احتواء إيران.. التطوّر التاريخيّ والمفاهيميّ

احتواء إيران.. التطوّر التاريخيّ والمفاهيميّ

يعود مفهوم "الاحتواء" إلى فترة الحرب الباردة (1947- 1991) التي دارت بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، واتخذت طابع المواجهة السياسية والأيديولوجية، وأحياناً العسكرية غير المباشرة.

وكالة أهل البيت(ع) للأنباء ـ ابنا / قسم التحلیل السیاسي:

يعود مفهوم "الاحتواء" (Containment) إلى فترة الحرب الباردة التي دارت بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، واتخذت طابع المواجهة السياسية والأيديولوجية، وأحياناً العسكرية غير المباشرة.

الدکتورة «مریم خلیل» في مقالة علمیة دارست هذا المفهوم من منظار السياسة الأميركية في مواجهة نظام الجمهوریة الإسلامیة في إیران.

إلیکم نص هذه المقالة التي نشرها موقع قناة المیادین:

    

**   احتواء إيران.. التطوّر التاريخيّ والمفاهيميّ   **

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم: مريم رضا خليل
(دكتوراه في علم الاجتماع السياسي)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سعت الولايات المتحدة الأميركيّة بعد الحرب العالميّة الثانية إلى مواجهة نفوذ التوسع الشيوعي والاتحاد السوفياتي على وجه الخصوص، فعمدت إلى التنظير لاستراتيجية تكون فاعلة وغير مكلفة، تتجنَّب فيها الخسائر قدر الإمكان، وتقضي على الخصم أو المنافس بطريقة غير مباشرة، أشبه ما تكون بتفكيك المفاصل الأساسية، بحيث ينهار الكيان المستهدف "بعيوبه" والخلل الذاتي فيه بطريقة تلقائية تدريجية.

هذه الاستراتيجيّة هي "الاحتواء"، وهي تشكّل "القوة المضادة" الأميركية لحظر التوسع السياسيّ وتقويض الاقتصاد ومنع "العدوان" العسكري للخصم، سواء كانت الخصومة والمنافسة أيديولوجيّة أو جيوستراتيجيّة. قامت السياسة على فك التحالفات، وتشويه العلاقات، والتخريب الأمني والاغتيالات، والمحاصرة عبر الحكومات المعارضة، واحتواء النخب، وإحداث الانشقاقات، والحصار الاقتصادي.

ويعدّ "الاحتواء" استراتيجية أميركية في مواجهة نفوذ الدول والأحزاب على حد سواء، فكما عملت الولايات المتحدة الأميركية على احتواء نفوذ الاتحاد السوفياتي، حاصرت بالطريقة ذاتها الأحزاب الشيوعية الأوروبية في إيطاليا وغيرها من الدول.

بعد تفكيك الكتلة السوفياتية والعقيدة الشيوعية، وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة عقيدة خصم أخرى تتهدد نفوذها وطموحاتها التوسعية، هي عقيدة النظام الثوري الإيراني، بما يحمله من فكر تحرري مقاوم ومناهض للهيمنة والسيطرة. وكانت القضية المركزية لصنّاع السياسة الأميركية طوال الأعوام الأربعين الماضية هي ماهية سياسة الولايات المتحدة حيال إيران.

حضرت سياسة "الاحتواء" تقريباً في كل الإدارات الأميركية المتعاقبة على اختلاف تجلياتها وتفاوت درجاتها. كيف قاربت الولايات المتحدة إيران ودورها الإقليميّ المتصاعد؟ وهل تعتمد استراتيجية "الاحتواء" في مواجهتها؟ وكيف نضجت المقاربة؟ وما هي مراحلها التطورية؟ وفي أيِّ اتجاه؟
المقاربة السياسيّة.. النشأة والظروف

يعود مفهوم "الاحتواء" إلى فترة الحرب الباردة (1947- 1991) التي دارت بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، واتخذت طابع المواجهة السياسية والأيديولوجية، وأحياناً العسكرية غير المباشرة.

