مجهول لكن مشهور؛

نظرة على حياة وشخصية البروفيسور مجید شهرياري

نظرة على حياة وشخصية البروفيسور مجید شهرياري

ولد مجيد شهرياري في ديسمبر عام 1966 في مدينة زنجان الواقعة على بعد 330 كيلومتراً غربي طهران. أكمل جميع شهاداته من المدرسة إلى الدكتوراه في التكنولوجيا النووية داخل إيران. كان عالماً إيرانياً بالتمام والكمال.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ ابنا ــ ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي سرداً لمختلف جوانب حياة وشخصيّة العالم النووي الشهيد البروفيسور مجيد شهرياري الذي كان معروفاً بأخلاقه الرفيعة واهتمامه بالبعد المعنوي، والذي  أسس كليّة الهندسة النووية في جامعة الشهيد بهشتي، وكان من الخبراء الأساسيّين الذين حلّوا معضلة فيروس ستاكس نت الذي هدّد في فترة سابقة برنامج إيران النووي، واغتاله الكيان الصهيوني بمشاركة استخبارية لعملائه من زمرة المنافقين.

ستاكس نت! فيروس حاسوبي فتاك، تصدّر عناوين الصحف في صيف 2010. البرمجيات الخبيثة التي كان هدفها الرئيسي التخريب والتجسس على الأنظمة الصناعية. الأنظمة التي تم تركيبها بشكل عام في المنشآت النووية الإيرانية وكان في عهدتها التحكم بهذه المنشآت. في نفس ذلك الوقت الذي كان يتابع فيه الجميع أخبار ستاكس نت وتخريبه، حشد المسؤولون الإيرانيون فريقاً من الباحثين والعلماء والمهندسين الحاذقين لصدّ هذا الفيروس المارق. لكن من بين هؤلاء المتخصصين، أصبح شخص واحد مشهوراً جداً بعد بضعة أشهر: البروفيسور مجيد شهرياري!

العالم الإيراني ذو 44 عاماً، الذي أصبح خبر اغتياله الخبر الرئيسي في وسائل الإعلام العالمية بعد بضعة أشهر، كان من أهم العلماء في الصناعة النووية الإيرانية. كان قد مرّ حوالي شهر أو شهرين منذ أن أصبح مجيد أستاذاً، وظهرت معضلة ستاكس نت. الآن هو وزملاؤه، الشباب الآخرون، المستشارون والعلماء في الصناعة الناشئة، اضطروا لخوض حرب ضد فيروس تم صنعه في مختبرات الحاسوب لأجهزة المخابرات الإسرائيلية والأمريكية. بعد شهرين إلى ثلاثة أشهر، أثمرت جهود مجيد وباقي العلماء الإيرانيين. تم تطهير معظم الأنظمة الإيرانية من ستاكس نت.

لدى الدكتور علي أكبر صالحي، الرئيس السابق لهيئة الطاقة الذرية الإيرانية، سردٌ مثيرٌ للاهتمام حول القدرة العلمية وتواضع شهرياري: «عندما تم تكليفنا بمهمة التخصيب بنسبة 20 %، تم تنظيم تشكيلات كبيرة بمشاركة العلماء في مختلف الاختصاصات. ولكي يتقدم هذا العمل، كان لا بد من إجراء حسابات طارئة. لم يكن لدينا أحد في إيران. حاولنا رفع هذا النقص بطرق مختلفة. لم تصل أيدينا إلى أي مكان. إذا لم يتم تنفيذ هذا الجزء، فسيتوقف الأمر برمته. لقد كان عملاً حساساً وشاقاً جداً. لقد أثرتُ هذه القضية. قال الدكتور شهرياري بهدوئه المعتاد: «أنا سأقوم بهذه الحسابات يا أستاذ». لم يكن هذا قابلاً للتصديق أبداً. أن يقوم بهذه الحسابات شخص غير مدرّب ولم يسافر للخارج. قام شهرياري بهذه المهمة. فقط وفقط شهرياري. لقد أجرى هذه الحسابات ولم يتلق ريالاً واحداً. مهما حاولت؛ لم يأخذ مالاً».

