قواعد فرعیة في التفسیر القرآني:

النسخ و شروطه

یتضمن علم التفسیر عددا من القواعد الفرعیة ، هي عبارة عن تطبیقات الأساسیة ، و هذه لاقواعد الفرعیة هي : 1. المحكم یفسیر المتشابه 2. المقید یفسر المطلق  3. الخاص یفسر العام  4. المبیّن یفسر المجمل  5. الناسخ یفسر المنسوخ   6. ضرورة التفریق بین النسخ اللغوي و النسخ الإصطلاحي   7. الرافع للتنافي اختلاف المصلحة في النسخ ، و قوة الظهور في المجمع  8. ظهور القرینة مقدم علی ظهور ذي القرینة.

و قد تحدثنا في السابق عن بعض هذه القواعد و تطبیقاتها ، حیث رأینا أن بعض تلك التطبیقات منشأ للكثیر من الاختلافات بین السنة و الشیعة في مختلف المجالات ، لا سیما الأحكام. بل إن هناك اختلافاً في فهم بعض القواعد الفرعیة.

المحكم و المتشابه:

قال تعالی : « هو الذي أنزل علیك الكتاب منه آیات محكمات هنّ أمّ الكتاب و أأخر متشابهات فأمّا الذین في قلبوبهم زیغ فیتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تتأویله و ما یعلم تأویله إلا الله و الرّاسخون في العلم یقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا و ما یذكر إلا أولوا الألباب» فالمتشابه في هذه الآیة یردّ إلی الحكم.

و كذا الحال في النساخ و المنسوخ حیث یعرض المنسوخ علی الناسخ، مع اختلاف الفقهاء ، اختلافاً شدیداً في حجم الناسخ و المنسوخ في القرآن الكریم ، فبعضهم لا یری مورداً واحداً له في القرآن ، و لا حتی آیة واحدة له في القرآن ، و لا حتی آیة واحدة ، و بعضهم یری أن هناك خمسمائة آیة منسوخه ، و بعضهم بین هذا و ذاك ، یری أن عدد الآیات المنسوخة هو مائتا آیة.

و هناك فرق في ا لنسخ بین معناه اللغوي و معناه الاصطلاحي ، كما ذكرنا سابقاً.

و من المفارقات التي لا بدّ من الإشارة إلیها ، أن علماء التفسیر لابدّ أن یرجعوا إلی الروایات الشریفة و الآیات المباركة عند وضعهم القواعد التفسیریة ، لا أن یضعوا القاعدة ، و یجعلوا لها شروطاً ، ثم یقولوا : إذا تحققت هذه الشروط انطبقت القاعدة.

ففي الناسخ و المنسوخ ، وضعوا قاعدة ، و جعلوا لها شروطاً ، ثم اعتبروا أن هذه الشروط إذا تحققت كان ذلك من الناسخ و المنسوخ، و إن لم تتحقق اعتبروه مطلقاً و مقیداً ، أو عاماً و خاصاً ، أو محكماً و متشابهاً.

و أهم شرط في النسخ هو التنافي المستقر ، بمعنی عدم إمكانیة الجمع بأي لون من ألوان الجمع، و هذا هو الشرط الأساسي الذي یفرق بین النسخ بالمعنی الاصطلاحي و النسخ بالمعنی اللغوي. فالنسخ بالمعنی اللغوي ـ كما تذكره الروایات ـ هو أعم من النسخ بالمعنی الاصطلاحي ، فالروایات تطلق لفظ النسخ علی العام و الخاص و المطلق و المقید، و المحكم و المتشابه، أي أنها تستخدم النسخ بمعنی الإزالة، حتی لو كانت إزالة جزئیة ، فالخاص یزیل بعض أفراد العام . فقوله تعالی : « و أولات الأحمال أجلهنّ أن یضعن حملهنّ» أزال بعض أفراد قوله تعالی: « و المطلقات یتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء» فالمطلقات لفظ یشمل الحامل و غیر الحامل، فجاءت آیة الأحمال لتخرج بعض مصادیق المطلقات، و هن المطلقات الحوامل.

