب الديني أيضاً إلى مجرد قائمة تحتوي على أوامر وتوجيات من «ينبغي» و«لا ينبغي»، فمن الطبيعي أن تُرهق أذن المتلقي.
إنّ القرآن الكريم يربط الدعوة الدينية أساساً بـ«الحكمة» و«الموعظة الحسنة»، لا بمجرد الكلام المتواصل. يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [1]
وقد فسّر مجمع البيان «الموعظة الحسنة» بأنها الموعظة التي تُلين القلوب، وتُبعد الإنسان عن القبيح بالترغيب واللين؛ كما أكّد في تتمة ذلك على ضرورة أن يكون الكلام متناسباً مع قدرة المتلقي واستعداده وانفتاحه للكلام.
إذن، ليست القضية هي «هل نعظ أم لا؟»؛ وإنما القضية: هل ينفذ كلامنا فعلاً في قلب المتلقي، أم أنه لا يتجاوز أذنه؟ فأحياناً يكون تصرّف كريم، أو اعتذار صادق، أو عفو في الوقت المناسب، أو حتى الإصغاء إلى ألم شاب، أكثر تأثيراً مما تستطيع عشرات المواعظ والنصائح أن تفعله.
النبي (ص) لم يكن يتكلم فقط؛ بل كان هو نفسه تسجدًا للرسالة
إذا أردنا تلخيص سرّ تربية النبي الأكرم (ص) في جملة واحدة، فعلينا أن نقول: إنه قبل أن يدعو الناس إلى الأخلاق، كان يعيش الأخلاق نفسها ويجسّدها عمليا في حياته مع الآخرين، وسيرته العطرة تشهد على أخلاقه الكريمة .
يقول القرآن الكريم في وصف شخصيته صلى الله عليه وآله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [2]، فإنّ النبي (ص) كان يتخلق بخلق عظيمة لا يملكها أحد غيره إلا الأمة المعصومين عليهم السلام .
ويقول في موضع آخر: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أي ان الرسول صلى الله عليه وآله قدوة ونموذج في الأخلاق والسلوك وعلى الآخرين أن يتبعوه فيها وهو الأمثل الأعلى في ذلك .
وهذا يعني أنّ القرآن لا يقدّم النبي بوصفه «ناقل الرسالة» فحسب، بل يقدّمه بوصفه قدوة ونموذجاً يُقتدى به ويُتبع.
وهذا الفرق بالغ الأهمية. فمن يتحدث عن الصبر قد يؤثر في مستمعه لبضع دقائق؛ أما من يبقى صابراً في الشدائد، فإنه يكون مثالا واقعا وتجسيدا حقيقا للآخرين كيف ينبغي أن يعيش الصبر. ومن يتحدث عن العفو يشرح مفهوماً؛ أما من يعفو عن خطأ شخص آخر وهو في موضع القدرة والمقدرة، فإنه يجعل «العفو» أمراً جليا ومجسداً أمام الناس.
ويصرّح القرآن حتى بشأن السلوك الاجتماعي للنبي (ص): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [4]
ويعدّ مجمع البيان هذا اللين وحسن خُلق النبي (ص) من عوامل جذب الناس إلى الدين، ويصرّح بأنه لو كان النبي خشناً قاسي القلب، لتفرّق الناس من حوله.
كان النبي (ص) يعظ؛ لكنه لم يكن واعظاً مُملّاً
ينبغي ألا نفهم هذه النقطة خطأً: فالنبي (ص) لم يترك الموعظة قط. والقرآن نفسه يعدّ «الموعظة الحسنة» إحدى وسائل الدعوة. لكن هناك فرقاً كبيراً بين الموعظة وبين الإفراط في الوعظ وتجاوز حدوده .
فالموعظة هي كلام يُقال في الوقت المناسب وحسب الظروف الملائمة، وباللغة المناسبة، استجابةً لحاجة الإنسان الحقيقية؛ أما الوعظ المفرط فهو أن نتصور أن كل مشكلة يمكن حلها ببضع جمل من النصائح والإرشادات.
وفي المصادر الحديثية عند أهل السنة، وردت رواية واضحة جداً عن عبد الله بن مسعود، وهي منسجمة مع هذا الأصل القرآني. يقول: «كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَتَخَوَّلُنا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ مَخافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنا» أي: «كان رسول الله (ص) يتعاهدنا بالموعظة في الأيام المختلفة، مخافة أن نملّ ونسأم من الموعظة.» [5]
والأجمل من ذلك أنّ هذا المنهج يتوافق تماماً مع كلام الإمام علي (ع) أمير المؤمنين : «إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ، فَابْتَغُوا لَهَا طَرَائِفَ الْحِكَمِ»[6]، أي فكم تمل الأجساد فالقلوب كذلك، فيتعين اتخاذ أساليب مناسبة حكيمة للوصول إليها .
وعليه، فإذا كان المتلقي اليوم يملّ من تكرار نوع واحد من الكلام، فإن الجواب الديني ليس أن نرفع أصواتنا أو نزيد عدد المواعظ. بل ينبغي أن نغيّر الأسلوب: تارةً بالكلام، وتارةً بالسؤال، وتارةً بالحوار، وتارةً بالقصة، وتارةً بالخدمة، وتارةً بصمت يكون أبلغ من مئات الجمل والكلمات .