يعبّر "الاحتواء" عن استراتيجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترومان (1945 -1953) لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفياتي ومنع تزايد انتشار النفوذ الشيوعي. أطّرت الحرب الباردة الصراع بالهيمنة والسيطرة على القوة بالأساليب الخفية وغير المباشرة من دون حد التصادم والاشتباك، نظراً إلى ارتفاع تكاليف الصراع ودخول العامل النووي فيه لاحقاً.

دخل "الاحتواء" القاموس السياسي مع ما قدّمه الدبلوماسي في سفارة الولايات المتحدة في روسيا، جورج كينان، الموكل بمهمة التخطيط لسياسات وزارة الخارجية، من طرح جديد عرِف معه بـ"مهندس الحرب الباردة". لقد قدّم رؤية جديدة لشكل الصراع بين البلدين، قوامها تحويل الصراع من "الصدام المباشر" إلى "الاحتواء"، بحيث يواجَه ضغط السياسة الخارجية السوفياتية بـ"السد الطويل والصبور، لكن الحازم، والحذر من الاتجاهات الروسية التوسعية".

ودعا كلارك كليفورد، مستشار الرئيس ترومان، إلى "مهمة أمنية أميركية عالمية تحضن كل الأقطار الديمقراطية" لمواجهة الزحف الشيوعي باتجاه وسط أوروبا وشرقها وإمكانية توسّع انتشاره. وأضحت نظرية كينان، "مهندس الحرب الباردة"، مبدأ السياسات الأميركية في محاولات إحكام الهيمنة والسيطرة، بما ينتزع معه المبادرة من العدو أو المنافس، أو تليين القوة المنافسة أو المعادية تدريجيّاً، بما قد يؤدي إلى تغيير موقفها أو تفككها، وصولاً إلى الانهيار والاختفاء تلقائيّاً.

بهذا المعنى، صار "الاحتواء" سياسة تتبعها الولايات المتحدة لاستنزاف خصومها، وتستثمر في طريق الحد من القوة وقمع نموها العديد من الأدوات والوسائل، منها محاولات فرض العزلة والسيطرة اقتصاديّاً وسياسيّاً، وحماية التحالفات الموالية، وتفكيك التحالفات المعادية، والحصار الاقتصادي، والدعاية، ومنع التوسع العسكري، والردع، ودعم خصوم العدو، ومحاولات الاختراق والتغلغل، وإثارة النزاعات الداخلية، واستقطاب البيئات الاجتماعية.

ومع نجاح "الاحتواء" مع الاتحاد السوفياتي، استخدمت هذه السياسة تجاه عدة دول أخرى، بما في ذلك الصين وكوريا الشمالية وكوبا وليبيا ونيكاراغوا وأنغولا وإثيوبيا. وفي منطقة غرب آسيا تحديداً، لجأت الولايات المتحدة إلى الاحتواء ضد إيران منذ الثورة الإسلامية (1979) بعدة خيارات، والعراق (1991-2003) بعد "عاصفة الصحراء"، وأفغانستان (1989 -2001). ويستعرض بولاك سياسة احتواء إيران في ورقة، ويبدو أنها السياسة الأمثل لإدارة بايدن حتى اللحظة الراهنة.

* التطور التاريخي

ربطت الولايات المتحدة في مفهوم "الاحتواء" بين مواجهة نفوذ الاتحاد السوفياتي وحفظ النظام الأمني العالمي، وبقيت سياسة "الاحتواء" معتمدة بعد النجاح في تفكيك الاتحاد في أوائل التسعينيات (1991)، حتى مع انتهاء تلك الحقبة من الحرب الباردة.

لقد بدأ القلق الأميركي من نفوذ النظام الإيراني الجديد يتصاعد تدريجيّاً، ولا سيما في ظل التجربة النموذجية للحكم، التي كان النظام الجمهوري الإسلامي مصراً على تقديمها، رغم كل الاستحقاقات في رفض الخضوع للإملاءات الأميركية ودعم حركات التحرّر.

استمرَّت مهمة سياسة استنزاف النظام الجمهوري الإسلامي منذ قيامه في كل الإدارات الأميركية المتعاقبة، من أواخر عهد الولاية الثانية للرئيس كارتر (1977-1981)، مروراً بعهد كل من الرئيس ريغان (1981–1989)، والرئيس بوش (1989- 1993)، والرئيس كلينتون (1993- 2001)، والرئيس بوش الابن (2001- 2009)، والرئيس أوباما (2009-2016)، إلى عهد الرئيس ترامب (2016- 2021).