كان مجيد من أهم مستشاري وعلماء الجمهورية الإسلامية في مشروع «سزامي». ولد مجيد في ديسمبر عام 1966 في مدينة زنجان الواقعة على بعد 330 كيلومتراً غربي طهران. أكمل جميع شهاداته من المدرسة إلى الدكتوراه في التكنولوجيا النووية داخل إيران. كان عالماً إيرانياً بالتمام والكمال، أتم التعلّم من حرف الألف إلى الحسابات المعقدة لمفاعلات محطة الطاقة النووية داخل إيران من خلال جامعة إيرانية وأساتذة إيرانيين. يروي أحد طلابه أنني اشتكيت ذات مرة من بعض المشاكل والقصور في حضور الأستاذ شهرياري. كانت إجابة الأستاذ شهرياري واضحة وشفافة. فمع إقراره ببعض المشكلات والقصور، في المحصلة أخبر مجيد طالبه بالبقاء والعمل مع كل هذه المشكلات. قال إنه إذا كنت مع هذا البلد، فعليك البقاء وتحمل بعض الأشياء لأننا لا نستطيع دائماً تغيير الأشخاص والظروف. ولدى زوجته قصة مماثلة لهذه المواضيع أيضاً. تقول الدكتورة بهجت قاسمي، زوجة مجيد، إنه لم يستجب لأي من الدعوات الأجنبية: «ذات مرة قلت على سبيل القول- بالطبع، لم أكن أقصد هذا التفكير؛ لا، بل قلته هكذا - لنترك إيران لبضع سنوات ونبتعد عن هذه الجَلبة. فانزعج مجيد جداً بأن زوجته تقول هذا الكلام. كان يقول نترك بلدنا لنذهب إلى أين؟!»

ومن السمات الأخرى للشهيد شهرياري تمسّكه بالمواقف الدينية والإسلامية. تقول زوجته إن تلاوة القرآن هي من عادات الشهيد شهرياري. كما كان له صوت جميل وكان يقرأ القرآن بأسلوب الأستاذ برهيزكار، أحد القراء الإيرانيين. ينقل أصدقاؤه أنه كان شديد التعلق بصلاة الليل. وكان ممنوع عنده التحدث عن الآخرين بسوء. كان إذا لم يستطع وقف النميمة عن الآخرين لأي سبب كان؛ يترك الجمع. وكان يعتبر كافة نجاحاته هي من عند الله. لدى أحد طلابه خاطرة مثيرة للاهتمام عن المرحلة التي وصل فيها إلى رتبة أستاذ (بروفيسور): «عندما أصبح بروفيسوراً، احتفلوا من أجله. وطلبوا منه التحدث قليلاً. بدأ حديثه بعبارة «وكم من قبيح سترته». أراد أن يقول: لا تظنوا أن كل ما لدي هو هذه الدرجة وهذه الشهادة. لقد أراد أن يقول إن لدي الكثير من القبح الذي ستره الله. ولم يتحدث عن حسناته إطلاقاً في ذلك الاجتماع!». ولدى طالب آخر من طلابه قصة أخرى مثيرة للاهتمام حول تقيّده واهتمامه بالصلاة: «لا أنسى أبداً اهتمام الدكتور بالصلاة في أول وقتها. حتى عندما كنا نذهب إلى الجبل، رأيت أنه عندما يحين الأذان، يجد القبلة بسرعة ويقف للصلاة. كان الدكتور صارماً في عباداته».

