ربيع القرآن

خصائص المتّقين الستّ في القرآن الكريم

خصائص المتّقين الستّ في القرآن الكريم

«هدی للمتقین»؛ تعني أنّه لو كان هناك شخصاً غير متديّن أيضاً، لكنّه من أصحاب التّقوى -قد لا يكون أحدهم متديّناً، لكنّه من أهل التقوى- فسوف يهتدي بالقرآن بلا شكّ وسيصبح مؤمناً. وفيما يخصّ المؤمن، قد لا يثبت على هذا الإيمان إن لم يراعِ التّقوى. يرتبط الأمر بحظّه وبخته: فهو سوف يبقى على الإيمان إذا تواجد ضمن أجواء الصّلاح.

وفقا لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ــ ابنا ــ ينشر موقع KHAMENEI.IR الإعلامي خلال أيّام شهر رمضان المبارك  بشكل يومي مجموعة من الدروس القرآنية للإمام الخامنئي التي فسّرها سماحته وشرحها ضمن خطاباته. وقد تمّ إعداد هذه الدّروس تحت عنوان "ربيع القرآن" بشكل تراتبيّ من الجزء الأوّل حتّى الجزء الثلاثين من القرآن الكريم حيث سوف يُنشر في كلّ يومٍ من أيّام الشهر الفضيل درسٌ من هذه الدروس على الموقع الرّسمي وحسابات شبكات التواصل الاجتماعي.

ذٰلِكَ الکِتابُ لا رَیبَ ۛ فیهِ هُدًی لِلمُتَّقین﴿٢﴾ الَّذینَ یُؤمِنونَ بِالغَیبِ وَیُقیمونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقناهُم یُنفِقونَ﴿٣﴾ وَالَّذینَ یُؤمِنونَ بِما أُنزِلَ إِلَیكَ وَما أُنزِلَ مِن قَبلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُم یوقِنونَ﴿٤﴾
سورة البقرة المباركة؛ الآيات ٢،٣،٤
     

لا شكّ في أنّ المتّقين سيهتدون بالقرآن
التقوى تعني الاجتناب من خلال الحركة لا السّكون، فأحياناً قد تجتنب وأنت في حالٍ من السّكون، أي فلتذهب إلى منزلك ولا تتعاطَ مع أيّ شيء ولتجتنب الاصطدام بالجبل والوقوع في الهاوية باجتنابك لقيادة السيارة، اجتناب تسلّق الجبال وعدم الخوض في حقل الأشواك كي لا تصيبك نعرات الأشواك، هذا أحد أنواع الاجتناب والإسلام لا يوصيكم به. بل يقول لكم أن خوضوا غمار الأحداث وواجهوا الوقائع وقوموا حينها بالاجتناب. كالسائق الذي يقود سيارته لكنّه يمارس الاجتناب أيضاً وهذا الاجتناب هو عينه ما وُصف بتوخّي الحذر ومراقبة النّفس.(۱)
يقول القرآن الكريم: «هدی للمتقین»(۲)؛ ولا يقول «هدی للمؤمنین». ”هدى للمتّقين“؛ تعني أنّه لو كان هناك شخصاً غير متديّن أيضاً، لكنّه من أصحاب التّقوى -قد لا يكون أحدهم متديّناً، لكنّهم من أهل التقوى بالمعنى الذي ذكرته- فسوف يهتدي بالقرآن بلا شكّ وسيصبح مؤمناً. وفيما يخصّ المؤمن، قد لا يثبت على هذا الإيمان إن لم يراعِ التّقوى. يرتبط الأمر بحظّه وبخته: فهو سوف يبقى على الإيمان إذا تواجد ضمن أجواء الصّلاح، وسوف يفقد إيمانه إن لم يكن ضمن أجواء الصّلاح. (۳)