وتنضوي سياسات الاستنزاف الجارية طوال تلك الفترة حتى عهد الإدارة الحالية مع الرئيس بايدن تحت مظلة الاحتواء نظريّاً وعمليّاً. ولم يغير مسار إدارة ترامب المختلف عما سبق في النهج تجاه المنطقة القاعدة الكلية الحاكمة في المؤسسة الأميركية، لجهة ضرورة احتواء ما تراه من "تحديات إيرانية" فيها.

يعدّ "الاحتواء" السياسة المعتمدة الأميركية كلّما كانت العلاقات الدبلوماسية الطبيعية مستحيلة، وفقاً للمحلل السابق في وكالة المخابرات المركزية على مدى 25 عاماً كينيث بولاك[1]. ويمكن القول إنها السياسة المعتمدة كلما كانت الحرب غامضة النتائج. وقد حضرت سياسة "الاحتواء" في مواجهة إيران منذ قيام الثورة الإسلامية (1979)، وإن كانت سياسة معتمدة آنذاك غير متبنّاة بقوة من الإدارة الأميركية.

* التطور المفاهيمي

لقد تطور مفهوم "الاحتواء" بما يتناسب مع استراتيجيات الإدارات المختلفة وسياساتها الخارجية. ويكشف مسار الاحتواء الأميركي لإيران على مدى العقود الأربعة الماضية عدة مفاهيم، منها الاحتواء الإلغائي و"الاحتواء الخاص، والاحتواء الساكن، والاحتواء المزدوج، والاحتواء الصارم"[2]، والاحتواء المتجدد، والاحتواء الدبلوماسي، والاحتواء التصعيدي.

1. الاحتواء الإلغائي

ظهرت أولى محاولات احتواء إيران مع إدارة الرئيس كارتر، التي "حاولت دحر الثورة عبر إرسال جنرال أميركي كبير له علاقات وثيقة مع القادة العسكريين الإيرانيين لتشجيعهم على الإمساك بالسلطة". وعندما فشلت المناورة، عكست واشنطن المسار، وعرضت على النظام الجديد إقامة علاقات معه، لكن استيلاء الطلاب الإيرانيين على السفارة الأميركية في طهران، "وكر التجسس"، كان بمثابة الرد على العرض الأميركي، ثم بدأت مرحلة احتواء إيران ما بعد الثورة مباشرة، من خلال الحرب بالوكالة عبر النظام العراقي برئاسة صدام حسين (1980).

بعبارة أخرى، "الاحتواء" في عهد كارتر هو الاحتواء ذو الأهداف العالية؛ الأهداف الإلغائية والقضاء النهائي على النظام وفق توقعات الإدارة الأميركية وتطلّعاتها للقضاء على النظام الوليد في أوائل عهده. من هنا، أطلقنا عليه "الاحتواء الإلغائي".

2. الاحتواء الخاص

اعتمدت إدارة ريغان "الاحتواء الخاص"، لأنها اعتمدت على سياسة خاصة بها، قوامها "بناء قوات عسكرية أميركية في الخليج، وزيادة مبيعات السلاح للسعودية وغيرها من دول مجلس التعاون الخليجي، وتجديد الدعم العسكري والأمني للعراق في حربه ضد إيران، وإمداد الأول بالأسلحة التي دفع ثمنها حلفاء الولايات المتحدة في الخليج".

ابتعدت إدارة ريغان لفترة وجيزة عن سياسة "الاحتواء" عندما حاولت التقارب التكتيكي مع طهران في منتصف الثمانينيات لمساعدة الأميركيين في تحريرهم، لكن بعد خروج صفقة الأسلحة المذلة للأميركيين مقابل الرهائن الموجودين في لبنان إلى العلن، عادت الولايات المتحدة إلى "نسخة مقيدة من الاحتواء" ضد إيران، فوافقت بعد تردد على نشر سفن أميركية إضافية في الخليج في العامين 1986-1987، بذريعة الدفاع عن الناقلات النفط العربية الخليجية، لكن أصدرت الإدارة قواعد اشتباك صارمة، تدخّلت واشنطن بموجبها مراراً لمنع الصراع مع طهران واعتماد ضربات أميركية محدودة[3].

