في الردّ علی الوهابیة

زیارة القبور علی ضوء الكتاب و السنّة

لقد دفتی علماء الإسلام و فقهاء الشریعة بجواز زیارة القبور ـ و خاصّة قبور الأنبیاء و الصالحین ـ استناداً إلی مجموعة من الآیات الكریمة و الأحادیث الشریفة، و بالإضافة إلی الجواز فإنهم أفتوا باستحبابها و فضیلتها.

أمّا الوهابیّون فإنّهم ـ كما یبدو ـ لا یحرّمون أصل الزیارة ، بل یحرّمون السفر و شدّ الرحال إلی زیارة قبور الصالحین. فالبحث هنا في مرحلتین:

1.         الزیارة

2.         السفر للزیارة

 

زیارة القبور

ممّا لا شك فیه أنّ زیارة القبور تنطوي علی آثار أخلاقیة و تربویة هامّة، نشیر إلیهاـ مختصراً ـ فیما یلي:

إنّ مشاهدة هذا الوادي الهادیء الّذي یضمّ في أعماقه مجموعة كبیرة من الذین عاشوا في هذه الحیاة الدنیا ثمّ انتقلوا إلی الآخرة ، و هم سواء ... الغني و الفقیر ، القوي و الضعیف ، و لم یصحبوا معهم سوی ثلاث قِطَع من القماش فقط.

إنّ مشاهدة هذا المنظر یهزّ الإنسان قلباً و روحاً ، ویخفّف فیه روح الطمع و الحرص علی الدنیا و زخارفها و شهواتها، ولو نظر الإنسان إلیها بعین الإعتبار لغیّر سلوكه في هذه الحیاة ، و اعتبر لآخرته ، و راح یخاطب نفسه: إنّ هذه الحیاة المؤقتة لابدّ أن تزول ، و إنّ الفترة الّتي أعیشها لابدّ أن تنتهي و یكون مصیري إلی حفرة عمیقة ، تتراكم عليّ تلال من التراب و هناك الحساب ، إمّا ثواب و إمّا عذاب ، فلا تستحقّ هذه الحیاة المؤقتة أن یجهد الإنسان نفسه من أجل المال و الجاه و المنصب ، فیظلم هذا و یؤذي ذلك ، و یرتكب الجرائم و المنكرات.

إنّ نظرة تأمّ ل إلی هذا الوادي الساكن ترقّق القلب مهما كان قاسیاً ، و تُسمع الإنسان مهما كان صُماً، و تُفتح العیون مهما كانت حالكة، و كثیراًَ ما تدفع بالإنسان إلی إعادة النظر في سلوكه و حیاته، و الشعور بالمسؤولیات الكبیرة أمام الله تعالی و أمام الناس.

یقول الرسول الأعظم (ص).

1.         « زوروا القُبُور فإنَّها تُذَكركمُ الآخرة»

بالرغم من أنّ مسألة زیارة القبور لیست بحاجة إلی إقامة الدلیل و البرهان علی صحّتها و ضرورتها، و لكننا نضظر إلی التحدّث عنها لأولئك الذین یتوقّفون فیها.

 

القرآن و زیارة القبور

إنّ الله تعالی ینهی حبیبه محمّداً (ص) عن الصلاة علی جنازة المنافق و القیام علی قبره ، فیقول سبحانه:

« و لا تُصَلِّ علی أحد منهم مات أبدا و لا تقم علی قبره إنهم كفروا بالله و رسوله و ماتوا و هم فاسقون»

فالآیة تسعی لهدم شخصیة المنافق ، و هزّ العصا في وجوه حزبه و نظائره، و النهي عن هذین الأمرین بالنسبة للمنافق و بیان انّ هذین من خصائص المؤمنین لا للمنافقین.

و الآن یجب أن ننظر في قوله تعالی:« و لا تقم علی قبره» ما معناه؟

هل المعنی هو القیام وقت الدفن فقط حیث لا یجوز ذلك للمنافق و یستحبّ للمؤمن ؟ أم المعنی أعمّ من وقت الدفن و غیره ؟

الجواب: نظر بعض المفسّرین إلی الآیة نظرة ضیّقة فقال بالقول الأوّل ، و لكنّ بعضاً آخرین ـ كالبیضاوي و غیره ـ نظروا إلیها نظرة واسعة فقالوا: إنّ النهي في « لا تقم علی قبره» هو عن الدفن و الزیارة . و التدقیق و إمعان النظر في الآیة الكریمة یسوقنا إلی هذا المعنی الأعم ، و ذلك لأنّ الآیة تتشكل من جملتین:

الأولی: « لا تُصلّ علی أحد منهممات أبدا».