خصائص المتّقين   
«الذین یؤمنون بالغیب و یقیمون الصلوة و مما رزقناهم ینفقون»(٤): ولهؤلاء المتّقين ستّ خصائص وهذه الخصائص الستّ لدى الإنسان، هي في الحقيقة العناصر التي تشكّل التقوى بحيث أنّ تلك التقوى الصحيحة والعينيّة تتوفّر في الإنسان من خلال هذه العناصر الستّ؛ ويجب طبعاً عدم نسيان ما قلته في الجلسة السابقة: تساعد هذه التقوى الإنسان في كافّة المراحل، أي عندما تملكون سهماً من التقوى سوف تفهمون شيئاً من القرآن الكريم وتهتدون به، ومع ازدياد نسبة هذه التقوى سوف تتضاعف نسبة فهمكم للقرآن، وأيضاً ذاك الإنسان الذي بلغ حدّاً عالياً من التّقوى، سوف يدرك المزيد من النّقاط الدقيقة والجديدة في القرآن الكريم بقدر ارتفاع نسبة روحيّة التقوى لديه وهذا لا يقتصر على البداية ومراحل التقوى الأولى بحيث نقول بأن عليكم أن تصبحوا أصحاب تقوى إذا أردتم فهم شيء ما من القرآن الكريم وأن اكتسبوا التقوى والوعي والدقّة ثمّ غوصوا في أعماق القرآن، لا؛ بقدر ما تتضاعف نسبة تقوى الإنسان يرتفع منسوب فهم الإنسان، وهذه الخصائص الستّ تشكّل مقدّمة لبلوغ الإنسان مستوى مقبولاً من التقوى، أو دعنا نقول أنّ الحدّ الأدنى الضروري من مستوى التقوى الذي يكتسبه الإنسان.

الف) الإيمان بالغيب
الخاصيّة الأولى هي: «الذین یؤمنون بالغیب». أي أولئك الذين يوقنون بالغيب. ذُكر الإيمان بالغيب في القرآن في أماكن متعددة تحت عنوان الخشية بالغيب والالتفات بالغيب، ففي مكانٍ ما من القرآن الكريم ورد قول الله عزّوجل: ”وخشي الرّحمن بالغيب“(۵) وهناك آيات أخرى من هذا القبيل؛ والغيب يعني ما يخفى عن حواس الإنسان وإنّ عالم الوجود كلّه مقسّمٌ بين الغيب والشهادة، والشهادة تعني عالمنا المشهود، طبعاً ليس المشهود بالعين فقط، بل المشهود بالحواس، ما تلمسونه ويمثل أمامكم، وما يمثل أمام سكّين الجراحة خاصّتكم، وما يُرى بالمرصد خاصّتكم الذي يغوص في أنحاء العالم، وما يُرى تحت مجهركم: ما ترونه وتسمعونه وما تلمسونه وتشعرون به جزء من هذه الشهادة والعالم يتخطّى هذه الحدود إلى ما وراء هذه الشهادة، فالوجود ليس محصوراً بما نراه ونستطيع رؤيته أنا وأنتم ونحن البشر. بل إنّ الوجود يشمل مناطق ونواحٍ يعجز شعور المرء عن إدراكها، أي عالم الغيب؛ وهنا الحدّ الفاصل بين الرؤى الكونيّة الإلهيّة والرؤى الماديّة.
تقول الرؤية الماديّة: ما نراه موجودٌ وله كيانه. لكن ما لا نراه ليس موجوداً. طبعاً قد يكون هناك شيءٌ لا نراه اليوم ونراه غداَ، ذاك الشيء موجودٌ أيضاً. هذه الرؤية الماديّة الضيّقة، أنانيّة وتحدّ الإنسان، ما هو دليلك على قولك بعدم وجود ما لا تراه؟ عليك أن تكون قد أدركت ذلك ببصرك عندما تحكم بوجود أو عدم وجود شيء معيّن! عليك أن تثبت اعتقادك بوجود شيء ما! فكيف تؤكّد عدم وجود شيء دون إثبات ذلك؟ المادّي يفتقد أي دليل على إنكار وجود عالم الغيب. فهو يقول، أنا لا أرى عالم الغيب ولا علم لي به؛ وفي الوقت ذاته الذي يقول فيه لا علم لديّ به، يقول بشكل قاطع بأنّه غير موجود!! السؤال الأوّل الذي ينبغي توجيهه إليه هو: كيف تدّعي عدم وجوده عندما تعتقد بعدم علمك بوجوده؟ لذلك وردت في القرآن الكريم هذه التعبيرات بشأن الماديّين والملحدين والدهريّين، أي أولئك الذين ينكرون ماوراء عالم المادّة: ”إن هم إلّا يظنّون“(٦) أي أنّ كلامهم يعتمد على الظنّ. ”وإن هم إلّا يخرصون“(٧) ويتحدّثون مع بعضهم البعض.