3. الاحتواء الساكن

في ولاية الرئيس بوش، اعتمِدت سياسة "الاحتواء الساكن" لإيران إثر حرب الخليج الثانية، في ما عرف بـ"حرب تحرير الكويت" من الاجتياح العراقي (1990-1991)، وهي الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق، بدعم من قوات التحالف المكونة من 34 دولة.

ويفسَّر شكل "الاحتواء" بلحاظ ما عمدت إليه واشنطن بعد الحرب من تجاهل عملي لطهران، في الوقت الذي كانت تعمل على تكريس الوجود الدائم لقواتها وللقوات الأجنبية في جميع دول الخليج العربي، حيث تركز وجودها في الكويت والسعودية وقطر والبحرين.

4. الاحتواء المزدوج

أعلنت إدارة كلينتون استراتيجية "الاحتواء المزدوج" تجاه كلّ من إيران والعراق، خوفاً من تقويض عملية "السلام العربي الإسرائيلي" التي تبنَّتها الإدارة آنذاك، وهو ما يفيد إمكانية الحركة الأميركية في "الاحتواء" على أكثر من جهة.

ولعل تاريخ "الاحتواء" الطويل الذي اعتمدته الولايات المتحدة ضد دول الاتحاد السوفياتي والأحزاب الشيوعية التي نشطت منذ بدايات الحرب الباردة، وتحديداً في أوروبا، يبرهن على القدرة الأميركية على اعتماد "الاحتواء المتعدد"، وليس "المزدوج" فقط، وهو التوصيف الذي ينطبق حاليّاً على المواجهة الأميركية لدول المحور المقاوم.

5. الاحتواء الصارم

اعتمدت إدارة كلينتون "الاحتواء الصارم" في "الاحتواء المزدوج" للحد من الضرر تجاه العملية عبر فرض عقوبات شاملة أحادية الجانب، والتهديد بعقوبات ثانوية على الشركات غير الأميركية التي تتعامل مع الصناعة النفطية الإيرانية، وتجديد العمل السري ضد إيران.

وقد كثّفت جهود احتواء الاجراءات والسياسات الإيرانية بذريعة تهديد طهران مصالح الولايات المتحدة وقيمها، وفق بيان وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية أمام مجلس النواب للجنة العلاقات الدولية في واشنطن في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1995، بيتر تارنوف، الذي رأى في قرار الرئيس في "الاحتواء مكملاً لتصميم أميركي طويل الأمد لمواجهة أنشطة إيران"[4].

وللمفارقة، باءت محاولات الولاية الثانية من عهد كلينتون بالفشل في إنهاء العداء مع إيران في ظل ولاية الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي (1997 – 2001). إنَّ المصالحة التي أملها كلينتون مع وصول حكومة إصلاحية تأمّل معها حدوث تحول في السياسة الخارجية الإيرانية تنهي حالة العداء مع الولايات المتحدة، لم تتم لأسباب عدة، عنوانها العام هو خصوصية المعايير والمبادئ السياسية في النظام الجمهوري الإسلامي. ومن هذه الميزات وجود عملية ضبط من "ولاية الفقيه" للمسار السياسي للبلاد على أسس الثورة...

6. الاحتواء المتجدّد

 بعد خيبة الأمل من مساعي إدارة كلينتون في تحقيق بوادر اختراقات في النظام عبر حكومة الرئيس خاتمي، تجدد "الاحتواء" بعدائية مفرطة مع إدارة بوش الابن خلال الخطاب الرئاسي في العام 2002، الَّذي وضع كلاً من إيران والعراق وكوريا الشمالية في ما أسماه "محور الشر"، وخصوصاً بعد غزو العراق (2003).

