آية الله الشيخ محمد أمين المامقاني في حوار له (القسم الثاني)؛

من أحداث الانتفاضة الشعبانية إلى مؤهلات المرجعية وآلية انتقالها

من أحداث الانتفاضة الشعبانية إلى مؤهلات المرجعية وآلية انتقالها

قال السيد الخوئي (قدس سره) مراراً أن الرجل(صدام) قد يدعمه الأمريكان ولعله لن يسقط . قتلوا الشيخ البروجردي بعد صلاة العشاءين علناً قبيل شهر محرم بأيام، ثم الشيخ الغروي بعد ذلك بشهرين.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ ابنا ــ ينتمي آية الله الشيخ محمد أمين المامقاني إلى أسرة علمية عريقة امتازت من بين العوائل العلمية أن جمعت بين شتى صنوف العلم خصوصاً الفقه والأصول والرجال والاخلاق وغيرها.

وقد برز من هذه العائلة عدد غير قليل من الشخصيات المرجعية والتي أخذت زمام المبادرة في البروز بقوة في العلوم المختلفة. وآية الله الشيخ محمد أمين المامقاني(حفظه الله) من أساتذة البحث الخارج في النجف الأشرف وهو من طلبة زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد الخوئي (قدس سره) وقد عرف بتدريسه للدروس الخاصة بالفقه والاصول وقد ربّى عددا من الطلاب المميزين من اساتذة الحوزة العلمية.

التقينا سماحته قبل أشهر في النجف الأشرف حيث استقبلنا برحابة صدر وكان حوارنا معه في مجالات شتى.

وفي ما يلي نص الحوار (القسم الثاني):

ما الذي حصل في الانتفاضة الشعبانية وكيف كانت النجف وباقي المحافظات، وما هو دور الحوزة حينها؟

آية الله المامقاني: كانت الحوزة تشجع الناس بعد خروج صدام من الكويت وانتصار الأمريكيين عليه، نعم تشجعوا وخرجوا في كل محافظة وذهبوا إلى مراكز الشرطة وأخذوا منها الأسلحة فوقعت مواجهات أمام مراكز الجيش ومراكز الحزب وقتلوا منهم الكثير، وقد أثارت تلك المواجهات معظم الناس حتى من ليسوا من حزب الدعوة، والكثير من العائلات تضررت بين من قُتل بالحرب وبين من قُتل على يد قوات الأمن، فالناس متألمة وموجوعة حيث خرجوا لمواجهة الشرطة والأمن ومقرات الحزب للأخذ بالثأر وسقطت معظم المحافظات؛

وعندما شاهد السيد الخوئي (قدس سره) هذا الوضع تدخل شخصياً وطلب من الناس أن لا يذكروا اسم السيد الخميني(ره) بل يبينوا أنهم معارضة تطلب الثأر لابنائها الذين قتلهم صدام، لقد كان تصرفه عقلانياً، فعاد الناس لإصلاح النجف ومنع ما حصل من سرقة للمحلات والاموال العامة والخاصة، نعم لقد اهتم السيد الخوئي(قدس سره) بالإجراءات الإصلاحية وقد لاقى هذا الأمر صدى جيداً واعتذر الناس عمّا قاموا به.

* يعني السيد الخوئي (قدس سره) كان يخمّن أن الوضع لن يستمر هكذا ولن ينجح الناس فيما قاموا به؟

آية الله المامقاني: بلي، قلت لكم أن بعض أتباع السيد الخوئي (قدس سره) وبعض وكلائه كانوا يريدون أن يجعلوها ثورة خمينية جهلاً منهم بعاقبة الامور، وكانوا يصرّحون بذلك، مع أن السيد كان يتوقع أنه لا يتم. نعم قالها لهم بصراحة أن لا تفعلوا ذلك فهذا الأمر لن ينجح. وقال مراراً أن الرجل قد يدعمه الأمريكان ولعله لن يسقط .

* السيد الخوئي (قدس سره) كان يصرّح بذلك؟

آية الله المامقاني: لا، بل كان يشير إليه بالتلميح. كان يكنّي بهذا حذراً من قوات الأمن والمخابرات.

* ما الذي حصل في النجف بعد أن توفي السيد الخوئي (قدس سره)، يعني كيف انتقلت مرجعية النجف؟

آية الله المامقاني: انتقلت المرجعية أكثرها إلى السيد عبد الأعلى السبزواري (ره) لكن بعد أن توفي السيد السبزواري بعد سنة، ذهب المعظم لمرجعية السيد السيستاني وقسم معتد به من المؤمنين قلدوا السيد محمد الصدر.