ب) إقامة الصّلاة
لكنّ الشرط الثاني لـ“الذين يؤمنون بالغيب“ هو إقامة الصّلاة التي تمثّل إحدى خصائص المتّقين، ”ويقيمون الصّلوة“.  لقد قلت مراراً أنّ إقامة الصّلاة تختلف عن أداء الصلاة، وللأسف نلاحظ في بعض الترجمات أنّهم يكتبون ما يوحي بمعنى ”ويؤدّون الصّلاة“، بينما الكلمة المناسبة لهذا المعنى هي في العربيّة ”يصلّون“ و“يقيمون الصلوة“ تنطوي على معنى آخر،  إقامة الصّلاة إذاً لها مرتبة أرقى من مجرّد أداء الصلاة، وهي تشمل أداء الصلاة طبعاً. أي إذا كنتم تريدون أن تكونوا من مقيمي الصّلاة فإنّكم لا تستطيعون التخلّي عن أداء الصّلاة. إقامة الصّلاة تعني ترويج هذا الواجب وهذه الحقيقة اللطيفة  في المجتمع والبيئة المحيطة وجعل البيئة بيئة صلاة ودعوة الآخر للصلاة وأداء الصّلاة بخشوع، وإحياء مفاهيم الصّلاة وتجسيدها في الحياة العمليّة، والمفهوم الأساسي للصلاة هو: خضوع الإنسان أمام الخالق وتنفيذه لأمر ربّه، هذا هو العنصر الرئيسي في الصلاة وهناك أمورٌ أخرى على هامشها. إذاً، شرط التقوى الثاني هو إقامة الصّلاة ”يقيمون الصّلاة“ وما قلناه سابقاً: ”الذين يؤمنون بالغيب“، أي إنّ إحدى مقوّمات التقوى كانت في الرؤية الكونيّة وهذه الثانية هي إقامة الصّلاة، وهي من مقوّمات التقوى في عالم بناء الذات. وبناء الذات أمرٌ بالغ الأهميّة.

ج) الإنفاق في سبيل الله
”وممّا رزقناهم يُنفقون“. حسناً، هل الإنفاق هو الزّكاة نفسها التي وردت في كتب الفقه وهي ترتبط بتسع أمور ولا وجود للزكاة في غير تلك الحالات التسع؟ لا، ليس الأمر على هذا النّحو. طبعاً قد تكون هناك آراء فقهيّة أخرى بشأن الزّكاة، بحيث تشمل دائرة الزكاة رقعة أكبر ممّا هو موجودٌ في هذه الحالات التسع لكن على كلّ حال ليس ذلك الإنفاق المقصود وهو يتعدّاه.
الإنفاق يعني بذل المال، ومن البديهي أن المراد من هذا البذل، ليس البذل الذي يبذله الإنسان لنفسه، لأنّ كلّ إنسانٍ يبذل من أجل نفسه وعديمو التقوى يبذلون أغلب مالهم من أجل طعامهم وملبسهم ولذائذهم وشهواتهم. إذاً، ليس المروم ذلك البذل، بل الإنفاق في سبيل الله. أي أنّ البذل والإنفاق في سبيل الأهداف السامية والمبادئ الإلهيّة ذو أهميّة فائقة!(۸)
   