 وكان الطّرح آنذاك يشجّع على تصوّر قيام "كونسورتيوم"، وهو اتحاد إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، أسماه "الناتو للخليج"، وفق ما أشار إليه مقال جوناثان راوش بعنوان "احتواء إيران" المنشور في العام 2006 في موقع الأتلنتيك[5]، علماً أن صاحب الطرح نفسه هو المحلّل الاستخباراتي بولاك.

بقي السعي الأميركي لاحتواء "إيران النووية" قائماً، خوفاً من تداعيات "التسلح النووي"، رغم وجود اتجاه أميركي غير مقتنع بأن "الردع النووي، أي "الاحتواء"، هو الصيغة الأكثر حكمة"، كما عبّر جودا غرانشتاين في موقع مراجعة السياسة العالمية (WPR)[6] في العام 2010.

والسبب، في اعتقاده، أن الشخص الذي يتمتع بنظرة واقعية إلى الأشياء لا يمكن أن يتحمس لخيار سياسي مشابه لما تتمتع به المنطقة من ثقة منخفضة وأوقات طيران قصيرة، ناهيك بإمكانية وجود معادلات متعدّدة الأطراف (على عكس الثنائية)، لكنَّه يلفت منذ ذلك الوقت إلى أهمية وجود رادع نووي متعدد الأطراف، بالإشارة إلى ما يمكن أن ينجم عنه من دفع إلى إنشاء آليات مؤسسية لتحقيق الاستقرار للرقابة والوساطة لعملية الردع النووي.

 وبعد تجربة طويلة من "الاحتواء" حتى العام 2013، يعترف محلل الاستخبارات بولاك بأنَّ نجاح "الاحتواء" جزئي ومحدود؛ فإيران واصلت تطوير برنامج التخصيب النووي وترسانة الصواريخ الباليستية، ويرجّح أن يظل "الاحتواء" حجر الزاوية في السياسة الأميركية تجاه إيران لبعض الوقت، ما "لم ينهَر النظام الإيراني أو يتطور إلى شيء مختلف تماماً"، بما أن "الاحتواء حقق بعض النجاحات، وكان فعالاً في عزل إيران جزئياً، فقد أعاق جهود طهران لتطوير جيش قادر، وحدّ من قدرة إيران على أداء دور مؤثر في الجغرافيا السياسية لجنوب غرب آسيا، كما حدّ من نموها الاقتصادي"[7].

7. الاحتواء الدبلوماسي

إدارة أوباما التي عبرت العام 2012 بشخص الرئيس عن عدم وجود سياسة لاحتواء إيران، وجدت طرح الاتفاق النووي في العام 2013 ضروريّاً عندما كان الخيار أمام الإدارة إما الحرب وإما "الاحتواء" بالذهاب إلى الاتفاق، فاختارت الإدارة "الاحتواء" عبر الاتفاق، لأنه "لا بديل عن احتواء إيران النووية، سواء احتواؤها بأسلحة نووية أو مع القدرة على إنتاجها بسرعة"[8].

وقبل التوجه إلى الاتفاق، ساد عامل "التخريب" كاستراتيجية لاحتواء إيران. وقد شملت حملة التخريب حدوث انفجارات وتفعيل فيروسات كمبيوتر واغتيال علماء نوويين، وفق تصريح نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي موشيه يعالون.

 لم تعترف الولايات المتحدة و"إسرائيل" بالوقوف وراء الحملة التخريبية التي تعرضت لها أجهزة الطرد المركزي الإيرانية النووية. وكان الهدف من التخريب أن يخدم الدبلوماسية بقوة، ويكون بديلاً للحرب الشاملة، أي أنه الخيار الوسط ما بين حرب شاملة والقبول بالتقدم المستمر نحو السلاح النووي.

وكان مايكل أوهانلون وبروس ريدل في مقال من معهد "بروكينغز" وصفا التخريب بأنَّه جزء من استراتيجية أطلقا عليها اسم "التضييق" أو "التقييد والتقليص"، كطريقة لتأخير البرنامج النووي وتحجيمه، تماماً كالعقوبات ووسائل أخرى غير عسكرية، وصولاً إلى تجميد العمل النووي الإيراني[9].