* يعني توزعت مرجعية السيد الخوئي (قدس سره) بين ثلاثة أشخاص أم لا؟

آية الله المامقاني: في النجف نعم.

* هل كنتم هناك؟

آية الله المامقاني: نعم كنت في النجف وفي ليلة رحيله كنت في بيت السيد السبزواري بعد المغرب بقليل أنا وابنه السيد علي السبزواري وشخص آخر، ثلاثة في الغرفة التي يجلس فيها السيد السبزواري، كان الوضع غير طبيعي وحركة الامن والمخابرات كانت غير عادية هناك عند بيت السيد حيث كان الناس يأتون ويخرجون من بيته فشعرت بأنه أمر مشوّش، لكنه لم يُظهر لي أي شيء، فلما خرجت وبعد ذهابي بعشرة دقائق جاء شخص إلى البيت وقالوا أنه طبيب يعالج السيد فزرقه إبرة قضت عليه.

* الشيخ الغروي والشيخ البروجردي هم من بقوا بعد السيد الخوئي (قدس سره) ؟

آية الله المامقاني: الشيخ الغروي صارت له مرجعية مختصرة يعني عشرة بالمائة من مؤمني العراق تقريباً كانوا يقلدونه، أما الشيخ البروجردي فلا أظن عنده مقلد.

* فماذا عن الشيخ الغروي؟

آية الله المامقاني: الشيخ البروجردي قتلوه بعد صلاة العشاءين علناً قبيل شهر محرم بأيام، ثم الشيخ الغروي بعد ذلك بشهرين، كان عائداً من زيارة سيد الشهداء ليلة الجمعة فمنعوا السيارات من العبور وأفسحوا المجال لسيارته فقط لكي تمر، وكانت تلاحقهم سيارة فيها مسلحين وبعد أن تجاوزوا السيطرة العسكرية بكيلومتر أوقفت جميع السيارات، وقاموا برميهم بالرصاص فقُتل الشيخ الغروي وخمسة أشخاص كانوا معه.

* كان بإمكان صدام أن يأخذه ويقتله كما قتل الشهيد الصدر فلماذا قتلهم بهذه الطريقة؟

آية الله المامقاني: نعم كان باستطاعته فعل ذلك، لكنه قتلهم بهذه الطريقة ليوهم الناس أن جماعة خارجة عن القانون هي من فعلت ذلك، وليبعد الشبهات عن نفسه ولا يقوم بتبنّي هذا الفعل، لقد قام بحملة تغطي على أفعاله هذه وكان يقوم بالإعتقالات بشكل سري، يعني إنّ الضغط العالمي على صدّام أثّر فقط على تغيير نوعية ممارساته الظالمة بينما الإعدامات والقتل مازالت باقية.

نعم، كانت طريقته تصدي أناس خارجين على القانون يقتلون العلماء حتى يوهم الناس انهم ليسوا من أصحابه كي ينفي التهمة عن نفسه ولا يتبنى العمل الاجرامي وكيف يتبنى الإجرام وهو صاحب حملة إيمانية .

* سماحة الشيخ هل هناك شيء خاص تريدون التأكيد عليه خلال فترة سقوط صدام، يعني هل عشت أو سمعت أو تتذكر بأنه حاول صدام بناء حوزة عراقية؟

آية الله المامقاني:  نعم، قبل فترة الحرب بسنين حاول أن يضم الطلبة العراقيين إلى الأوقاف ويعطيهم رواتب، ولكن الطلاب المحترمين لم ينتسبوا إلى الأوقاف بينما انتسب بعض ضعاف النفوس الذين ليس لهم احترام وأخذوا الراتب فلم تنجح وفشلت محاولته.

* يعني هذه الحالة السيئة الموجودة الآن تجاه موضوع العلاقة بين الحوزة والحكومة لها أثرها منذ ذلك الوقت؟

آية الله المامقاني: هناك نوع من عدم العلاقة بين الحوزة والحكومة، صحيح أن الحكومة ليست معادية للحوزة، لكن الحوزة لا تقبل التقرّب من الحكومة، نعم أرادت الحكومة أن تعطي الأوقاف راتباً للطلاب، لكننّا؛ أعني نحن العلماء اتّفقنا على منع ذلك حتى لا يرتبط طالب العلم الشيعي بالسلطة.