د و هـ) الإيمان برسول الإسلام والرّسل السابقين
وفيما يخصّ الآية التالية: ”والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك“(۹). توجد هناك خصوصيّتان. الأولى: تمّ تخصيص الإيمان بالوحي في كلتا الجملتين وهاتان الجملتان مشتركتان في المعنى. أي إنّ إحدى العلامات والعناصر والأسس التي تشكّل تلك التقوى التي توصلنا إلى الهداية وتغمرنا بالنور الإنساني، هي الإيمان بالوحي وقبوله، لكنّ هذا الوحي يشمل الوحي المطلق لرسول الإسلام أو سائر الرّسل.
فالخصوصيّة الأولى إذاً هي ما ورد في هاتين الفقرتين والعبارتين، أساس الإيمان بالوحي وهذا يشكّل عنصراً ضروريّاً في تشكيل شخصيّة تقيّة! قد يؤمن أحدهم بالله عزّوجل ولا يؤمن بالوحي، هذا ليس كافياً، لأنّه قد ذكر في القرآن في موارد عديدة بعد إطاعة الله، أن أطيعوا الرّسول؛ «أطیعوا الله و أطیعوا الرسول»(۱۰). بينما ستقولون أنتم أتباع النّبي (ص): من الواضح أنّني أطعت الرّسول أيضاً عندما أطعت الله عزّوجل. نعم، أنتم كذلك لأنّكم تعتقدون بالرّسول (أي بالوحي)، لكن من لا يعتقد بالوحي، لن يعتقد أيضاً بالرسول. (…) إذاً، الاعتقاد بالوحي والإيمان بأصل الوحي شرطٌ أساسيّ وعنصرٌ ضروري! لكن ما هو الوحي؟ هذا الموضوع يُناقش في البحث المعرفي الذي يحدد ماهيّة وحقيقة الوحي. ولن نخوض في هذا البحث الآن. (…)

و) اليقين بوجود الآخرة
”وبالآخرة هم يوقنون“. اليقين بالآخرة دليل سادس والآخرة هي النشأة والمرحلة التي تلي الدنيا ويطلقون عليها هذا الاسم لكونها متأخّرة عن الدنيا ويسمّون الدنيا بهذا الاسم لأنّها المرحلة الأقرب منّا ونحن نعيش فيها الآن، إذاً إحدى علامات التقوى أو المتّقي، هي اليقين بالآخرة، وقد قلنا مراراً: من أركان وأسس وأسباب التديّن والتقوى الأساسيّة، اليقين بوجود الآخرة. وهي مرحلة سامية، لذلك لا يكفي الظنّ بوجود آخرة. (…)
وأنتم لا تجدون في أصول المعتقدات الإسلاميّة عقيدة منقطعة عن الحياة والعمل والاعتقاد بالآخرة ويوم القيامة والاعتقاد بالحساب والجزاء لأيّ عمل؛ والتيقّن بهذه الأمور له آثار عديدة على الحياة وسوف يكوّن صورتها. لذلك كما ورد في القرآن أيضاً: من الأعمال الأولى التي تقوم بها الأديان ترسيخ العقيدة في أذهان الناس وإفهامهم بأنّ حياتكم لن تنتهي بالموت، بل هناك ما بعد الموت أيضاً حياة وحساب وجزاء، وأن يُفهموا الناس بأن هنا ساحة العمل وهناك تُحصد نتائج الأعمال. (۱۱)

الهوامش:
١) كلمته في الجلسة الثامنة لتفسير سورة البقرة  ١٦/١٠/١٩٩١
۲) سورة البقرة؛ الآية ٢
٣) كلمته في لقاء جموع من الشباب ٢٧/٤/١٩٩٨
٤) سورة البقرة؛ الآية ٣
٥) سورة يس؛ الآية ١١
٦) سورة البقرة؛ الآية ٧٨
سورة الجاثية؛ الآية ٢٤
۷) سورة الأنعام؛ الآية ١١٦
سورة يس؛ الآية ٦٦
سورة الزّخرف؛ الآية ٢٠
٨) كلمته في الجلسة الثامنة لتفسير سورة البقرة  ١٦/١٠/١٩٩١
۹) سورة البقرة؛ الآية ٤
۱۰) سورة النساء؛ الآية ٥٩
سورة المائدة؛ الآية ٩٢
سورة النّور؛ الآية ٥٤
١١) كلمته في الجلسة الثامنة لتفسير سورة البقرة  ١٦/١٠/١٩٩١
.........
انتهى/ 278


المواضيع ذات الصلة

ارسل تعليقاتك

العناصر الهامة (المُعَلّمَة)

*

All Content by AhlulBayt (a.s.) News Agency - ABNA is licensed under a Creative Commons Attribution 4.0 International License