حركة الإمام الحسين (ع) نابعة عن حركة الأنبياء (ع) وهي أم الحركات

حركة الإمام الحسين (ع) نابعة عن حركة الأنبياء (ع) وهي أم الحركات

قدم الإمام موسى الصدر محاضرة تحت عنوان الإمامة وعاشوارء خلال ندوة أدبية انعقدت في مدرسة الآداب العليا ببيروت، مبينا في الحلقة الثالثة علاقة الإمام الحسين (ع) بالأنبياء (ع).

ابنا: يبدأ دور الإمام لمنع تحول المفاهيم والأحكام الإلهية عن طريق عناصر وأناس يشوِّهون ويحرِّفون الكلام عن موضعه.
 
فالإمام عند الشيعة له دور حفظ الدعوة والقيادة عدا أنه ليس نبيًا ولا يُوحى إليه، ولكنه معصوم عن الخطأ والذنب. ومعنى ذلك أن الإمام (الإمام المعصوم طبعًا لا الإمام في مصطلحنا المعاصر) يمثل الإرادة الإلهية في سير الإنسان نحو الكمال ومن أجل ذلك يقول الشيعة إن اختيار الإمام يجب أن يكون حسب النص وليس حسب الانتخاب والاختيار. فالإمام يمثل الإرادة الإلهية أي مساعدة الإنسان في صعوده نحو الكمال وهو يصطدم بعراقيل وعقبات. والصدام خفيف تارة وعنيف أخرى.
 
وطالما أن الإمام يمثِّل هذه الإرادة يتضح معنى الحديث "أكثر الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء" باعتبار مسؤوليتهم عن دعوتهم المستمرة، ونعرف معنى الحديث "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية" لخطر الانحراف وسيطرة الشرّ. هذه الاستمرارية في القيادة ومساعدة الناس على صراعهم الداخلي والخارجي ودفعهم نحو الكمال تعبير صادق عن سُنّة الله في الخلق ﴿ولن تجد لسنَّة الله تبديلًا﴾ [الأحزاب، 62]. فالتغيُّر والتطور والتكامل هنا يلتقي مع الثبات والإطلاق ويصبح أمرًا لا يتغير في الأساس متغيرًا في المضمون. فالسُنّة الأزلية المطلقة تتطلب التغيُّر الدائم، هنا يلتقي التغيير والثبات. لذلك، فإن النبي، كل نبيّ، ومن بعده الإمام الوصيّ، ومع الإمام ممثلوه كما ورد في الحديث "من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، عاصيًا لهواه، مطيعًا لأمر مولاه"(۱)، أصحاب هذه الصفات، الإمام يعبِّر عنهم فيقول: "فإنه حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله عليكم"(۲). وهؤلاء القادة: النبي، الإمام وممثل الإمام مسؤولون أمام الله عن سلوك الناس واستمرار تحركهم نحو الكمال مهما كان الثمن وكيفما كانت الظروف حتى لو استلزم ذلك تضحيات (أي الشهادة). فالإمام مسؤول عن تقديم الشهادة وأن يتقدم لأجل الشهادة عند الاقتضاء حتى يصون سير الإنسان نحو الكمال الذي يصطدم بعراقيل وعقبات خفيفة أحيانًا وعنيفة أخرى.
 
ومن هنا، فإن مفكري الشيعة -أو على الأقل بعض مفكري الشيعة- يميلون إلى رفض تصنيف التشيع مذهبًا في الأصل منفصلًا عن المذاهب الأخرى. المفكرون يرفضون ذلك بل إنهم يقولون إن التشيع بمعنى المسؤولية هو إيديولوجية القادة وسلوكهم القيادي المعتمد على الجهاد، والجهاد هو الدرس الصحيح للمرحلة المعاشة والسعي حتى الشهادة في سبيل تحويلها إلى الأفضل. وهنا نصل إلى التلاقي العميق بين الإمامة والشهادة لأن الإمامة مسؤولية لصيانة تحرك الناس. ومن الطبيعي إن المسؤول قد يحتاج إلى درجة الشهادة. فالشهادة جزء من الإمامة وندرك مفهوم الحديث الوارد عن الأئمة "ما منّا إلا شهيد أو مسموم" حيث يلقي الأضواء على أبعاد النضال الذي كانوا يمارسونه لتحمل مسؤولياتهم. وهنا نصل إلى النمط العريض لتاريخ التشيع، والذي يشكل عاشوراء صفحة من هذا التاريخ، ذلك الخطّ الشاق المأساوي الذي جعله رغم قلة أصحابه مذهب الرفض أم المخالفة أم المعارضة في إطار الالتزام الإسلامي بالنصوص والمتجدد بالاجتهاد.
 
إن رسالة الدين واحدة في سلسلة واحدة متصلة الحلقات. والهدف لا يتحقق إلا بتحرير الإنسان من عبادة الذات ومن التأثر بنزعات الشرّ ومن عبادة ما حوله ومن حوله. إن التحرر من عبادة الذات يحصل خلال الصراع النفسي وهو أمر ذاتيّ يخصّنا رغم أنه يكلف جهدًا كبيرًا وقد عبَّر عنه الجهاد الأكبر؛ ولكن عندما يصل الإنسان إلى التحرر من عبادة الآلهة الأرضية ورفض عبادة من حوله يعني تحرير الإنسان من عبادة الناس والأصنام، آلهة الأرض الذين يستعبدونهم ويستضعفونهم، عندما يصل الأمر إلى التحرر من الطغاة يصطدم بمصالح الطغاة وتحتدم المعركة.

وهنا نجد أن جهاد الأنبياء والأوصياء والائمة جميعًا في ساحة واحدة بحيث يمكننا أن ندرس موقف كل منهم في إطار عام؛ ومن جملة هذه المجاهدات بل قمة هذه التضحيات استشهاد الحسين يوم عاشوراء. فليست الشهادة الحسينية حلقة معزولة عن الحلقات الأخرى ندرسها، بل ندرسها من خلال تاريخ نضالي طويل أوجد شهادة الحسين كما أن شهادة الحسين أوجدت شهادات أخرى، ولكن شهادة الحسين هي القمة.
 
ولذلك، فالروايات الشيعية في الزيارات تؤكد وتقول: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله (يربط بين الحسين وبين آدم)، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث إسماعيل ذبيح الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله، السلام عليك..." وهكذا... هذه الأحاديث تركز على ربط الحركة الحسينية بالحركات القيادية لتحرير الإنسان من عبادة آلهة الأرض ودوره في أنه يحمل أعباء التاريخ كلّها ضمن معارك منذ الأزل في وجه الطغاة ولخدمة المعذبين في الأرض منذ أن كانت الأرض. وهذه المعارك استمرت وسقط شهيد تلو شهيد في الطريق حتى جاء الحسين وهو سيد الشهداء، فهو حلقة مترابطة مع هذا الماضي. وبنفس الوقت هذا يعني أن حركته نابعة من حركتهم وهي بدورها أم الحركات والحسين أبو الشهداء.
-----------------------
1-  محمد بن الحسن الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ط2، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قمّ، 1993، ج 27 ص 131.
2- محمد بن الحسن الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ط2، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، قمّ، 1993، ج 27 ص140 .
..........
انتهى / 278


المواضيع ذات الصلة

ارسل تعليقاتك

العناصر الهامة (المُعَلّمَة)

*


الإمام الخامنئي في نداء الحج مخاطباً قادة ونخب الدول الإسلامية
ميانمار
بحرين
We are All Zakzaky
یمن