ربيع القرآن

الدرس القرآني الخامس؛ مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ

الدرس القرآني الخامس؛ مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ

عندما يوجّه العدوّ لك صفعة وتترك هذه الصفعة أثرها، فهذا ”من نفسك“. في حرب أُحُد هجم العدوّ ووجّه ضربته، لكنّ المسلمين تلقّوا تلك الضربة من أنفسهم في واقع الأمر؛ ولو شاء الإنسان عدم تلقّي الضربات، فعليه إدراك دور العدوّ. وإحدى مستلزمات الالتفات والإدراك، هي رؤية العدوّ الذي يسعى لتوجيه الضربة إلينا؛ ويجب أن لا يُغفلونا عن هذا الأمر.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ ابنا ــ ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي خلال أيّام شهر رمضان المبارك  بشكل يومي مجموعة من الدروس القرآنية للإمام الخامنئي التي فسّرها سماحته وشرحها ضمن خطاباته. وقد تمّ إعداد هذه الدّروس تحت عنوان "ربيع القرآن" بشكل تراتبيّ من الجزء الأوّل حتّى الجزء الثلاثين من القرآن الكريم حيث سوف يُنشر في كلّ يومٍ من أيّام الشهر الفضيل درسٌ من هذه الدروس على الموقع الرّسمي وحسابات شبكات التواصل الاجتماعي.

مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا
سورة النساء المباركة ﴿۷۹﴾

كلّ ما هو حسنٌ من الله
حقيقة الشّكر هي أن ينظر الإنسان إلى النّعم على أنّها من عند الله. لا أن يردّد ذلك بلسانه فقط؛ بل أن يعتقد بهذا الأمر من أعماق وجوده بأنّ النعمة التي بيده هي من عند الله. لا أن يكون الأمر على هذا النحو بأن يظنّ بأنّه هو الذي أمّن هذه النعمة لنفسه. فهذا سيجلب الغضب الإلهي ويؤدّي إلى حرمانه من هذه النّعمة الإلهيّة؛ وقد ورد في القرآن: ”إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ“(١)، عندما أقول أنّني اكتسبت هذا العلم وهذه القدرة من تلقاء نفسي، فهذا خطأ. يقول القرآن الكريم: ”مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ“(٢)؛ ”مَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ“(٣)؛ وقد علّمونا في الدعاء بأن نخاطب الله عزّوجل بالقول: ”ما بنا من نعمة فمنكَ وحدك لا شريك لك لا إله إلا أنت“(٤)؛ فأقصى حدّ لقدرتنا هو أن نستطيع جعل أنفسنا لائقين بنعم الله وحافظين لها.
 
الشّكر أمرٌ في غاية الأهميّة. والشعور بأنّ النعمة من عند الله يزيل المشكلات، ويمحو الغرور والتفرعن والتفاخر جرّاء امتلاك النعمة من الإنسان، فيشعر المرء بأنّه لا شيء وأنّ كلّ ما هو عليه ملكٌ للذات الإلهيّة المقدّسة. هو الذي منح وأعطى، وينبغي أن نطلب منه ونتوقّع استمرار النعمة، وينبغي أن نلجأ إليه ونتوسّله ونتضرّع إليه.(٥)

