كيف نميز بين الآيات الناسخة والمنسوخة؟

كيف نميز بين الآيات الناسخة والمنسوخة؟

معرفةُ الآيةِ النّاسخةِ منَ المنسوخةِ يكونُ مِن خلالِ الرّجوعِ إلى علماءِ مدرسةِ أهلِ البيتِ عليهم السّلام الذينَ بيّنوا حقيقةَ هذهِ المسألةِ، وكشفوا الإشكالاتِ التي لم يلتفِت إليها مَن درسَ هذهِ المسألةَ مِن بقيّةِ الفرقِ الإسلاميّةِ الأخرى.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ ابنا ــ وسنجيبُ عَن هذا السؤال باختصارٍ بالإستنادِ إلى ما بيّنَه السيّدُ الخوئيّ (قدّس) في كتابِه النّافع: (البيانُ في تفسيرِ القرآن)، ومَن أرادَ التّفصيلَ فعليهِ الرّجوعُ إلى هذا الكتابِ، فنقولُ:

النّسخُ في اللّغة:

هو الإستكتابُ، كالإستنساخِ والإنتساخِ، وبمعنى النّقلِ والتّحويلِ، ومنهُ تناسخُ المواريثِ والدّهورِ، وبمعنى الإزالةِ، ومنهُ نسخَت الشّمسُ الظلَّ، وقد كثرَ إستعماله في هذا المعنى في ألسنةِ الصّحابةِ والتّابعينَ فكانوا يُطلقونَ على المُخصّصِ والمُقيّدِ لفظَ النّاسخِ . (ينظر: البيانُ في تفسيرِ القرآنِ للسيّدِ الخوئيّ، ص293).

النّسخُ في الإصطلاحِ:

هو رفعُ أمرٍ ثابتٍ في الشريعةِ المُقدّسةِ بارتفاعِ أمدِه وزمانِه، سواءٌ أكانَ ذلكَ الأمرُ المُرتفعُ منَ الأحكامِ التكليفيّةِ أم الوضعيّةِ، وسواءٌ أكانَ منَ المناصبِ الإلهيّةِ أم مِن غيرِها منَ الأمورِ التي ترجعُ إلى اللهِ تعالى بما أنّهُ شارعٌ، وهذا الأخيرُ كما في نسخِ القرآنِ مِن حيثُ التلاوةُ فقط، وإنّما قيّدنا الرّفعَ بالأمرِ الثّابتِ في الشريعةِ ليخرجَ بهِ إرتفاعُ الحُكمِ بسببِ إرتفاعِ موضوعه خارجاً، كإرتفاعِ وجوبِ الصّومِ بإنتهاءِ شهرِ رمضان، و إرتفاعِ وجوبِ الصّلاةِ بخروجِ وقتها، وإرتفاعِ مالكيّةِ شخصٍ لمالِه بسببِ موتِه، فإنَّ هذا النّوعَ مِن إرتفاعِ الأحكامِ لا يُسمّى نسخاً، ولا إشكالَ في إمكانِه ووقوعِه، ولا خلافَ فيه مِن أحدٍ. (ينظر: البيانُ في تفسيرِ القرآنِ للسيّدِ الخوئيّ، ص294).

النّسخُ في الشريعةِ الإسلاميّةِ:

لا خلافَ بينَ المُسلمينَ في وقوعِ النّسخِ، فإنَّ كثيراً مِن أحكامِ الشرائعِ السّابقةِ قَد نُسخَت بأحكامِ الشريعةِ الإسلاميّةِ، وإنَّ جُملةً مِن أحكامِ هذهِ الشريعةِ قد نُسخَت بأحكامٍ أخرى مِن هذهِ الشّريعةِ نفسِها، فقد صرّحَ القرآنُ الكريمُ بنسخِ حكمِ التوجّهِ في الصّلاةِ إلى القبلةِ الأولى، وهذا ممّا لا ريبَ فيه.

وإنّما الكلامُ في أن يكونَ شيءٌ مِن أحكامِ القرآنِ منسوخاً بالقرآنِ، أو بالسنّةِ القطعيّةِ، أو بالإجماعِ، أو بالعقلِ. وقبلَ الخوضِ في البحثِ عَن هذهِ الجهةِ يحسنُ بنا أن نتكلّمَ على أقسامِ النّسخِ، فقد قسّموا النّسخَ في القرآنِ إلى ثلاثةِ أقسام:

1 ـ نسخُ التّلاوةِ دونَ الحكم:

وقد مثّلوا لذلكَ بآيةِ الرّجمِ فقالوا: إنَّ هذهِ الآيةَ كانَت منَ القرآنِ ثمَّ نُسخَت تلاوتُها وبقيَ حكمُها، وهذا القول هوَ نفسُ القولِ بالتّحريف.