ادعوا الناس بسيرتكم وحياتكم
من أجمل التوجيهات التربوية في ثقافة أهل البيت (ع)، قول الإمام الصادق (عليه السلام): «كُونُوا دُعَاةَ النَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، لِيَرَوْا مِنْكُمُ الاجْتِهَادَ وَالصِّدْقَ وَالْوَرَعَ» [7]
تحمل هذه الرواية رسالة كبيرة لعصرنا الحاضر: ينبغي أن يكون الدين قابلاً للرؤية والمشاهدة. فإذا طلبنا من شاب أن يكون صادقاً، لكنه لا يرى الصدق في سلوكنا ومعاملتنا، فإن كلامنا يفقد تأثيره. وإذا طلبنا منه أن يحترم الآخرين، بينما نتعامل نحن في البيت والمجتمع بالتحقير والغلظة، فإننا عملياً نعلّمه عكس ما نقوله.
ويقول الإمام الصادق (ع) في تعبير آخر: «مَعَاشِرَ الشِّيعَةِ، كُونُوا لَنَا زَيْناً وَلَا تَكُونُوا عَلَيْنَا شَيْناً، قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، وَاحْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ وَكُفُّوهَا عَنِ الْفُضُولِ وَقَبِيحِ الْقَوْلِ» [8]
ولعلنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لا نحتاج إلى أشخاص يقولون باستمرار: «ماذا يقول الدين؟»، بقدر حاجتنا إلى أناس يرى الآخرون فيهم شيئاً يجعلهم يتساءلون: «ما الذي في هذا الدين من الجمال إلى الحد الذي جعله يصنع منه إنساناً بهذه الصورة؟»
عندها لا تعود الدعوة مجرد كلام؛ بل يتحول الإنسان نفسه إلى وسيلة إعلام للدين.
وصفة النبي (ص) لعصرنا: موعظة أقل، وقدوة أكثر
لا يمكن بناء الجيل الجديد بالأوامر وحدها؛ كما لا يمكن تربية أي جيل بالنصائح وحدها. فالإنسان، ولا سيما عندما يواجه الكثير من الأسئلة والشكوك، ينظر إلى صاحب الكلام قبل أن يثق بالكلام نفسه. إنه يريد أن يرى ما الذي أحدثه ما يسمعه في حياة المتحدث به.
ومن هنا، إذا أردنا أن يحب شابٌ الصلاة، فلا نكتفِ بالحديث عن أهمية الصلاة؛ بل لنجعله يرى إنساناً مصلّياً يكون في الوقت نفسه رحيماً، ملتزماً بوعده، عفيف اليد، جديراً بالثقة.
وإذا تحدثنا عن الحجاب، فلنتحدث إلى جانب الحكم الشرعي عن كرامة المرأة وشخصيتها الإنسانية أيضاً. وإذا تحدثنا عن الحلال والحرام، فلنكن نحن في معاملاتنا وأعمالنا وأسرنا وفضائنا الافتراضي من الاستقامة بحيث لا يرى المتلقي تناقضاً بين «الدين الذي يُقال» و«الدين الذي يُعاش»، ولذا جاءت هذه الآية المباركة لتقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) سورة الصف، الآية : 2 - 3 .
وهذا هو ما يمكن أن نطلق عليه التربية النبوية: موعظة، ولكن في موضعها؛ وحوار، ولكن باحترام؛ واستدلال، ولكن من دون تحقير؛ والأهم من ذلك كله، قدوة وعمل تتكلم قبل اللسان.
فالنبي (ص) لم يصنع الإنسان بخطبة واحدة؛ بل صنع الناس على مدى سنوات من الأخلاق، والمحبة، والصبر، والعفو، والعبادة، والعدل، والحضور إلى جانب الناس.
إن جيل اليوم يحتاج إلى الدين أكثر من أي وقت مضى؛ لكنه يحتاج إلى دين يراه، ويلمس آثاره، ويختبره في الواقع، لا إلى دين يسمعه باستمرار فحسب. ولعل السؤال الأساسي ليس: «لماذا يهرب شاب اليوم من الموعظة؟»؛ بل السؤال الأعمق هو: هل عشنا الدين بجمالٍ يكفي لكي يرغب الشاب في أن يسأل عنه؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
[1] القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 125؛ فضل بن حسن الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ذيل الآية 125 من سورة النحل. وقد ورد نص الآية وشرح «الموعظة الحسنة» في المصدر.
[2] القرآن الكريم، سورة القلم، الآية 4: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
[3] القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية 21: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
[4] القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 159؛ فضل بن حسن الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، ذيل الآية 159 من سورة آل عمران. وقد عدّ الطبرسي لين النبي (ص)، وحسن خلقه، وابتعاده عن العنف من عوامل جذب الناس.
[5] محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب «الموعظة ساعة بعد ساعة»، الحديث 6411؛ وكذلك مسلم، صحيح مسلم، كتاب الفضائل، الحديث 2821؛ والترمذي، سنن الترمذي، الحديث 2855.
[6] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الحكمة 91؛ وانظر أيضاً: عبد الواحد الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، ج2، ص544. وقد ورد نص هذه الحكمة ونسبتها في المصادر المذكورة.
[7] علي بن أبي الفضل الطبرسي، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص101، الحديث 218؛ وكذلك العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج68، ص309. وقد ورد نص الرواية عن الإمام الصادق (ع) بعبارة «كونوا دعاة الناس بغير ألسنتكم...» في المصادر المذكورة.
[8] محمد بن علي بن بابويه (الشيخ الصدوق)، الأمالي، المجلس 62، الحديث 17؛ وكذلك العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج68، ص310. وقد ورد نص الرواية «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً...» في أمالي الصدوق.
تعليقك