النواقص ناجمة عن سلوكنا
ما نملكه، هو لطف الله. لا ينبغي أن نغترّ بأنفسنا. فالاغترار بالنّفس، مقدّمة الزلل ومقدّمة الانهزام. علينا أن نرى كلّ ما لدينا من لطف وفضل الله (عزّوجل): ”ما أصابكَ من حسنةٍ فمن الله وما أصابكَ من سيّئة فمن نفسك“؛ فكلّ ما هو موجودٌ من تقدّم وتوفيق وإمكانات جيّدة، هو من لطف الله عزّوجل. وكلّ ما لدينا من نواقص هنا وهناك، ناجم عن سلوكنا. علينا أن نراقب تصرّفاتنا.(٦)
لقد واجهت الأمّة الإسلامية العظيمة طوال قرون العديد من التحديات والانحرافات. ونحن ابتعدنا بأنفسنا عن الإسلام وانشغلنا بأمور حذّرنا الإسلام منها. وطوال هذا التاريخ الطويل، انشغلنا بالحروب الأهليّة؛ وشغلتنا القوى الطاغوتيّة. فكانت النتيجة أن عجزت الأمّة الإسلامية العظيمة -طوال قرون متمادية بعد القرون الأولى للإسلام- عن العبور بنفسها نحو الغاية والهدف الذي حدّده لنا نبيّ الإسلام والإسلام العزيز. رغم أنّ الله عزّوجل جعل ثروات ماديّة كثيرة في هذه البلدان الإسلاميّة وكان متاحاً استخدامها بحيث تكون وسيلة لتقدّمنا، لكنّنا غدونا متخلّفين عالميّاً في العلم والصناعة والكثير من مؤشّرات التقدّم. ولم يكن هذا ما قدّره الإسلام لنا؛ بل كان هذا نتيجة لعملنا السيّء وسلوكنا وغفلتنا نحن المسلمين: ”ما أصابكَ من سيّئة فمن نفسك“ (٧).
 
علينا أن نعتبر أنّ نشير بالتقصير إلى أنفسنا عند الفشل
نحن لا ننكر أبداً وجود قصور شخصيّ واجتماعي، ومن الداخل في مختلف أنواع الفشل والمشاكل العديدة التي تعترض طريق المجتمع والأفراد؛ لا شكّ في هذا الأمر؛ ولا أحد ينكره. ”ما أصابكَ من سيّئة فمن نفسك“؛ هذا أمرٌ واضح.(٨)
عندما يوجّه العدوّ لك صفعة وتترك هذه الصفعة أثرها، فهذا ”من نفسك“؛ لا شكّ في هذا الأمر. وفي حرب أُحُد هجم العدوّ ووجّه ضربته، لكنّ المسلمين تلقّوا تلك الضربة من أنفسهم في واقع الأمر؛ إلّا أنّ النقطة المهمّة هي أنّ الإنسان لو شاء عدم تلقّي الضربات، فعليه إدراك دور العدوّ. وإحدى مستلزمات الالتفات والإدراك لاجتناب الضربات، هي رؤية العدوّ الذي يسعى لتوجيه الضربة إلينا؛ ويجب أن لا يُغفلونا عن هذا الأمر.(٩)

الهوامش:
1)    سورة القصص؛ الآية ٧٨
سورة الزّمر؛ الآية ٤٩
٢) سورة النساء؛ الآية ٧٩
٣) سورة النّحل؛ الآية ٥٣
٤) مصباح المتهجّد، الشيخ الطوسى، ج١، ص٧٥. كان الإمام الكاظم (عليه السلام) يقول بعد صلاة العصر: اللهمّ إنّي أعوذ بك من نفسٍ لا تشبع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن علمٍ لا ينفع، ومن دعاءٍ لا يُسمع. اللهمّ إنّي أسألكَ اليُسر بعدَ العُسر والفَرجَ بعد الكَرب والرّخاء بعدَ الشدّة؛ اللهمّ ما بنا من نعمةٍ فمنكَ، لا إله إلّا أنت أستغفركَ وأتوبُ إليك.
٥) كلمته في لقاء مع نواب مجلس الشورى ٢٨/٥/١٩٩٧
٦) كلمته في لقاء مع رؤساء العشائر في كردستان ١٤/٥/٢٠٠٩
٧) كلمته في لقاء مع مسؤولي النظام ١٩/٥/٢٠٠٣
٨) كلمته في لقاء مع أعضاء مجلس خبراء القيادة ٢٤/٩/٢٠٠٩
٩) كلمته في لقاء مع أعضاء مجلس خبراء القيادة ٢٤/٩/٢٠٠٩
.........
انتهى/ 278


المواضيع ذات الصلة

ارسل تعليقاتك

العناصر الهامة (المُعَلّمَة)

*