طالب العلم السني مرتبط بالأوقاف ويأخذ منها راتب وهذا شيء طبيعي ورائج. من عشرات السنين أرادوا أن يرتبط طالب العلم بالأوقاف ويأخذ منها راتب، دون الشيعة. حتى أن بعض أفراد الحكومة اتصل بالمرجعية وطلبوا منهم الإصلاح، والارتباط وامتنعت الحوزة والمرجعية عن استقباله وقبوله ومن التعاون معهم عليه .. هذا الإحباط الذي لدى الحوزة بسبب سلوكياتهم الشرعية، ثم هؤلاء السياسيون الذين جاؤوا إلى العراق أراد بعضهم أن يعيد ما أراده صدام فلم ينجحوا.

* أنتم في بداية سقوط صدام كنتم متفائلين بأن تأتي حكومة تخدم الحوزة وتخدم المرجعية؟

آية الله المامقاني: الجميع كانوا متفائلين.

* هل حقاً فعلوا ذلك؟

آية الله المامقاني: نعم، وليس بينهم شخص مثل السيد محمد باقر الصدر؛ العالم التقي ليوجههم مثل هذا التوجيه، يدّعون أنهم أتباع الحوزة، أتباع المرجعية، أتباع السيد الصدر، لكنهم في الواقع شيء آخر خارجون على إرادة الشرع الاقدس، سلوكهم يخالف الحق.

* سماحة الشيخ نحن نشهد الآن انفتاحاً بعد سقوط صدّام، هناك مقدّرات وفرص يمكن استخدامها الآن، فما هي تلك المقدّرات التي يمكن للنجف أن تستخدمها في هذا المجال؟

آية الله المامقاني: أهم أرضية هي المحافظة على تقوى الله ونشر علوم أهل البيت عليهم السلام.

* الآن لو تريدون مقارنة وضع النجف بما كان عليه فماذا تقولون؟

آية الله المامقاني: إذا تكلمت أنا يقولون هذا عدو فلان، ولكن يشهد الله أنني لست عدوا لأحد، في كل يوم أدعوا لكل الناس المؤمنين بالولاية العلوية، ولكن غيرتي على الدين والمذهب تجعلني أتكلم، لو كان السيد الخوئي (قدس سره) موجوداً الآن لكان وضع الحوزة أفضل، وأفضل بكثير، عندي معرفة بالتفاصيل.

كما أن السيد الخميني عندما رجع إلى إيران بغض النظر عن الجهة السياسية والقيادة السياسية، كان له دور عظيم في إنعاش الحوزة كما كان له دور عظيم في اصلاح البلاد، كذلك كانت حالة الإصلاح موجودة لدى السيد الخوئي (قدس سره).

* ما هو وضع الدروس في الحوزة الآن؟

آية الله المامقاني: الدروس كثيرة الآن، لكن لا يوجد ذلك الإخلاص في الدراسة، والإنشغال بأمور الدنيا هو السائد، فهناك من يذهب على درس ينتفع منه، ليكتب له مثلاً تقريظاً وتزكية تُقبل عند المرجعية ويأخذ المال، هذا هو المهم وهو خلاف الإخلاص؛ إخلاص النية وإخلاص العمل لله سبحانه وتعالى.

* سماحة الشيخ كان هناك في السابق ميزات فقهية لحوزة النجف، حبذا لو تذكرون لنا تلك الميزات في زمن السيد الخوئي  وفي زمن السيد الحكيم(قدس سرهما)، ماهي ميزات حوزة النجف؟

آية الله المامقاني: نعم، الحوزة في النجف وفي كربلاء في القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر كان فيها نخبة فقهاء الشيعة ومحققوا فقهاء الشيعة، جميعهم كانوا في النجف لذا تأثر الجو الحوزوي بهم، فكانت الأفكار الدقيقة والعميقة عندهم وكانت حالة التقى والورع وبقيت الحالة هكذا.

كما أن حوزة النجف هي دائماً السبّاقة خاصة بوجود السيد الخوئي، والسيد الحكيم قبله، والشيخ النائيني والشيخ الأصفهاني والشيخ الآخوند الخراساني، والشيخ الهمداني والشيخ الأنصاري وصاحب الجواهر(قدس سرهم)، هؤلاء رفعوا مستوى الفكر العلمي والفقه الاستدلالي إلى مستوى عال من الدقة والعمق.

* وهل الأمر لا يزال كذلك؟

آية الله المامقاني: لا، لم يعد الأمر مهماً بل الحصول على المال والجاه هو الاهم.