8. الاحتواء التّصعيدي

 اتّسم "الاحتواء" في عهد ترامب بـما يمكن إطلاق "الاحتواء التصعيدي" عليه، نتيجة حملات الضغط القصوى تجاه إيران وفرض العقوبات على سوريا ولبنان. وقد توسعت جهود "الاحتواء" عمليّاً في استجابات الرئيس الأميركي لاستراتيجية البيت الأبيض للأمن القومي[10] في العام 2017 التي حددت "التوسع الإيراني" أحد التهديدات المركزية للولايات المتحدة في المنطقة، إضافة إلى "المنظمات الإرهابية" و"عدم الاستقرار الاقتصادي".

هذه المبادئ تجعل "تحييد نفوذ إيران" ضمن الإجراءات ذات الأولوية في المنطقة، وتنضوي، كما يقول المبعوث الأميركي لشؤون سوريا (2016- 2018) جيمس جيفري، على "تجنب التورط في القضايا المحلية مع التصدي للمخاطر الإقليمية، بما يعنيه ذلك من احتواء لإيران"[11].

إذاً، يقرّ جيفري باتباع إدارة ترامب سياسة احتواء إيران، إذ شكّلت "مهمة الاحتواء" بالنسبة إلى ترامب تحدياً لاستيعاب التهديد الإيراني للنفوذ الأميركي في المنطقة ولأمن "إسرائيل"، عبر الجمع بين الخطاب المتشدد والعروض الدورية للتفاوض مع طهران، مع اتباع سياسة "الضغط الأقصى"، بهدف "تغيير النظام على نطاق واسع أو ببساطة إنجاز اتفاق نووي أكثر قوة من خطة العمل الشاملة المشتركة"[12].

 شاب احتواء إيران أثناء ولاية ترامب حالة اختراق مع قرار اغتيال قائد "قوة القدس" في الحرس الثوري الإيراني، الحاج قاسم سليماني، بطائرة مسيرة، ما "أثار مخاوف من تصعيد عنيف - حتى حرب - بين الولايات المتحدة وإيران"[13]. من هنا، حاولت مؤسَّسات الدولة العميقة إعادة التوازن وضبط تصرفات ترامب التصعيدية وكبحها. لقد كانت الولايات المتحدة تسعى لتجنّب خيار الحرب قدر الإمكان لأنه مكلف، ويتطلب توفير موارد عسكرية وسياسية ومالية لخصوم إيران في جميع أنحاء المنطقة، كما أنه غير مرجّح، نظراً إلى التجربة الأميركية في العراق، بما يفتقر معها إلى دعم الشعب والكونغرس، لكنّه ظلَّ خيار بعض النافذين المدافعين عنه.

9. الاحتواء المموّه

إن التحرك بأوجه غير مباشرة، بما يخلط النيات ويشوّه وضوح الرؤية، يخدم الدبلوماسية الأميركية التي تتشدق بـ"الاستقرار الإقليمي"، لكنها تتمسك بالمصالح الخاصة والنفوذ، ولو على حساب معاناة الشعوب و"إفشال" الدول. تقوم سياسة بايدن على حركة الوكلاء والحلفاء والشركاء بشكل رئيس، وكلّ منهم يعبّر عن وجه من وجوه الإدارة المموهة التي لن تتوانى عن أهدافها بتقويض نفوذ إيران ومحور المقاومة وتأمين ضمان أمن "إسرائيل". وعليه، قد يصحّ القول إن "الاحتواء" في عهد إدارة بايدن يتلاءم مع "الاحتواء المموّه" للتناسب بين عملية التمويه وتطلعات الإدارة من تقويض تهديد إيران ونفوذها تحت شعار "الدبلوماسية".

* استمرارية طرح "الاحتواء"

ما زال العديد من الباحثين وصنّاع الفكر يتبنّون استراتيجية "الاحتواء" كأفضل الخيارات وأنسبها في تحديد السياسة الأميركية الأنسب في التعامل مع الحضور الإيراني وصعود محور المقاومة.