إنّ لفظة « أحد » بحكم ورودها في سیاق النفسي تفید العموم و الاستغراق لجمیع الأفراد ، و لفظة « أبداً » تفید الاستغراق الزمني ، فیكون معناها : لا تُصلّ علی أحد من المنافقین في أيّ وقت كان.

فمع الانتباه إلی هذین اللفظین نعرف ـ بوضوح ـ أنّ المراد من النهي عن الصلاة علی المیّت المنافق لیس خصوص الصلاة علی المیّت عند الدفن فقط ، لأنّها لیست قابلة للتكرار في أزمنة متعدّدة ، ولو أرید ذلك لم تكن هناك حاجة إلی لفظة « أبداً » بل المراد من الصلاة في الآیة مطلق الدعاء و الترحّم سواء أكان عند الدفن أم بعده.

فإن قال قائل : إنّ لفظة « أبداً » تأكید للاستغراق الأفرادي لا الزماني.

فالجواب بوجهین:

1.         إنّ لفظة « أحد» أفادت الاستغراق و الشمول لجمیع المنافقین.

2.         إنّ لفظة « أبداً» تُستعمل في اللغة العربیة للاستغراق الزماني، كما في قوله تعالی :

« ... و لا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً...».

فالنتیجة : أنّ المقصود هو النهي عن الترحّم علی المنافق و عن الاستغفار له ، سواء كان بالصلاة علیه أو بغیرها . سواء كان حین الدفن أم بعده .

الثانیة: « لا تقُم علی قبره».

إنّ مفهوم هذه الجملةـ مع الانتباه إلی أنّها معطوفة علی الجملة السابقةـ هو : لا تقم علی قبرأحدٍ منهم أبداً، لأنّ كلّ ما ثبت للمعطوف علیه من القیدـ أعني : « أبداً» ـ یثبت للمعطوف أیضاً، ففي هذه الحالة لا یمكن القول بدنّ المقصود من القیام علی القبر هو وقت الدفن ، و لفظة « أبداً» المقدّرة في هذه الجملة الثانیة تفید إمكانیة تكرار هذا العمل ، فهذا یدلّ علی أنّ القیام علی القبر لا یختصّ بوقت الدفن. بل یعمّه و غیره فهو حرام في حقّ المنافق و جائز في حقّ المؤمن.

فیكون معنی الآیة الكریمة: إنّ الله تعالی ینهی نبیّه (ص) عن مطلق الاستغفار و الترحّم علی المنافق ،سواء كان عند الدفن أو بعده.

و مفهوم ذلك هو أنّ هذین الأمرین یجوزان للمؤمن.

و بهذا ثبت جواز زیارة قبر المؤمن و جواز الصلاة و الدعاء علی روحه، حتّی بعد مئات السنین.

هذا بالنسبة إلی المرحلة الأولی و هي أصل الزیارة من وجهة نظر القرآن ، و أمّا بالنسبة إلیها من ناحیة الأحادیث فإلیك بیانها:

 

الأحادیث الشریفة و زیارة القبور

یستفاد من الآحادیث الشریفة ـ التي رواها أصحاب الصحاح و السّنن ـ أنّ النبي (ص) نهی عن زیارة القبور نهیاً مؤقتاً لأسباب خاصّة ، ثم رفع النهي و رغّب في الزیارة.

و لعلّ علّة النهي المؤقت هي أنّ الأموات كانوا مشركین و عبدة للأصنام ، و قد قطع الإسلام كلّ العلاقات مع الشرك و أهله، فنهی النبي (ص) عن زیارة الأموات .

و یحتمل أن تكون العلّة شیئاً آخر ، و هو أنّ المسلمین كانوا حدیثي العهد بالإسلام ، فكانوا ینوحون علی قبور موتاهم نیاحة باطلة تُخرجهم عن نطاق الشریعة ، و لمّا تمركز الإسلام في قلوبهم و أنسوا بالشریعة و الأحكام ، ألغی النبي(ص) بأمر الله تعالی النهي عن زیارة القبور ، لما فیها من الآثار الحسنة و النتائج الطیّبة ، و لهذا روی أصحاب الصحاح و السّنن أنّه (ص) قال:

1.« كنت نهیتكم عن