* تقصدون درس الخارج من هو أهل له؟

آية الله المامقاني: ليس الأمر هكذا، في النجف أكثر من مئة بحث خارج ولكنّ البحوث التي تتسم بالعمق والدقة قليلة.

* شيخنا الجليل، بعد سقوط صدام هل حصلت علاقات علمية بين قم والنجف بالقدر المطلوب؟

آية الله المامقاني: نعم لكن ليست بالشكل المطلوب أو المأمول .

* الآن ما يحدث في قم يصلكم إلى النجف؟

آية الله المامقاني: نعم ينتشر في النجف نوعاً ما، والفضل في هذا يعود للسيد الخميني فهو الذي أسس لذلك.

* كيف ترونه؟

آية الله المامقاني: أنا أنقل لكم في السبعينات كان السيد الخميني في النجف وكنت أصلي صلاة المغرب والعشاء خلف السيد الخميني في مدرسة السيد البروجردي. وكان عندي مكتبة أبيع الكتب في باب الصحن القبلة ومن ثم بعت تلك المكتبة لأخي الكبير، وكان يجيء إلي بعض أصحاب السيد ويطلب مني أن أحضر لهم كل كتاب تفسير يقع في يدي، حيث أنه في ذلك الوقت كان البعثيون قد منعوا استيراد الكتب وكانت الكتب تُطبع في لبنان وتأتي إلى النجف.

لذلك كان يحصل تبادل بالكتب فمنعت وكان يحتاج بعضهم للمال فيبيع ما يمكنه أن يستغني فيبيعه، فقالوا لي أي كتاب تفسير يصل إليك إحجزه لنا لنشتريه منك، فكان عند السيد الخميني رغبة في تأسيس مكتبة قرآنية وأنتج تأسيس النهضة الإسلامية السياسية والعلمية في قم عندما رجع إلى إيران.

* هل ذهبتم إلى قم أو عشتم فيها؟

آية الله المامقاني: الحمد لله ذهبت إلى قم وبقيت فيها مرة ثلاثة أيام لزيارة السيدة الجليلة.

* بالنسبة لحوزة قم الآن.. هل ترون تطوراً يطرأ عليها؟

آية الله المامقاني: هناك وجوه جديدة في قم ولكن أمنيتي أن يحصل تعاون بين مراجع قم ومراجع النجف وأن يتم تبادل المعلومات والتحركات لانعاش الحوزة وهذا جيد جداً.

* كيف يحصل هذا الإنجذاب والتلاحم؟

آية الله المامقاني: يحصل بالإيعاز والتوجيه، فمثلاً أنا طبعت أربع كتب في قم هي فقه الحج خمسة أجزاء، فقه الحدود والتعزيرات مجلد 600 صفحة، فقه القضاء، والأربعون حديثاً واشترطت على الطابع ألف نسخة، على أن ينشر منها خمسمائة نسخة في قم ومثلها في النجف، أنا اشتريتها لنشرها لكنها لم تنتشر لسعي بعض شياطين الحوزة ضدها.

* لا يوجد نشر للكتب بين الحوزتين؟

آية الله المامقاني: هذا صحيح، وهو جانب سلبي من عدة جوانب.

* شيخنا نحن نواجه الآن مسألة التمرجع، ففي قم لدينا على ما أتصور أكثر من مائتين وخمسين رسالة والبعض منهم لم تنبت لحيته بعد، وهناك من تعرفون في الإستخبارات وفي الإعلام، ونحن نذهب الآن من النجف إلى كربلاء فنشاهد صور بعض المراجع وصور بعض المتمرجعين، نحن الآن نواجه هذه الحالة فما هي الأسباب وهل كان هذا الشيء موجود سابقاً؟

آية الله المامقاني: لا لم يكن لها وجود في النجف. مثلا الشيخ حسين الحلي رضوان الله عليه، عاش ومات وهو أهل للمرجعية ولم يهتم بالمرجعية وعندما سألوه لماذا لا تقبل؟ فالشيخ النائيني توفي وأنت من أجلاء تلاميذه، قال لا، السيد الحكيم أولى مني بذلك، بعد وفاة السيد أبو الحسن الاصفهاني، توجه السيد الحكيم للمرجعية وأصبح له شأن كبير بسرعة، لاسيما بعد وفاة السيد البروجردي، وقد قيل للشيخ الحلي: لم لا تتصدى لهذا الأمر، ولم لا تكون ضمن مراجع التقليد، فقال هذا السيد الحكيم أقوى بياناً مني وعنده عشرة أولاد وأنا ليس عندي إلا ولد واحد وهو ليس من أهل العلم.