 يتبنّى كبير باحثي دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس العلاقات الخارجية، ستيفن كوك، استمرار سياسة "الاحتواء" تجاه إيران لضروريتها، ولكونها الاستراتيجية الوحيدة المعقولة أو المنطقية والخيار الأكثر عقلانية مقارنة بالاستراتيجيات المحتملة الأخرى، إذ إنَّ "الاحتواء" يوفر للولايات المتحدة بعض الغرف الدبلوماسية التي تشتد الحاجة إليها للمساعدة في إدارة الأزمات الإقليمية، مثل اليمن وسوريا والعراق، ويمثل "التقييم الأكثر واقعية لما يمكن أن تتحمله السياسة الأميركية أو الإيرانية"[14].

وتخلص دراسة موسعة قام بها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) العام الماضي بعنوان "احتواء طهران: فهم قوة إيران واستغلال نقاط ضعفها"، إلى أن أهداف الاحتواء يجب أن تواجه "الاتجاه التوسعي الإيراني"، بما في ذلك "انتشار أيديولوجيتها الثورية؛ إضعاف مصادر التطرف الإيراني من خلال الوسائل العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية والمعلوماتية، والانخراط في الحوار السياسي حيثما أمكن ذلك"[15]، وترى في الحلفاء والشركاء ضرورة لاحتواء إيران.

والأهم أن الدراسة ما زالت تراهن على إمكانية انهيار النظام الحالي، أو تطوّره تدريجيّاً بمرور الوقت، من خلال التحول السياسي والاقتصادي، كما حصل مع الاتحاد السوفياتي، وإن كانت تنتظر التحول الكبير من الإيرانيين بخطوة تحريضيّة تتحدث فيها عما ولّدته وستولده الأوضاع من معارضة داخلية وخارجية وأنها ستستمر.

في كتابه الكلاسيكي "استراتيجيات الاحتواء"، يجادل مؤرخ جامعة يايل، جون لويس غاديس، بأن احتواء إيران يتطلب نهجاً مختلفاً عن احتواء الاتحاد السوفياتي وفق تصور جورج كينان. ارتكز احتواء الاتحاد على استعادة توازن القوى التي خلفتها هزائم ألمانيا واليابان المتزامنة مع توسع النفوذ السوفياتي في أوروبا وآسيا، وتفتيت الحركة الشيوعية العالمية، وإقناع القادة الروس بأنه يمكن خدمة مصالحهم بشكل أفضل، من خلال تعلم العيش في عالم متنوع، بدلاً من محاولة إعادة تشكيله على صورتهم.

أما احتواء إيران، فيجب أن يقوم على بناء الوحدة العالمية والقدرة الإقليمية ضد الأعمال الإيرانية، وتجزئة القوة الإيرانية، وإجبار القيادة الإيرانية على إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية قبل الأيديولوجية الثورية.

 ويرى الباحث كريم سدجدبور في مقاله "دروس الحرب الباردة من الاستراتيجية الإيرانية" أنه لا يمكن لأي استراتيجية فعالة لمواجهة إيران أن تعتمد على القوة الصلبة أو الناعمة وحدها، وأنه يجب أن تأخذ في الاعتبار التاريخ الحديث، إذ أظهرت العقود الأربعة الأخيرة من السياسة الأميركية تجاه إيران قدرة واشنطن المحدودة على تغيير طبيعة النظام الإيراني أو سلوكه[16]، وهو يفترض أن مواجهة "طموحات إيران الإقليمية" تتطلب القدرة والعزيمة.

ولما كانت القدرة المالية والسياسية موجودة لدى القوة العظمى من دون عزيمة، فإن مهام تلك القوى هي تغذية العزيمة الموجودة لدى دول المنطقة - الدول العربية السنيّة على وجه الخصوص - في معارضة الطموحات الإيرانية، حتى تمتلك القدرة على المواجهة أو الردع. كما يشير الباحث إلى سياسة أميركية بغاية الخطورة والأهمية في آن معاً - عملت الولايات المتحدة عليها وما زالت - وهي إقناع القوى العالمية بأن الدعم الإيراني لقوى المقاومة هو سبب "عدم الاستقرار الإقليمي والراديكالية".