2 ـ نسخُ التّلاوةِ والحُكم:

ومثّلوا لنسخِ التّلاوةِ والحُكمِ معاً بما تقدّمَ نقله عَن عائشةَ في الرّوايةِ العاشرةِ مِن نسخِ التّلاوةِ في بحثِ التّحريفِ، والكلامُ في هذا القسمِ كالكلامِ على القسمِ الأوّلِ بعينِه.

3 ـ نسخُ الحُكمِ دونَ التّلاوة:

وهذا القسمُ هوَ المشهورُ بينَ العلماءِ والمُفسّرينَ، وقد ألّفَ فيهِ جماعةٌ منَ العُلماءِ كتباً مستقلّةً، وذكروا فيها النّاسخَ والمنسوخَ. منهم العالمُ الشّهيرُ أبو جعفرٍ النّحّاسِ، والحافظُ المُظفّرُ الفارسي، وخالفَهم في ذلكَ بعضُ المُحقّقينَ، فأنكروا وجودَ المنسوخِ في القرآنِ. وقد إتّفقَ الجميعُ على إمكانِ ذلكَ، وعلى وجودِ آياتٍ في القرآنِ ناسخةً لأحكامٍ ثابتةٍ في الشّرائعِ السّابقةِ، ولأحكامٍ ثابتةٍ في صدرِ الإسلام.

ولتوضيحِ ما هوَ الصّحيحُ في هذا المقامِ نقولُ: إنَّ نسخَ الحُكمِ الثّابتِ في القرآنِ يمكنُ أن يكونَ على أقسامٍ ثلاثةٍ:

1 ـ أنّ الحُكمَ الثابتَ بالقرآنِ يُنسخُ بآيةٍ أخرى منهُ ناظرةٍ إلى الحُكمِ المنسوخِ، ومبيّنةٍ لرفعِه، وهذا القسمُ أيضاً لا إشكالَ فيه، وقد مثّلوا لذلكَ بآيةِ النّجوى.

2 ـ أنّ الحكمَ الثّابتَ بالقرآنِ يُنسخُ بالسّنّةِ المُتواترةِ، أو بالإجماعِ القطعيّ الكاشفِ عن صدورِ النّسخِ عنِ المعصومِ (عليه السّلام) وهذا القسمُ منَ النّسخِ لا إشكالَ فيه عقلاً ونقلاً، فإن ثبتَ في موردٍ فهوَ المُتّبعُ، وإلّا فلا يلتزمُ بالنّسخِ، وقد عرفتَ أنّ النسخَ لا يثبتُ بخبرِ الواحد.

3 ـ إنَّ الحُكمَ الثّابتَ بالقرآنِ يُنسخُ بآيةٍ أخرى غيرِ ناظرةٍ إلى الحكمِ السّابقِ، ولا مبيّنةٍ لرفعِه، وإنّما يلتزمُ بالنّسخِ لمُجرّدِ التّنافي بينَهما فيلتزمُ بأنّ الآيةَ المُتأخّرةَ ناسخةٌ لحكمِ الآيةِ المُتقدّمة.

والتّحقيقُ: أنَّ هذا القسمَ منَ النّسخِ غيرُ واقعٍ في القرآنِ، كيفَ وقد قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: (أفلا يتدبّرونَ القرآنَ ولو كانَ مِن عندِ غيرِ اللهِ لوجدوا فيهِ إختلافاً كثيراً). ( 4: 82)

ولكنَّ كثيراً منَ المُفسّرينَ وغيرهم لم يتأمّلوا حقَّ التّأمّلِ في معاني الآياتِ الكريمةِ، فتوهّموا وقوعَ التّنافي بينَ كثيرٍ منَ الآياتِ، وإلتزموا لأجلِه بأنَّ الآيةَ المُتأخّرةَ ناسخةٌ لحكمِ الآيةِ المُتقدّمةِ، وحتّى أنَّ جُملةً منهم جعلوا منَ التّنافي ما إذا كانَت إحدى الآيتينِ قرينةً عُرفيّةً على بيانِ المُرادِ منَ الآيةِ الأخرى، كالخاصِّ بالنّسبةِ إلى العامِّ، وكالمُقيّدِ بالإضافةِ إلى المُطلقِ، وإلتزموا بالنّسخِ في هذهِ المواردِ وما يشبهُها، ومنشأ هذا قلّةُ التّدبّرِ، أو التّسامحِ في إطلاق لفظِ النّسخِ بمُناسبةِ معناهُ اللغوي، وإستعماله في ذلكَ وإن كانَ شائعاً قبلَ تحقّقِ المعنى المُصطلحِ عليه، ولكنَّ إطلاقَه - بعدَ ذلكَ - مُبتنٍ على التّسامحِ لا محالة. (ينظر: البيانُ في تفسيرِ القرآنِ للسيّدِ الخوئيّ، ص301 -304).
......
انتهى/ 278


المواضيع ذات الصلة

ارسل تعليقاتك

العناصر الهامة (المُعَلّمَة)

*