فجميع مؤهلات المرجعية موجودة لدى السيد الحكيم وبه الكفاية وأنا ليس لدي تلك المؤهلات، مما يكشف عن ديانته وعدم مبالاته بالمرجعية.

هكذا كانت النجف، فالشيخ الأصفهاني رضوان الله عليه من أعاظم فقهائنا وهو أستاذ السيد الحكيم والسيد الخوئي والسيد السبزواري والسيد الميلاني (قدس سرهم) ولم يتصد لها.

* بالنسبة لمسألة الإجازات كيف كانت سابقاً في زمن السيد الخوئي (قدس سره) وما قبل ذلك؟

آية الله المامقاني: إجازة الاجتهاد قليلة جداً ويقال ان السيد الخوئي (قدس سره) لم يعط إجازة الإجتهاد إلا لثلاثة، الشيخ علي الفلسفي، السيد علي السيستاني والسيد محمد باقر الصدر.

* والآخرون كيف كانوا؟

آية الله المامقاني:  لم يكن هناك إجازة اجتهاد في النجف؛ باستثناء قلّة قليلة، أما شفهياً قد تحدث.

* وكيف كان يظهر أن هذا الطالب الذي كان يدرس، مرجع؟

آية الله المامقاني: كان يباحث درس الخارج عشرين سنة أو ما يقاربها ويحضر عنده تلاميذ يسمعون منه قوة استدلاله فيُعرف اجتهاده من البحث، كانت النجف هكذا حتى زمن السيد الخوئي (قدس سره)؛ فاجتهاد الطالب يُعرف بالبحث الخارج الذي يلقيه، الآن بحوث الخارج كثيرة والمواضيع غير دقيقة والبحوث غير عميقة.

* يعني إيعاز المرجع بإحالة المرجع للناس برجوعهم في الإحتياطات أو بالمشاركة في جلسة الإستفتاء، فهل هذا الأمر كان رائجاً في النجف؟

آية الله المامقاني: نعم، السيد الخوئي (قدس سره) كان عنده مجلس استفتاء يحضره العديد من المجتهدين وإن لم يعطِ إجازة الاجتهاد لأحد منهم.

* وهل كان ذلك رائجاً في النجف زمن السيد الحكيم؟

آية الله المامقاني: لا، لم تكن إجازة الاجتهاد رائجة ولا التوجيه بإحالة الإحتياطات لاحد، لا لم يظهر ذلك، بل المكلف هو من يذهب ويبحث ويرجع في الإحتياط الوجوبي، لم يكن هناك إيعاز في زمن السيدين الحكيم والخوئي (قدس سرهما) .

* الآن وحسب التعدد في المرجعية واختلاف الظروف،كيف تكون آلية انتقال المرجعية؛ فنحن لا يوجد لدينا صورة معينة لانتقال المرجعية فكيف كانت المرجعية تنتقل في زمانكم خاصة أنكم شاهدتم عدة مرات انتقال المرجعية بآلية طبيعية؟

آية الله المامقاني:  انا أدركت انتقال المرجعية من السيد الحكيم إلى السيد الخوئي (قدس سره) كنت قد عشتها بالتفصيل، كان عند السيد الخوئي ابنه الكبير السيد جمال، وعند وفاة السيد الحكيم ذهب إلى كبار فضلاء ومجتهدي النجف مثل الشيخ باقر الصدر، السيد محمد تقي بحر العلوم والشيخ محمد تقي الأيرواني والشيخ صدرا البادكوبي؛ يعني كبار العلماء والفضلاء في النجف، ذهب إليهم فاستجاب له سبعة منهم وأعطوه كتابة بأن السيد الخوئي هو الأعلم.


* من ذهب إليهم؟

آية الله المامقاني: السيد جمال الابن الأكبر للسيد الخوئي (قدس سره) وتلك كانت المحاولة الأولى.

المحاولة الثانية ذهب إلى بيوت وجهاء الحوزة وقال لهم تعالوا قفوا مع والدي، الجهاز المرجعي عند والدي صغير فأراد أن يوسّعه، بمجرد أن تجلس قد يطلب منك ذلك وقد لا يطلب…ذهب إلى فلان وفلان بعضهم استجاب وحضر والبعض الآخر لم يستجب، بعض الأشخاص رضي منهم اقل العمل كأن تكتب وصولات قبض الحقوق، يعني بوسائل مختلفة كان يحاول توسيع جهاز المرجعية لوالده، والمهم تحصيله شهادة الاعلمية لوالده من السبعة كبار شخصيات النجف.