* خلاصة

تعمل الإدارات الأميركية عموماً على احتواء إيران عبر تسليط الضوء على سياساتها الإقليمية الإشكالية، بالعمل على الأرض والحفاظ على الشرعية الدولية التي تعاني مؤسساتها أساساً الهيمنة الأميركية عليها. هذا المسار يشير إلى استمرارية السياسات الأميركية وفق ملامح نهج الحرب الباردة، سعياً لتغيير سلوك إيران، رغم النتيجة السلبية التي حصلت عليها على مدى ما يزيد على 40 عاماً من عمر النظام الجمهوري الإسلامي.

تصر السياسة الأميركية على استراتيجية "الاحتواء"، وتولي اهتماماً لتحقيق النجاح فيها أكثر بكثير من استقرار المنطقة، الأمر الذي يعقّد ملفات المنطقة أكثر. وإذا كان بعض المراهنين على "الاحتواء" يرون ضرورة إقناع الحلفاء والأعداء والشعوب بحيوية الاستراتيجية، ويدعون إلى استمرار الدمج بين القول والفعل والتلاعب بهما في مواجهة إيران ومحور المقاومة، فإنه لا بد من مراجعة تغير موازين القوى والتحولات التي طرأت في منطقة غرب آسيا تحديداً، وافتتحت معها مرحلة تحدٍّ قد تكون من بوابة "احتواء الاحتواء" أو مراجعة الأداء، للخروج بما يتناسب مع التطورات والمستجدات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كينيث بولاك مدير مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد "بروكينغز"، هو المؤلف الرئيسي لكتاب "أي طريق إلى بلاد فارس؟ خيارات لاستراتيجية أميركية جديدة تجاه إيران".

[2] Kenneth M. Pollack, "Containing Iran".
https://iranprimer.usip.org/sites/default/Containing%20Iran.pdf

[3]Kenneth M. Pollack, op.cit.

[4] Peter Tarnoff, "Containing Iran", State Department, 9/11/1995.
https://1979-2001.state.gov/regions/nea/951109.html

[5] Jonathan Rauch, "Containing Iran", The Atlantic, July/ August 2006.
https://www.theatlantic.com/magazine/archive/2006/07/containing-iran/304957/

[6] Judah Grunstein, Containing a Nuclear Iran, World Politics Review, 15/3/ 2010.
https://www.worldpoliticsreview.com/trend-lines/5274/containing-a-nuclear-iran

[7] Kenneth M. Pollack, "Containing Iran", op.cit.

[8] George Will, "A case for containing Iran", The Washington Post, 6/12/2013.
https://journalnow.com/opinion/columnists/george-will-a-case-for-containing-iran/article_afc2165a-5ddf-11e39c14-001a4bcf6878.html

[9] Doyle Mcmanus, "The sabotage strategy for containing Iran", Baltimore Sun, 3/ 4/2012.
https://www.baltimoresun.com/opinion/op-ed/bs-ed-mcmanus-iran-20120403-story.html

[10] White House. (2017): National security strategy of the United States of America. The United State of America, DC 2017. Available on: https://ge.usembassy.gov/2017-national-security-strategy-united-states-america-president/

[11] James F. Jeffry, "Biden Doesnot Need a New Middle East Policy", Foreign Affairs, 15/1/2021.
https://www.foreignaffairs.com/articles/middle-east/2021-01-15/biden-does-not-need-new-middle-east-policy

[12] Steven A. Cook, "The Only Sensible Iran Strategy Is Containment", Council on Foreign Relations, 11/3/2020.
https://www.cfr.org/article/only-sensible-iran-strategy-containment

[13] Ibid.

[14]Steven A. Cook, "The Only Sensible Iran Strategy Is Containment", op.cit.

[15] Seth G. Jones, "Containing Tehran: Understanding Irans Power and Exploiting Its Vulnerabilities", CSIS, January 2020, P:65.
https://www.csis.org/analysis/containing-tehran-understanding-irans-power-and-exploiting-its-vulnerabilities

[16] Karim Sadjadpour, Cold War Lessons for Iran Strategy, Hoover Institution, 12/12/2017.
https://carnegieendowment.org/2017/12/12/cold-war-lessons-for-iran-strategy-pub-75007

........................
انتهى / 232-101


المواضيع ذات الصلة

ارسل تعليقاتك

العناصر الهامة (المُعَلّمَة)

*