ومن السمات الأخرى لشخصية شهرياري اهتمامه بالعلاقات الأسرية وزوجته وأولاده ووالديه. ينقل أحد طلاب شهرياري أنه لم يكن يرد على مكالماته عندما يكون في الصف والتدريس. واستثنى شخص واحد من هذه القاعدة: والدته! في كل مرة كانت تتتصل، كان يجيب. ينقل أقاربه أنه لم يكن يتردد في تقبيل يدَي وقدمَي والدته. تقول زوجته عن علاقات شهرياري الشخصية والعائلية: «في كثير من الأحيان، عندما كان يعود إلى المنزل متأخراً، كنت أقول له ممازحة: هل ضللت طريقك... عجيبٌ أنك في هذه النواحي! كان الدكتور يجيب فقط: إنني آسف. كان ملزماً نفسه بتقديم الهدايا لأفراد الأسرة في المناسبات، حتى لو كانت وردة. كان صديقاً مقرباً للأطفال ويخصص لهم أوقاتاً... هذا الرجل أثراني في الحياة. الحب والعاطفة والنقاء والروحانية أموراً مهمة بالنسبة لي، وكان مجيد يتمتع بكل ذلك معاً وبصورة تامة وكاملة».

في مقام الأستاذ الجامعي، عاملَ شهرياري طلابه مثل عائلته. كان يقول إن الأهل وضعوا أبناءهم في عهدتنا. وفي الوقت نفسه الذي كان صارماً من ناحية النظم والانضباط، كان يتابع بدقة أمور الطلاب الذين يواجهون مشكلات. كان أحد طلابه يعاني من مشاكل مالية وقت زواجه. ساعده شهرياري بمبلغ من المال وأخبره بإعادته متى توفر لديه. ويقول طالب آخر: «لسبب ما لم يتمكن أحد الطلاب من الحضور للكلية لمدة فصلين أو ثلاثة فصول دراسية وكان على وشك الطرد ... ظل الدكتور شهرياري يتابعه حتى أعطاه في النهاية شرطاً بأن يحسّن درجاته فيعيده إلى الصف. لاحقاً، عندما كان ذلك الطالب يدافع عن أطروحته، أحضر والديه زهوراً للدكتور شهرياري بينما لم يكن هو أستاذه المشرف».

لم يكن حسوداً أو بخيلاً في نقل العلم والمعرفة إلى طلابه. يقول أحد طلابه إنه لم يكن بخيلًا في نقل ما تعلّمه. كان يعقد بانتظام ورش عمل، وقد درّب العديد من الطاقات بهذه الطريقة. لدى الدكتور صالحي، الرئيس السابق لهيئة الطاقة الذرية، قصة مماثلة أيضاً: «عندما استشهد كنت قلقت للغاية، لكن شيمة شهرياري كانت إنفاق علمه، ولم أكن قد فكّرت في هذا الموضوع أصلاً. قال لي الشباب لا تقلق. أنشأ الدكتور شهرياري ورشة عمل لنا منذ البداية وعلّمنا عملية حساب التخصيب بنسبة 20%. ذلك العالم، الذي كان يعلم جيداً أن لديه طاقات لا يمتلكها أي شخص آخر في إيران، أقام بسخاء تام ورشة عمل ودرّب حوالي 10-15 شخصاً. قال الشباب نحن الآن نعرف كل شيء».

في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، كانت قد مرّت أسابيع قليلة على تمكّن الإيرانيين من السيطرة على ستاكس نت والتغلّب على هذا الفيروس المشؤوم. وكان قد بقي 8 أيام حتى عيد ميلاد مجيد. 8 أيام متبقية لإكمال 44 سنة والدخول في سن في الـ 45. عالم شاب، رغم أنه غير معروف للكثيرين، إلا أنه كان معروفاً جيداً لدى بعضهم؛ مسؤولو الموساد ووكالة المخابرات المركزية وفرق الاغتيالات التابعة لهما. قبل ثمانية أيام من عيد ميلاد مجيد شهرياري، أدى انفجار قنبلة لاصقة بسيارة على الطريق السريع في شمال شرق طهران إلى جعل اسم شخص عنواناً رئيسياً لوسائل الإعلام العالمية. رجل لا يعرفه الكثيرون ولكنه فعل أشياء عظيمة: البروفيسور الشهيد مجيد شهرياري!
.......
انتهى/ 278


المواضيع ذات الصلة

ارسل تعليقاتك

العناصر الهامة (المُعَلّمَة)

*