* وبالنسبة للسيد الحكيم؟

آية الله المامقاني: السيد الحكيم لم أدرك تأسيس مرجعيته.

* هل تذكرون شيئاً غير الذي تفضّلتم به من علاقات أو من مواقف السيد الخوئي (قدس سره) بالنسبة إلى الامام الخميني؟

آية الله المامقاني: نعم، كان يكنّ له في داخله الإحترام والتقدير لاسيما بعد نجاح الثورة ولم يكن يرضى على أحد أن يتكلم عنه بسوء ولم يتمكن من الكلام علناً.

* حتى لو كان في جمع مختصر ومع الاصحاب مثلاً؟

آية الله المامقاني: نعم كان السيد الخوئي (قدس سره) يتوقع هو ومن حوله أنه وضعت كاميرات أو مسجلات صغيرة في بيته بل كان متأكدا من ذلك.

* متى بدأتم بتدريس البحث الخارج؟

آية الله المامقاني: قبل وفاة السيد الخوئي (قدس سره) بعام ونصف طلب بعض أهل العلم مني بحثا فشرعت في بحث المتاجر على طبق (الرياض) ثم الوكالة والإجارة، ثم شرعت في الطهارة وعطّلت البحث بعد ذلك لأنه طلب مني العودة إلى المكاسب والكفاية والرسائل فدرستها ثلاث سنوات، ثم رجعت وباشرت البحث الخارج، طوال سنوات الحرب كنت أباحث السطوح بشكل متكرر، حتى كان معروفاً أنني أفضل أساتذة الرسائل والمكاسب والكفاية، وفي النجف لم يكن هناك من يصل إليّ في الرسائل، فكنت أكتب هذا لسنوات وبحوثي أغيّرها وعندما انتهيت منها بدأت بحث الخارج دورتان من بحث أصول الفقه ، أكملت الدورة الأولى في عشر سنوات والدورة الثانية في أربعة عشر عام ثم طبعتها في أربعة عشر جزءً .

* السيد الخوئي (قدس سره) هو من شجعكم على فعل هذا؟

آية الله المامقاني: نعم، قلت لكم قبل أن أبدأ لما كنت أحضر عنده، هو قد قال أكثر من مرة أنّ هذا الشيخ يؤمّل فيه الخير الكثير، إنه صاحب بصيرة وسيبلغ الإجتهاد وله نظر قوي .

* عندما بدأت بحث الخارج ما هي الدروس التي كانت موجودة آنذاك زمن صدام؟

آية الله المامقاني:  كانت بحوث الخارج قليلة وكذلك دروس السطوح، كل دروس الخارج ودروس السطوح كانت موجودة ولكن قليلة .

* من كان يدرّس غيركم ؟

آية الله المامقاني: اليوم يباشر الكثير البحث الخارج لكن في تلك الفترة كان شبه معطل، فالسيد سعيد الحكيم كان في السجن، الشيخ إسحاق الفياض والشيخ بشير وقليل غيرهم . ستة أو سبعة. والسيد الحكيم كان يدرس في السجن.

* سماحة الشيخ إذا كان لديكم كلمة اخيرة نستفيد من سماحتكم؟

آية الله المامقاني: حياكم الله، قلت لكم أن أمنيتي أن يحصل تلاقي فكري، وتقارب فكري بين حوزة قم وحوزة النجف عسى حوزة النجف تنتعش، إنّ غيرتي على النجف كبيرة جداً، حقيقة اتمنى أن تعود تلك الحياة العلمية الراقية والدقيقة التي كانت في النجف، وهذا يحتاج إلى جهود حثيثة. من يتردد على النجف من قم يعرف تلك الحالة وكما يقول الشاعر:

قوْمِي هُمُ قَتَلُوا اُمَيْمَ أخِي … فَإذَا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي

يعني إذا تكلمت عن الحوزة فإن ذلك يؤلمني لأنني جزء من الحوزة وجزء من العلماء والحمد لله رب العالمين .

شيخنا الجليل أشكركم من كل قلبي على الوقت الذي منحته لنا ونحن بدورنا استفدنا كثيرا من هذا اللقاء الممتع فلا تنسونا من دعائكم .

حياكم الله وأعزكم الله.
........
انتهى/ 278


المواضيع ذات الصلة

ارسل تعليقاتك

العناصر الهامة (المُعَلّمَة)

*