فالمقید (ینسخ) المطلق، و الخاص(ینسح) العام ، لكنه نسخ جزئي و لیس نسخاً كلیاً.

شروط النسخ الاصطلاحي :

أما شروط النسخ الاصطلاحي ، فأهمها و أساسها التنافي الذي لا یمكن معه الجمع و هو ما یسمی بالتعاریض المستقر . و الشرط الثاني هو ظهور المنسوخ في الدوام.

فالفرق بین عموم المفسرین و بین السید الخوئي أنه شدد في النسخ ، و ضیّق دائرته ، و أسباب هذا التضییق أنه یری أن المنسوخ لو أشار بالتقیید فإنه یبطل النسخ ، فمجرد الإشارة و التلمیح یبطل النسخ. أما العلامة الطباطبائي فیری العكس تماماً ، و أن التلمیح و الإشارة یؤكد النسخ.

و هكذا یری بعض المفسرین أن مجرد تلمیح المنسوخ بالتقیید یسقط أن تكون الآیة منسوخة ، و إن رُفع حكمها، إلا إن الاختلاف في طریق الرفع ، لا في الرفع و عدمه.

فمن الأمثلة علی ذلك قوله تعالی : « قاتلوا الذین لا یؤمنون بالله و لا بالیوم الآخر و لا یحرّمون ما حرّم الله و رسوله و لا یدینون دین الحق من الذین أوتوا الكتاب حتی یعطوا الجزیة عن ید و هم صاغرون». و هذه الآیة تسمی آیة السیف . یقول بعضهم أنها نسخت بعض الآیات الأخری ، و منها قوله تعالی: « ودّ كثیر مّن أهل الكتاب لو یردّونكم من بعد إیمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبیّن لهم الحقّ فاعفوا و اصفحوا حتی یأتي الله بأمره إنّ الله علی كلّ شيء قدیر».

یقول العلامة الطباطبائي:" و الآیات المنسوخة مع ذلك لا تخلو من إیماء و تلویح إلی النسخ " فقوله : إیماء و تلویح ، یعني أنها إذا صرّحت لا تكون منسوخة ، إنما هناك حكم آخر. فمن شروط الناسخ و المنسوخ ، كما یری العلامة الطباطبائي، أما الإمام فیری العكس ، بأن التلمیح یبطل النسخ.

یقول العلامة الطباطبائي:" و الآیات المنسوخة مع ذلك لا تخلو من إیماء و تلویح إلی النسخ كما في قوله تعالی:« فاعفوا و اصفحوا حتی یاتي الله بأمره» المنسوخ بآیة القتال ، و قوله تعالی : « فأمسكوهنّ في البیوت حتّی یتوفّاهن الموت أو یجعل الله لهنّ سبیلاً» المنسوخ بآیة الجلد، فقوله: « حتی یأتي الله بأمره» وقوله " « أو یجعل الله لهنّ سبیلاً» لا یخلو عن إشعار بأن الحكم مؤقت مؤجل سیلحقه النسخ".

و یقول السید الخوئي: " فإن النسخ إنّما یكون في الحكم الذي لم یصرح فیه لا بالتوقیت و لا بالتأكید . فإنّ الحكم إذا كان مؤقتاًً ـ و إن كان توقیته علی سبیل الإجمال ـ كان الدلیل الوضح لوقته ، و المبین لانتهائه من القرائن الموضحة للمراد عرفاً ، و لیس هذا من النسخ في شیء ، فإنّ النسخ هو رفع الحكم الثابت الظاهر بمقتضی الإطلاق في الدوام و عدم الاختصاص بزمان مخصوص".

فالسید الخوئي لا یعتبر قوله تعالی: « حتی یأتي الله بأمره » من المنسوخ ، حیث أن الأمر في الآیة لیس أمراًً تشریعیاً ، إنما هو أمر تكویني ، أي حتی تتغیر الظروف و الأحوال و معادلات القوی السیاسیة في الساحة. انتهی/125